حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البادية

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الثالث: مـن المـولـد إلـى البعثـة
المبحث الثاني : حيـاة الـرسـول صلـى الله عليـه و سلـم فـي البـاديـة

     رجعت حليمة برضيعها سعيدة مسرورة، ورجع رضيعها كذلك سعيداً مسروراً بعودته إلى البادية، فقد ألفت عيناه فضاءها الرحب الذي لا تحده حدود ولا تقيده قيود، وألفت نفسه حياة البساطة التي تلائم طبيعة الأطفال بما فيها من حرية وانطلاق فما كادت حليمة تصل إلى البادية حتى انطلق فيها بملء حريته يدرج مع الأطفال حيث يدرجون ويمرح حيث يمرحون على رمالها السهلة وأرضها المنبسطة.

     وأرخت له العنان كما ترخيه لأولادها، فكان يخرج معهم إلى المراعي حيث ترعى الغنم، وأخته الشيماء تحضنه وترعاه، فتحمله أحياناً إذا اشتد الحر وطال الطريق، وترسله أحياناً فيدرج وراء الخراف والنعاج يحوشها بعصاه، وقدماه الصغيرتين تغوصان في الرمال السهلة الكثيفة، فتأخذه بين ذراعها وتضمه إلى صدرها، وتطبع على خده قبل الحنان الخالص، ثم تعود به إلى الظل حيث يجلس الرعيان الصغار.

     هنالك يجلسون جميعاً غارقين في صنوف شتى من اللهو، يعملون أكواماً من الرمال أو يقيمون بيوتاً من الحجارة، أو يقيمون بعض مظاهر الحياة في البادية في بساطة لذيذة وسذاجة بريئة فلا يزالون كذلك حتى يحسوا ألم الجوع فيصيحون بأخواتهم ليسعفوا بالطعام.

     فسرعان ما يقبل الرعيان الكبار إليهم يحملون الطعام في مناديلهم، فيفرونها على الأرض، ويبسطون الطعام ويستدير الجميع حولها ثم يقبلون على الطعام فيلتهمونه التهاماً في شهية مفتوحة، فإذا ما انتهوا استلقوا على الرمال واستسلموا للنوم.

     يبسط الليل رداءه على البادية، فيأوى كل إلى كنه ويجتمع ما تفرق من شمل القوم حول الطعام، فيتناولون عشائهم من لبن الأغنام ولحومها أحياناً قانعين في أكثر الأحيان بلقيمات من خبز الشعير.

     وما إن ينتهي الـعشاء حتى يتحلق الرجال حول النار يسمرون، ويتجمع الأطفال يلعبون ألعابهم الساذجة في نور القمر الزاهي. وهكذا تمر الأيام والليالي تباعاً، والبادية على حالها لا يكاد يتغير فيها شئ إلا ما يكون من تغير الجو في الفصول من حر الصيف إلى برد الشتاء.

     على أن حليمة كانت من دون النساء في هذه البادية شديدة الرعاية لوليدها محمد، شديدة العناية به والخوف عليه، تخشى عليه الليل والنهار، وتخشى عليه الحر والبرد، وتخشى عليه الأحداث، وتخشى عليه من كل شئ، كانت تحبه حباً شديداً، وكانت ترى في حاله أنه غلام ليس كالغلمان، وكانت ترى بركته ما يزيدها تعلقاً به وحرصاً عليه، وكانت تحس أن الناس جميعاً يحسدونها عليه، ويريدون أن يتخطفوه منها، لذلك كانت تلاحقه بعينها حيثما كان، وتحوطه من رعايتها وعنايتها بأكثر مما تحوط به أولادها.

     أفزعها الحر ذات يوم فخرجت تطلبه في وقت الظهيرة، والناس من حولها قائلون والأغنام قد أوت إلى الظل تستجير به من وهج الشمس، فوجدته مع أخته الشيماء مقبلاً على الحي، فجعلت تلوم ابنتها وتقول في ألم وغيظ: (في هذا الحر يا شيماء) فقالت أخته: (لا تجزعي يا أمي والله ما وجد أخي حراً، لقد وجدت غمامة تظله حيثما ذهب، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع).

     لقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ لها هذا الجميل دائماً، فما نسي يوماً أنها التي أرضعته وغذته بلبنها، وناولها حق الأم على ولدها، بل لم ينس أن يحفظ هذا الجميل لقبيلتها بني سعد بن بكر بن هوزان، فظل دائماً يذكر أنه نشأ في باديتهم وتربى بين ظهرانيهم، وكان له منهم إخوة وأخوات وآباء وأمهات وأهل عشيرة. فقد حضرت إليه حليمة ذات يوم وهو يتجر في مال خديجة، فشكت إليه حالها وما تلاقيه من شدة العيش في البادية، فكلم لها خديجة فمنحتها بعيراً وأربعين شاة وردتها مكرمة إلى أهلها. وأستأذنت عليه مرة أخرى وهو رسول الله، فأذن لها فلما دخلت عليه قام لها متهللاً يقول: (أمي أمي) ثم بسط لها رداءه وأجلسها عليه ثم جعل يلاطفها وهو يبتسم لأمه لما غمرته من حنان وما افاضت عليه من بر، ثم سألها عن حاجتها فقضى لها ما أرادت.

