عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ووفـاة أمه آمنـة وجده عبـد المطلـب

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الثالث: مـن المـولـد إلـى البعثـة
المبحث الثالث: عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ووفـاة أمه آمنـة وجده عبـد المطلـب

عـودة النبـي صلى الله عليه وسلم إلـى مـكـة

     عاد محمد إلى مكة، إلى الأرض التي نبتت فيها أصوله، وتعمقت فيها جذوره، وتفرعت فيها بطانته وأهله، كان كل شئ جديد عليه في ذلك الجو، إذ لم يكن قد ألف غير مناظر البادية في امتداد أطرافها وسعة أفقها وانبساط أراضيها، وفي صمتها البالغ وهدوئها الشامل، وفي هذا العدد القليل من سكانها يعرفهم ويعرفونه، وفي هذه المساكن الساذجة التي يتخذونها من الخيام تارة، ومن أكنان الجبال تارة أخرى.

     أما القصور الشاهقة، وهذه الأبنية المتلاصقة، وهذه الأنفس المتزاحمة، فشئ جديد عليه لم تألفه نفسه الحرة، فكان من الطبيعي أن يستشعر الوحشة في هذا الجو الغريب، وألا يأنس إليه ويمتزج به إلا بعد وقت.

     ومن أجل ذلك ظل فترة طويلة وهو يعيش بخياله في جو البادية، يحن إلى حياتها السهلة ومعيشتها الساذجة، ويستشعر الحنان والحب في عطف حليمة ورعاية أخته الشيماء، ولا يتخيل الأنس والسعادة إلا في زمالة أتراب البادية، ولا المرح واللذة إلا في اللعب معهم والحديث إليهم.

     وقد أحاطته هذه العشيرة بالعطف والرعاية، وغمرته من جميع نواحيه بالحنان البالغ، فملأت كل ما يحسه من فراغ، فما أسرع ما استجاب لها واندمج فيها، وبسطت عليه حياة مكة سلطانها، فصار مكياً كأهل مكة، وتبينت له فيها معالم لم يكن يراها، فظل يعرفها واحدة بعد واحدة حتى عرفها جميعاً.

     هذه هي الكعبة بيت الله الحرام الذي يحج إليه الناس من مشارق الأرض ومغاربها، وهذه هي دار الندوة مجتمع قريش ومنتداها ومعقد أفراحها وأتراحها وقضاياها، وهذه رحلة الشتاء إلى الجنوب، وهذه رحلة الصيف إلى الشمال، وتذهب فيها العير محملة بحاصلات الحجاز، وتعود محملة بحاصلات الشام والعراق واليمن وبلاد الحبشة، فتحتفل بها قريش أيما احتفال، وهذه وفود الحاج تأتي إلى مكة في موسم الحج، فتمتلئ بها الدور والقصور، وتغص بها الطرق والرحاب، وتعمر الأسواق بالسلع والبضائع، وتنشط حركة البيع والشراء، والأخذ والعطاء، وهذه باقي مظاهر الحياة في مكة مازال يتعرف عليها ويألفها حتى امتزجت بها نفسه واصطبغت بها حياته.

     لكن شيئاً واحداً لم تألفه نفسه ولم يستطع أن يمتزج به أو يأنس إليه، هو هذه الأحجار التي يعظمها أهل مكة والتي يسمونها آلهة، يعبدونها ويقدسونها ويقربون لها القرابين وينحرون لها الذبائح ويلجأون إليها فيما جل وهان من شؤونهم، فلم يشارك القوم في تعظيمها ولا في عبادتها، ولم يتقدم لها يوماً من الأيام راغباً ولا راهباً.

     وأخذ عقله الصغير يتفتح فيعجب من فعل هؤلاء القوم، ويسأل كيف استساغوا لأنفسهم أن يستسلموا لهذه الحجارة وهم يصنعونها بأيديهم؟ أهي التي تطعمهم إذا جاعوا وتسقيهم إذا عطشوا وتشفيهم إذا مرضوا؟ أهي التي ترزقهم ما ينعمون من طيبات الرزق وتكفيهم ما حل بهم من المصائب؟

     وأصر على ألا يشارك القوم فيما يفعلون لهذه الأحجار، فهجر الأصنام وخاصمها ونفر منها، ولم تكن له سنة حيث تلفت إليه أنظار القوم، فظنوه طفلاً لم يبلغ بعد سن الإدراك والفهم.

