مرحلة الدعوة السرية

الكتاب الثاني: وقائع السيرة النبوية
الباب الثاني: العهد المكي
الفصل الثاني: مرحلة الدعوة السرية

     قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نـزول مـا تقـدم مـن آيـات سـورة المـدثـر، بالـدعـوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ وحيـث إن قـومـه كـانـوا جفـاة لا ديـن لهـم إلا عبـادة الأصنـام والأوثـان، ولا حجـة لهـم إلا أنهـم ألـفـوا آباءهـم علـى ذلك، و لا أخـلاق لـهـم إلا الأخـذ بالـعـزة والأنفـة، و لا سبيـل لهـم فـي حـل المشـاكـل إلا السيـف، ومع هذا وذاك فقد كانت مكة مركز دين العرب، وكان بها سدنة الكعبة، والقوام على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالقرشيون يتصدرون للزعامة الـدينيـة في جزيـرة العرب، ويحتلون مركزها الرئيـس، ضامنين حفظ كيانها، مما يجعل الوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها يزداد عسراً وشدة عما لو كان صلى الله عليه وسلم بعيداً عنه. فالأمر يحتاج إلى عزيمة لا تزلزلها المصائب والكوارث، فقـد كـان مـن الحكمـة تلقـاء ذلـك أن تكـون الـدعـوة فـي بـدء أمـرهـا سـريـة؛ لئـلا يفـاجـئ أهـل مكـة بمـا يهيجهـم.

المبحث الأول: الرعيل الأول:

     كان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام أولاً على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره، جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي (كان قد أسر ورق، فملكته خديجة، ووهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءه أبوه وعمه ليذهبا به إلى قومه وعشيرته، فاختار عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبناه حسب قواعد العرب، وكان لذلك يقال: زيد بن محمد، حتى جاء الإسلام فأبطل التبني)، وابن عمه علي بن أبي طالب، وكان صبياً يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق‏.‏ أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة‏.‏

     ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلاً مألفاً محبباً سهلاً ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي‏.‏ فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام‏.‏

     ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي، ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وامرأته أم سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجُمَحِيّ وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدويـة أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت التميمي، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش‏.‏

     ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش عبد الله بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الأسدي وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، وصُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن فُهيرة.‏

     وممن سبق إلى الإسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن‏ أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

     هؤلاء معروفون بالسابقين الأولين، ويظهر بعد التتبع والإستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصل إلى مائة وثلاثين رجلاً وامرأة، ولكن لا يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر إسلام بعضهم إلى حين الجهر بها.

     وقد قيل إن رصيد هذه الدعوة بعد سنوات ثلاث من بدايتها، لم يتعد أربعين رجلاً وامرأة، عامتهم من الفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء، وفي مقدمتهم أخلاط من مختلف الأعاجم ويقصدون بقولهم ذلك صهيب الرومي وبلال الحبشي.

     لكن البحث الدقيـق يثبت أن مجموع من أشير إليهم بالفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء والأخلاط من مختلف الأعاجم هو ثلاثة عشر، ونسبة هذا العدد من العدد الكلي من الداخلين في الإسلام لا يصح أن يقال أنهم أكثرهم ولا معظمهم ولا عامتهم.

     فكما يقول الأستاذ صالح الشامي: نحن لا نريد أن ننفي وجود الـضعفاء والأرقاء، ولكن نريد أن ننفي أن يكونوا هم الغالبية، لأن هذا مخالف للحقائق الثابتة. ولو كانوا كذلك لكانت دعوة طبقية، يقوم فيهـا الضعفـاء والأرقاء ضد الأقوياء وأصحاب السلطة والنفوذ، ككل الحركات التي تقاد من خلال البطون. إن هذا لم يدر بخلد أي من المسلمين وهو يعلن إسلامه، إنهم يدخلون في هذا الدين على اعتبارهم إخوة في ظل هذه العقيدة، عباداً لله، وإنه لمن القوة لهذه الدعوة أن يكون غالبية أتباعها في المرحلة الأولى بالذات من كرام أقوامهم، وقد آثروا في سبيل العقيدة أن يتحملوا أصنافاً من الهوان ما سبق لهم أن عانوها أو فكروا بها.

     لقد كان في الأوائل خديجة وأبو بكر وعلي وعثمان والزبير، وعبد الرحمن وطلحة، وأبو عبيدة وأبو سلمة والأرقم وعثمان بن مظعون، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن جحش، وجعفر بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص، وفاطمة بنت الخطاب وخالد بن سعيد، وأبو حذيفة بن عتبة وغيرهم، رضي الله عنهم، وهم من سادة القوم وأشرافهم.

