شباب النبي صلى الله عليه وسلم وكدُّه

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
البـاب الثـانـي: العهـد المكـي
الفصل الثالث: مـن المـولـد إلـى البعثـة
المبحث الرابع: شباب النبي صلى الله عليه وسلم وكده

اشتغاله صلى الله عليه وسلم برعي الغنم:

     ولما شب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصبح فتى أراد أن يعمل ويأكل من عمل يده، فاشتغل برعي الغنم لأعمامه ولغيرهم مقابل أجر يأخذه منهم، ويمكن القول أن حرفة الرعي لما كانت تتم في الصحراء حيث الفضاء المتناهي والسماء الصافية والنجوم المتلألئة في الليل، والشمس المشرقة في الصباح، وهذا النظام البديع في حركة الكون استرعى كل ذلك انتباهـه صلى الله عليه وسلم، فأخذ يتأمل ويتفكر ويتدبر في الكون العجيـب.

اشتغـالـه صلى الله عليه وسلم بالتجارة :

     زاول الرسول صلى الله عليه وسلم مهنة التجارة وهو في الثانية عشرة من عمره (وقيل في التاسعة)، وانتهز فرصة خروج عمه أبى طالب بتجارة إلى الشام فخرج معه، وقد أفادت هذه الرحلة الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً، فعودته الصبر وتحمل المشاقة و فتحت عينيه على أقوام و مجتمعات تختلف كثيراً عن قومه ومجتمعه، ومر في طريق الذهاب والعودة على أطلال مدن عرف أنها ديار ثمود ومدين ووادي القرى وسمع عن أخبارهم الكثير.

     ولم تنقطع صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتجارة بعد عودتـه من الشام، بل كان يتاجر بأسواق مكة أو بالأسواق القريبة منها كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز، لكنه لم يجعل التجارة كل همه، واكتفى منها بما يوفر له حياة متزنة سعيدة، وكان كلما تقدم به العمر ازداد تفكيراً وتأملاً، وقضى الكثير من وقته يتدبر هذا الكون العجيب.

حـرب الفجـار :

     في السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وسلم، وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ومعهم كنانة، وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار وسببها أن النعمان بن المنذر أراد أن يعين قائداً لقافلة تجارية من الحيرة إلى سوق عكاظ، فعرض كل من البراض الكناني وعروة الهوازني نفسه، فاختـار النعمان عروة فقتله البراض، ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية، لمكانته فيهم سناً وشرفاً، ووقع القتال بين الفريقين وكان في الأشهر الحرم، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، فتراجعت قريش حتى دخلت الحرم فوعدتهم هوازن الحرب في العام القادم، وظلت هذه الحرب تجدد طوال أربع سنوات في انعقاد سوق عكاظ، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين على أن تدفع قريش دية من يزيد عن قتلاها لهوازن، فكانوا عشرين رجلاً، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر. وسميت هذه الحرب بحرب الفجار لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وهو الفجار الرابع في تاريخ مكة، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي‏.

     و قـد اختلـف المـؤرخـون فـي كيفيـة مشـاركـة الـرسـول صلـى الله عليـه و سلـم فـي هـذه الحـرب . هـل بجمـع النبـل ؟ أم بالـرمـي ؟ و يبـدوا أن الـرسـول صلـى الله عليـه و سلـم مـارس العمليـن ، فـإن الحـرب استمـرت أربعـة أعـوام ، كـان عمـر الـرسـول فـي بـدايتهـا خمسـة عشـر عـامـاً ، و هـي سـن لا تمكنـه مـن الـرمـي ، فسـاهـم بجمـع النبـل ، و فـي نهـايتهـا كـان علـى أبـواب الـعـشـريـن ربيعـاً ، فتمكـن أن يسـاهـم بـرمـي النبـل .

حلـف الفضـول :

     على أثر حرب الفجار وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش‏ هي بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمي؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت).

     وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف‏ إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزوماً، وجُمَحاً وسَهْماً وعَدِيّاً فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعاً صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: (ما لهذا مترك ؟)‏ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.

     وسبب تسميته بحلف الفضول أنه كان إحياء لحلف آخر سابق في الجاهلية دعا إليه ثلاثة اسمهم مشتق من الفضل، فسموا الحلف بالفضول.

زواجـه صلـى الله عليـه و سلـم بخـديجـة :

     في الخامسة والعشرين من سنه صلى الله عليه وسلم خرج تاجراً إلى الشام في مال خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. وكانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجاراً، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلام لها يقال له‏ ميسرة حتى قدم الشام.

     لما رجع إلى مكة بالتجارة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله عليه وسلم من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة‏.‏ وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسباً وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.

     وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم، ولدت له أولاً القاسم وبه كان يكنى، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله‏. وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.

     والمشهور عند المؤرخين أن محمداً صلى الله عليه وسلم تزوج خديجة وعمره خمسة وعشرين عاماً وعمرها أربعين عاماً، ولكن ابن عباس يروي أنها تزوجت الرسول وعمرها ثمانية وعشرين، فكانت أكبر من الرسول بقليل، وهذه الرواية لها ما يؤيدها من تاريخ أم المؤمنين رضي الله عنها، فالمعروف أنها أنجبت عبد الله بعد البعثة النبوية ولذا لقب بالـطاهر الطيب، ولما كانت البعثة النبوية بعد زواجها بخمسة عشر عاماً، فعلى رواية الأربعين يستلزم أن يكون عمرها عند إنجابه أكثر من خمس وخمسين سنة، وكيف تنجب سيدة في ذلك السن، لذلك كانت راوية ابن عباس أقرب إلى الصحة، خلافاً لما عليه كثير من المؤرخين، وإذا صح ما جاء في اليعقوبي من أن الرسول تزوج وعنده ثلاثون سنة، وحاولنا عقد مقارنة بينه وبين رواية ابن عباس لاتضح لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت زواجه أكبر من خديجة بعامين، وعلى أية حال فقد كان زواجهما مباركاً وموفقاً للغاية، فقد وجد محمد في خديجة سكناً وسنداً ورفيقاً، ووجدت خديجة في محمد زوجاً باراً كريماً، فوقفت بجانبه تؤازره وتناصره، مما جعله يثني عليها دائماً بالخير، ولم يتزوج عليها طوال حياتها.

     ويقفز المؤرخون قفزة زمنية واسعة امتدت عشر سنوات من عمر الرسول من الخامسة والعشرين إلى الخامسة والثلاثين، لم يذكروا عنه فيها شيئاً، وإن كان من المسلم به أنه لم ينقطع عن مخالطة أهل مكة والأخذ معهم بنصيب الحياة العامة، وساعدته ثروة زوجته في تأمين حياته، ومن ثم وجد وقتاً أوسع للتفكير والتأمل والتدبير، وكأني بخديجة وقد عرفت فيه هذه الرغبة فهيأت له ما يساعد عليها.

بنـاء الكعبـة و قضيـة التحكيـم:

     ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْماً فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفـر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت باعتبارها أثراً قديماً للعوادي التي هدت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرمرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الإنهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصاً على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيباً، فلا يدخلون فيها مهر بغي ولا بيع رباً ولا مظلمة أحد من الناس، وترددت قريش في هدم الكعبة لأنها خشيت أن يصيبهم أذى من الله، فأقدم الوليد ابن المغيرة فأخذ المعول وقال: (اللّهم لانريد إلا الخير)، ثم هدم ناحية الركنين، وانتظر القوم حتى الصباح لينظروا ما الله فاعل بالوليد، فلما أصبح على خير ولم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءاً منها. فكان شق الباب لبني مناف وزهرة، وظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم، وشق الحجر لبني عبد الدار وبني أسد وبني عدي، وما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم. وتولى البناء بناء رومي اسمه باقوم‏. ثم قامت القبائل بنقل الحجارة من جبال مكة، وشارك الرسول صلى الله عليه وسلم في حمل هذه الحجارة. ثم بدأت كل جماعة في بناء ما أسند إليها، فلما ارتفع البناء مقدار قامة رجل، وجاء وقت وضع الحجر الأسود في مكانه، تنازعت القبائل جمعيها شرف وضعه، وأشتد الخلاف بينهم وتحالفت بني الدار وبني عدي أن يحولوا بين أي قبيلة وهذا الشرف العظيم، وجاءوا بحفنة مملوءة دماً ووضعوا أيديهم فيها توكيداً لإيمانهم، ومن ثم سموا بلعقة الدم، وباتت قريش على شفا حرب ضروس في أرض الحرم، وتوقف البناء خمسة أيام.

     ويروي المؤرخون أن أبا أمية بن المغيرة، وكان من قريش، لما رأى ما وصلت إليه حال القبائل خشى أن ينفرط عقدها فأشار عليهم بأن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: (هذا الأمين، هذا محمد، رضينا بالأمين حكماً)، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداءاً فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيديه فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم.