     وحين بلغ السادسة من عمره ذهبت به أمه إلى يثرب ليزور أخواله بني عدي بن النجار، وصحبته في هذه الرحلة حاضنته أم أيمن، وهي بركة الحبشية جارية أبيه التي خلفها له مع ما خلف من ميراث قليل. فلما نزل على أخواله، أحسنوا وفادته وأكرموا مثواه، فأقام عندهم شهراً جاب فيه رحاب المدينة، ورأى كثيراً من معالمها، وخالط كثيراً من أطفالها، وأنس إليهم وأنسوا إليه، ولا شك أنه وجد في أطفال المدينة هذه الرقة التي امتاز بها أهلها، فامتزجت نفسه بنفوسهم، وتوثقت بينه وبينهم صلات الإخاء والحب.

     وانطبعت في ذهنه صورة حية للمدينة ببساتينها وحدائقها ونخيلها ومزارعها، فلم ينساها قط، وظلت هذه الصورة الجميلة مطبوعة في نفسه، فكان يذكر لأصحابه كثيراً عن معالمها، ويذكر معها كثيراً من أحداث الطفولة وذكرياتها. نظر صلى الله عليه وسلم إلى أطم بني عدي بن النجار فعرفه، وقال: (كنت ألاعب أنيسة، جارية من الأنصار على هذا الأطم، وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائراً يقع عليه). ونظر إلى الدار التي نزل فيها وهي دار النابغة فقال: (ههنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب وأحسنت العوم في بئر عدي بن النجار).

     وفي هذه الرحلة رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبر أبيه، ولا شك أنه بكى حين رأى أمه تبكي عند هذا القبر، ولعل هذه أول مرة أحس فيها لذع الحزن في فؤاده، ولعلها كذلك أول مرة عرف فيها معنى اليتم، حين رأى نساء بني عدي يواسين أمه ويعزينها في فقد عبد الله، وعيونهن تذرف الدمع، وحين رأى الرجال يخصونه بمزيد من العطف والرحمة.

     إنها مظاهر تلف الذهن الذكي وتدفعه إلى التساؤل، وما أكـثر تسائل الأطفال في مثل هذه الحالات، وما أرهف إحساسهم وأرق عواطفهم.

وفـاة آمنـة

     ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما قطعت به من الطريق نحو مرحلة، فاجأها الموت عند قرية الأبْوَاء بين مكة والمدينة، فدفنت هناك، ورجع محمد وحيداً تجيش عيناه بالدمع ويمتلئ قلبه بالأسى والحسرة.

     لا شك أن هذا الحادث لم يمر به مراً خاطفاً، بل ترك في نفسه أعمق الأثر وأقواه، نعم أنه كان لا يزال طفلاً، ولكنها هي أمه الحبيبة التي لم يكن له سواها بعد فقد أبيه، والتي كانت له منبع الحنان والرحمة والحب.

     عن عبد الله بن مسعود قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى المقابر، وخرجنا معه فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نحيب رسول الله باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب، فقال: (يا رسول الله ما الذى أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا)، فجاء فجلس إلينا فقال: (أفزعكم بكائي؟) قلنا: (نعم) قال: (إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر أمنة بنت وهب، وإنى استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، واستأذنت ربي في الإستغفار لها، فلم يأذن لي فيه، فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني).

يتيـم عبـد المطلـب

     رجع محمد من رحلته إلى يثرب يتيم الأبوين، فقد فقد أمه كما فقد أباه، ولم يكن قد جاوز السادسة بعد ولم يكن له مال موروث يستطيع العيش منه، فكل ما تركه له أبوه خمسة جمال وقطعة صغيرة من الغنم وجاريته أم أيمن تلك الفتاة الحبشية التي كانت تسمى بركة والتي لم تكن قد تزوجت بعد ولا أنجبت ولدها أيمن.

     ولكن الله عطف عليه قلب هذه الجارية فحضنته ورعته وكانت له أماً مكان أمه، وقلب جده الشيخ عبد المطلب فأحبه وأحاطه وكان له أباً مكان أبيه، ونزل محمد من هذين القلبين الكريمين منزلة البنوة الحقة، يجد لديهما من الإعزاز والإكرام ومن الرعاية والعناية ومن الإيثار والحب فوق ما يجده الأبناء من آبائهم وأمهاتهم.

     كان عبد المطلب سيد قريش، وكان لقريش تقاليدها في تربية أبنائها، وأخذهم منذ الطفولة باحترام الآباء وهيبتهم، والوقوف معهم على حدود الأدب والوقار، فلم يكن الولد يستطيع أن يجالس أباه إلا حين يبلغ سن الرجولة، وكانت مجالس الآباء خالصة لهم، لا يغشاها الأبناء ماداموا صغاراً، فإذا بلغوا مبلغ الرجال جاز لهم أن يخالطوا الآباء ويشاركوهم مجالسهم وأحاديثهم، لكن مع الأدب والوقار الكامل.