المبحث الثاني: استمرار الدعوة السرية:

     استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته السرية، يستقطب عدداً من الأتباع والأنصار من أقاربه وأصدقائه، وخاصة الذين يتمكن من ضمهم في سرية تامة، بعد إقناعهم بالإسلام، وهؤلاء كانوا نعم العون والسند للرسول صلى الله عليه وسلم لتوسيع دائرة الدعوة في نطاق السرية، وهذه المرحلة العصيبة من حياة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ظهرت فيها الصعوبة والمشقة، في تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه بالدعوة، فهم لا يخاطبون إلا من يأمنوا من شره، ويثقون به، وهذا يعني أن الدعوة خطواتها بطيئة وحذرة، كما تقتضي صعوبة المواظبة على تلقي مطالب الدعوة من مصدرها، وصعوبة تنفيذها، إذا كان الداخل في هذا الدين ملزماً منذ البداية بالصلاة، ودراسـة ما تيسر من القرآن -مثلاً- ولم يكن يستطيع أن يصلي بين ظهراني قومه، ولا أن يقرأ القرآن، فكان المسلمون يتخفون في الشعاب والأودية إذا أرادوا الصلاة.

     إن من معالم هذه المرحلة، الكتمان والسرية حتى عن أقرب الناس، وكانت الأوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية واضحة وصارمة، وكان صلى الله عليه وسلم يكوّن من بعض المسلمين أُسرًا (مجموعات) وكانت هذه الأسر تختفي اختفاء استعداد وتدريب، لا اختفاء جبن وهروب حسب ما تقتضيه التدبيرات، فبدأ الرسول عليه الصلاة والسلام ينظم أصحابه من أسر ومجموعات صغيرة، فكان الرجل يجمع الرجل والـرجلين إذا أسلما، عند رجل به قوة وسعة من المال، فيكونان معه ويصيبان منه فضل طعامه، ويجعل منهم حلقات، فمن حفظ شيئاً من القرآن علم من لم يحفظ، فيكون من هذه الجمـاعات أسر أخوة، وحلقات تعليم.

     إن المنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية أتباعه هو القرآن الكريم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه تربية شاملة في العقائد والعبادات والأخلاق والحس الأمني وغيرها؛ ولا شك أن الصحابة كانوا يجمعون المعلومات عمن يريدون دعوته للإسلام وكانت القيادة تشرف على ذلك، ولذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم بترتيب جهاز أمني رفيع يشرف على الاتصال المنظم بين القيادة والقواعد ليضمن تحقيق مبدأ السرية.

     كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف بنفسه على تربية أصحابه في كافة الجوانب، ووزعهم في أسر، فمثلاً كانت فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد، وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، كانوا في أسرة واحدة مع نعيم بن عبد الله النحام بن عدي، وكان معلمهم خباب بن الأرت، وكان اشتغالهم بالقرآن لا يقتصرون منه على تجويد تلاوته وضبط مخارج حروفه ولا على الاستكثار من سرده، والإسراع في قراءته، بل كان همهم دراسته وفهمه، ومعرفة أمره ونهيه والعمل به.

المبحث الثالث: دار الأرقم:

     كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالتخطيط الدقيق المنظم ويحسب لكل خطوة حسابها، وكان مدركاً تماماً أنه سيأتي اليوم الذي يؤمر فيه بالدعوة علناً وجهراً، وأن هذه المرحلة سيكون لها شدتها وقوتها، فحاجة الجماعة المؤمنة المنظمة تقتضي أن يلتقي الرسول المربي مع أصحابه، فكان لا بد من مقر لهذا الإجتماع، فقد أصبح بيت خديجة رضي الله عنها لا يتسع لكثرة الأتباع، فوقع اختيار النبي وصحبه على دار الأرقم بن أبي الأرقم، إذ أدرك الرسول عليه الصلاة والسلام أن الأمر يحتاج إلى الدقة المتناهية في السرية والتنظيم، ووجوب التقـاء القائد المربي بأتباعه في مكان آمن بعيد عن الأنظار، ذلك أن استمرار اللقاءات الدورية المنظمة بين القائد وجنوده، خير وسيلة للتربية العملية والنظرية، وبناء الشخصية القيادية الدعوية.

     وقد كان اختيار دار الأرقم لعدة أسباب أهمها :

     أولاً: أن الأرقم لم يكن معروفاً بإسلامه، فما كان يخطر ببال أحد أن يتم لقاء محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بداره.

     ثانياً: أن الأرقم بن الأرقم رضي الله عنه من بني مخزوم، وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم. فلو كان الأرقم معروفاً بإسلامه فلا يخطر في البال أن يكون اللقاء في داره؛ لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو.

     ثالثاً: أن الأرقم بن أبي الأرقم كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي، فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه عليـه الصلاة والسلام.

     رابعاً: الأرقم كان بيته بعيداً عن القوم، لم يكن في قلب المدينة، أي أنه لم يكن هناك أحد يمشي من جوار البيت، ولم تكن هناك بيوت أخرى يمكن منها مراقبة بيت الأرقم بن أبي الأرقم.

     فقد يخطر على ذهنهم أن يكون مكان التجمع على الأغلب في دور بني هاشم، أو في بيت أبي بكر رضي الله عنه أو غيره، ومن أجل هذا نجد أن اختيار هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبداً أن قريشاً داهمت ذات يوم هذا المركز أو كشفت مكان اللقاءات.

     وهكذا مرت ثلاثة أعوام، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المجامع والنوادي، إلا أنها عرفت لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحياناً، واعتدوا على بعض المؤمنين، إلا أنهم لم يهتموا به كثيراً حيث لم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم.

 

                                                         

عن المدير