     و مـمـا تـجـدر مـلاحظتـه أن احتكـام أهـل مكـة إلـى محمد صلـى الله عليـه و سلـم يـدل علـى أنـه لـم يكـن شخصـاً عـاديـاً فـي مجتمـع مـكـة ، و إنمـا كـان إنسـانـاً عظيمـاً يستعـان بـرأيـه وقـت الشـدة ، و إهـتـدائـه إلـى هـذا الحـل يـدل علـى ذكـاء نـادر ، و سـرعـة بـديـهـة ، كـمـا أنـه لـفـت إليـه أنـظـار العـرب قـاطـبـة ، فهـو و إن كـان الصـراع داخليـاً بيـن قبـائـل مكـة ، إلا أن الحـدث ارتبـط بالكعبـة التـي يحـج إليهـا جميـع العـرب.

     و قـصـرت بـقـريـش الـنـفـقـة الـطـيـبـة فأخـرجـوا مـن الـجـهـة الـشـمـاليـة نحـواً مـن ستـة أذرع ، و هـي التـي تـسـمـى بالـحـجـر و الـحـطـيـم ، و رفـعـوا بابـهـا مـن الأرض ؛ لـئـلا يـدخـلـهـا إلا مـن أرادوا ، و لمـا بلـغ البنـاء خمسـة عشـر ذراعـاً سقفـوه علـى ستـة أعمـدة‏ .‏

     و صـارت الكعبـة بعـد انتهـائهـا ذات شكـل مـربـع تقـريبـاً ، يبلـغ ارتفـاعـه 15 متـرًا ، و طـول ضلعـه الـذي فيـه الـحـجـر الأسـود و الـمـقـابـل لـه 10 أمـتـار ، و الحجـر مـوضـوع عـلـى ارتـفـاع متـر و نصـف مـن أرضيـة المطـاف‏ .‏ و الضلـع الـذي فيـه البـاب و الـمـقـابـل لـه 12 متـراً ، و بـابهـا علـى ارتفـاع متـريـن مـن الأرض ، و يحيـط بهـا مـن الخـارج قصبـة مـن البنـاء أسفلهـا ، متـوسـط ارتفـاعهـا ربـع ‏متـر و متـوسـط عـرضهـا نصـف متـر ، و تسمـى بالشـاذروان ، و هـي مـن أصـل البيـت لكـن قـريشـاً تـركتهـا‏ .

السيـرة الإجمـاليـة قبـل النبـوة:

     هكذا نجد أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد شارك قومه حياتهم العادية، وعاش في مكة عيشة الشرفاء المهذبين، واجتمعت له كل الصفات الإنسانية النبيلة، وبلغ بها مرتبة الكمال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفساً، وأكرمهم خيراً، وأبرهم عملاً، وأوفاهم عهداً، وآمنهم أمانة، حتى عرف في قومه بالصادق الأمين لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق.

     وكان النبي صلى الله عليه وسلم طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال حظاً وافراً من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسناً شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالاً، بل كان من أول نشأته نافراً من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لايصبر على سماع الحلف باللات والعزى‏.

     وكان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الكعبة ويطوف بها، ولكنه لم يسجد أبداً لصنم، وكان يعيب على قريش عبادتها لحجارة لا تنفع ولا تضر، ويقيمون لها الإحتفالات ويذبحون لها القرابين.

     وكان لقريش صنماً يسمى بوانه له احتفالات كل عام، وكان أعمام الرسول وعماته يشتركون في الإحتفال، وطلب أبو طالب من محمد أن يشاركهم حفلهم فرفض، فغضب منه وغضبت منه عماته، وأخذن يزين له ضرورة المشاركة، ومازالوا به حتى ذهب معهم. وغاب محمد عنهم برهة ثم عاد مفزوعاً كأن به مس من الشيطان، فسألته عماته عما به، فقال: (أني كلما دنوت من صنم منها تخيل لي رجل أبيض الثياب يصيح بي إبتعد يا محمد لا تمسنه)، ولم يعد بعدها لعيد لهم.

     ولهذا كان محمد عازفاً عما فيه قومه من ضلال، وأحب منذ صغره حياة التأمل والتفكير والتدبير، فكان يخلو لنفسه في داره حيناً، ويخرج إلى الخلاء أحياناً، وكلما زادت به السن ازداد بعداً عن الناس وإمعاناً في التفكير، لذلك التمس له غار في جبل حراء، وأصبح من عادته أن يخرج إليه كل عام ومعه طعامه وشرابه ليقضي فيه بعض أيام شهر رمضان سابحاً في تأمله غارقاً في تفكيره، وطالت تأملات محمد في الغار وطال تفكيره في خالق الأرض والسماء، وأضاءت نفسه من طول النظرة وإعمال الفكرة، وكانت تزدحم الأفكار في رأسه، فيسير في الصحراء ساعات ثم يعود إلى خلوته وقد صفت نفسه وانجلى ذهنه.

 

                                                       

عن المدير