     وكان من عادة عبد المطلب بن هاشم أن يتخذ له مجلساً بجوار الكعبة يتحدث فيه إلى رجال قريش ويتحدثون إليه، فكان يفرش له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه، ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد منهم إجلالاً له، إلا رسول الله فإنه كان يأتي وهو غلام حتى يجلس على فراش جده، فيأتي أعمامه ليؤخروه عنه، فكان عبد المطلب يمنعهم ويقول: (دعوا ابني إنه ليؤنس ملكاً) ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يفعل.

     وكان يقربه منه ويدخله عليه إذا خلا، وإذا نام ويرق له رقة لم يرقها لولده، وكان لا يأكل طعاماً إلا قال: (علي بابني) فيؤتى به إليه.

     وكان ينظر نحوه بعاطفتين، عاطفة الأبوة المشبوبة التي كانت تملء قلبه حباً وتملء نفسه حناناً ورقة، فهو ابن ولده عبد الله أحب أبنائه إليه.

     وكان مع هذه العاطفة عاطفة أخرى تزيد من فعلها وتذكيها، وهي عاطفة الإعجاب والزهو بما كان يبدو عليه من آيات العناية الربانية، فقد كان كل شئ فيه يدل على أنه طفل لا كالأطفال، وأنه كائن له في مستقبله شأن وأي شأن، وقد أحس عبد المطلب هذا وتنبأ به من أول يوم ولد فيه، فما كان يتحدث عنه قط إلا بصيغة الإعجاب والإعزاز.

     وتجمع الروايات التاريخية على أن عبد المطلب كان حفياً بحفيده محمد، وأنه كان يوليه من العناية والإهتمام ما لا يوليه أبناءه الذين من صلبه، وكان يتفقده ويلاحظه في كل أحواله، وكأنما كان يحس أن الأجل مقصر به عن بلوغ ما يرجوه من رعاية هذا الغلام، فكان لا يترك فرصة تمر حتى يوصي به كل من يثق به من أهله.

     ومما كان يزيد عبد المطلب تعلقاً به وحرصاً عليه ما كان يراه من إعجاب الناس به، وبما كان يبدو عليه من آيات السمو، فقد كان مثتلاً يلفت الأنظار في كمال أدبه، وفي سمو أخلاقه، وفي عزوف نفسه عن اللهو الباطل، وفي تنزهه عن التدني فيما يتدنى إليه الأطفال، ومن التهافت على الطعام والشراب.

     نعم كان في ذلك موضع الإعجاب والإهتمام من كل من يراه، فما كان محمد إلا طفلاً يتيماً قد نشأ في قوم غلبت عليهم الجهالة، وفشا فيها الشرك وأسرفوا في أنفسهم في الملذات والمتع، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، فكان من الطبيعي أن ينشأ الطفل مهملاً بعد أن فقد الأب الذي يعني بتأديبه وتهذيبه والأم التي تعنى بتعليمه وتدريبه.

     ولكن الله تعالت حكمته أراد له هذا اليتم المبكر ليكون هو الذي يحوطه بعنايته، ويكلأه بعينه، ويكمله بما يرضى به من الأخلاق والآداب، وليسبغ عليه من آيات فضله ما يجعله آية للناس، ونموذجاً للبشر الكامل الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه.

     كان أمر هذا اليتيم موضع العجب حقاً، وكان محط الأنظار من كل من رآه، فكان ذلك مما زاد جده الشيخ تعلقاً به وحياطة له واهتماماً بشأنه.

     وكما كانت هذه الظواهر والآيات تزيد عبد المطلب تعلقاً به، كانت تزيده كذلك خوفاً عليه، فكان لا يغفل عنه لحظة ولا يفتأ يتفقده كلما غاب عنه، ولا يهدأ له بال ولا يطمئن له قلب حتى يكون بجانبه.

     وكان من الطبيعي أن يبادله محمد هذه العاطفة وأن يحبه أكثر مما يحب أحداً من أهله، فما أسرع انجذاب الطفل إلى من يحنو عليه، وما أشد تعلقه به واندفاعه إليه.

     ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم، توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه. وعندها أحس صلى الله عليه وسلم ألم الفاجعة، وأدرك عظم المصيبة، وعرف أنه فقد القلب الكبير الذي يحنو عليه، وعدم الركن الشديد الذي يأوي إليه، فجعل يبكيه بكاء الحزين الحائر، والذي لا يدري متى يقر قراره، ولا ماذا يكون مصيره.

     قالت أم أيمن: (رأيت رسول الله يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتذكر موت عبد المطلب؟)، قال: (نعم، أنا يومئذ إبن ثماني سنين).

     ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم، واختصه بأفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها.

 

                                                       

عن المدير