     ولما انتصر على المشركين في غزوة حنين وغنم كثيراً من أموالهم وسبى كثيراً من نسائهم وذراريهم أتى إليه وفد من قبيلة هوزان يرجون أن يعفو عنهم ويرد إليهم أموالهم ونسائهم وكان فيهم عمه من الرضاعة، فاستشفعوا به إليه فتقدم بين يديه يعلن خضوع قومه وإسلامهم ويقول: (يا رسول الله إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من عماتك وخالاتك وحواضنك وقد حضناك في حجورنا وأرضعناك بثدينا، لقد رأيتك مرضعاً فما رأيت مرضعاً خيراً منك، ورأيتك فطيماً فما رأيت فطيماً خيراً منك، ثم رأيتك شاباً فما رأيت شاباً خيراً منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنن علينا من ما من الله عليك).

     وكان النبي قد جعل ينتظر قدومهم عليه حتى يئس من قدومهم، فقسم بين المسلمين أموالهم وسباياهم، ولكنه مع ذلك لم يشأ أن يردهم خائبين لأنهم أسلفوا إليه الجميل في صغره، فقال لهم: (لقد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي وجرت فيه السهمان، فما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس فإذا صليت بالناس الظهر فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين ونستشفع بالمسلمين إلى رسول الله فإني سأقول لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأطلب من لكم إلى الناس).

     فلما صلى الظهر بالناس قام وفد هوزان فقالوا كما علمهم رسول الله فرد عليهم ما كان له ولبني عبد المطلب وجعل يرغب الناس ويترضاهم حتى ردوا عليهم نسائهم وأبناءهم، وضرب النبي بذلك أروع الأمثال في حفظ الجميل لمن أولى الجميل.

     ظل محمد في بادية بني سعد حتى بلغ أربعة سنين يحيا حياة الأعراب في البادية ويتكلم لغتهم ويلبس ملابسهم، وكانت حليمة توصي به أخواته كلما خرج معهم وتحذرهم أن يتهاونوا في رعايته وحفظه أو يذهبوا به بعيداً حتى ينقطعوا عن الحي.

     كان قلب حليمة دائماً ممتلئاً بالخوف عليه وكانت نفسهـا مفزعة جازعة، فهي لا تكف أبداً عن مراقبته، ولا تفتر عن السؤال عنه ساعة بعد ساعة، كأنما كانت تحس أن شيئاً سيحدث له كلما غاب عنها، ولو استطاعت حليمة أن تحبسه في دارها مخافة الأحداث لفعلت، ولكنها لا تسطيع لأن حياة البادية لا تعرف القيود ولا الحدود، إنما هي حياة الحرية الواسعة والإنطلاق الحر، تستمد طبيعتها من فضاء البادية الرحب.

     وكان ما خافت حليمة أن يكون، فبينما هي ذات يوم فى دارها مشغولة ببعض شأنها، إذ أقبل ولدها يشتد نحو الحي وهو يصيح: (ذاك أخي القرشي قد قتل) فخرجت حليمة تشتد ملهوفة وهي تصيح بأعلى صوتها: (يا ضعيفاه، يا وحيداه، يا يتيماه، استضعفوك فقتلوك) حتى وصلت إليه فوجدته قائماً منتقعاً لونه، فصاحت به: (يا بني، ألا أراك حياً بعد)، وانكبت عليه تضمه إلى صدرها وتغمره بحنانها وهي لا تستطيع أن تمنع نفسها من البكاء.

     يـصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحادث لأصحابه فيقول: (… فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذٌ مِنْ أَهْلِي فِي بَطْنِ وَادٍ فِي أَتْرَابٍ لِي مِنَ الصِّبْيَانِ، نَتَقَاذَفُ بَيْنَنَا بِالْجُلَّةِ، إِذْ أَتَانَا رَهْطٌ ثَلاثَةٌ مَعَهُمْ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ ثَلْجاً، فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، فَخَرَجَ أَصْحَابِي هِرَاباً حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطِ، فَقَالُوا: مَا أَرَبُكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلامِ ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا، هَذَا ابْنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْتَرْضَعٌ فِينَا مِنْ غُلامٍ يَتِيمٍ لَيْسَ لَهُ أَبٌ، فَمَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ ؟ وَمَاذَا تُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ ؟ وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ قَاتِلِيهِ فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيَّنَا شِئْتُمْ، فَلْيَأْتِكُمْ مَكَانَهُ، فَاقْتُلُوهُ وَدَعُوا هَذَا الْغُلامَ فَإِنَّهُ يَتِيمٌ، فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ الْقَوْمَ لا يُحِيرُونَ إِلَيْهِمْ جَوَاباً انْطَلَقُوا هِرَاباً مُسْرِعِينَ إِلَى الْحَيِّ يُؤْذِنُونَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ. فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الأَرْضِ إِضْجَاعاً لَطِيفاً، ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ مَسّاً، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي، ثُمَّ غَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ، فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا مَكَانَهَا، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي مِنْهُمْ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ، فَنَحَّاهُ عَنِّي، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي، فَأَخْرَجَ قَلْبِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَصَدَعَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ يُمْنَةً مِنْهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي يَدِهِ مِنْ نُورٍ يَحَارُ النَّاظِرُونَ دُونَهُ، فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي، فَامْتَلأَ نُوراً، وَذَلِكَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ، فَوَجَدْتُ بَرَدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْراً، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ: تَنَحَّ عَنِّي، فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرِقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَأَنْهَضَنِي مِنْ مَكَانِي إِنْهَاضاً لَطِيفاً، ثُمَّ قَالَ لِلأَوَّلِ، الَّذِي شَقَّ بَطْنِي: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنُونِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَهُمْ،
     قَالَ: ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي، وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالُوا: يَا حَبِيبُ، لَمْ تُرَعْ ؟ إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ،
     قَالَ: فَبْيَنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَنَا بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ، وَإِذَا أُمِّي، وَهِيَ ظِئْرِي، أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا، وَتَقُولُ: يَا ضَعِيفَاهُ، قَالَ: فَانْكَبُّوا عَلَيَّ، فَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، فَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ، ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي: يَا وَحِيدَاهُ، فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ، وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنَيَّ، ثُمَّ قَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ، وَمَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ إِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. ثُمَّ قَالَتْ ظِئْري: يَا يَتِيمَاهُ، اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ، فَانْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَقَبَّلُوا رَأْسِي وَمَا بَيْنَ عَيْنِي، وَقَالُوا: حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ، مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ، لَوْ تَعْلَمُ مَاذَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ ؟
     قَالَ: فَوَصَلُوا بِي إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي، فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي أُمِّي، وَهِيَ ظِئْرِي، قَالَتْ يَا بُنَيَّ، أَلا أَرَاكَ حَيّاً بَعْدُ، فَجَاءَتْ حَتَّى انْكَبَّتْ عَلَيَّ وَضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَفِي حِجْرِهَا وَقَدْ ضَمَّتْنِي إِلَيْهَا وَإِنَّ يَدِي فِي يَدِ بَعْضِهِمْ، فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ، فَإِذَا هُمْ لا يُبْصِرُونَهُمْ، يَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا الْغُلامَ قَدْ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الجِنِّ، فَانْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيُدَاوِيَهُ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُ، إِنَّ آرَائِي سَلِيمَةٌ، وَفُؤَادِي صَحِيحٌ لَيْسَ بِي قَلَبَةٌ. فَقَالَ أَبِي وَهُوَ زَوْجُ ظِئْرِي: أَلا تَرَوْنَ كَلامَهُ كَلامَ صَحِيحٍ ؟ إِنِّي لأَرْجُو أَلا يَكُونَ بِابْنِي بَأْسٌ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا بِي إِلَى الْكَاهِنِ، فَاحْتَمَلُونِي حَتَّى ذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي، قَالَ: اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلامِ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ، فَسَأَلَنِي فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي مَا بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلِي وَثَبَ إِلَيَّ فَضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا لَلْعَرَبِ يَا لَلْعَرَبِ، اقْتُلُوا هَذَا الْغُلامَ وَاقْتُلُونِي مَعَهُ، فَوَاللاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَأَدْرَكَ لَيُبَدِّلَنَّ دِينَكُمْ، وَلُيُسَفِّهَنَّ عُقُولَكُمْ وَعُقُولَ آبَائِكُمْ، وَلَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّكُمْ بِدِينٍ لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ. فَعَمَدَتْ ظِئْرِي فَانْتَزَعَتْنِي مِنْ حِجْرِهِ، وَقَالَتْ لأَنْتَ أَعْتَهُ وَأَجَنُّ مِنَ ابْنِي هَذَا، فَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ قَوْلِكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ، فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ، فَإِنَّا غَيرُ قَاتِلِي هَذَا الْغُلامَ. ثُمَّ احْتَمَلُونِي فَأَدَّوْنِي إِلَى أَهْلِي، فَأَصْبَحْتُ مُفَزَّعاً مِمَّا فُعِلَ بِي وَأَصْبَحَ أَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ) (تاريـخ الأمم والملوك أو تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري).

     كانت هذه الحادثة حداً فاصلاً بين رسول الله والبادية، فقد أصبحت حليمة منذ ذلك اليوم واجفة القلب هالعة الفؤاد، لا تطمئن على فطيمها لحظة، ولا تدري كيـف يتسنى لها أن تحافظ عليه بعد ذلك، وقد رأت بعينيها ما رأت وسمعت بأذنيها ما سمعت، وزادها هلعاً وفزعاً قول ذلك الكاهن المجنون الذي كاد يفتك به لولا أنها استطاعت أن تخلصه من يديه وتنجو به هاربة.

     إنها لا تأمن أن يعود إليه جنونه، فيفتك بالغلام حين يظفر به في أية فرصة، وأنها لتخشى عليه كذلك من هؤلاء الرجال الأجانب الذين انقضوا عليه في الوادي فكادوا يقتلونه، إنها لا تدرى من أمرهم شيئاً، ولا تدري لم اختاروه هو من دون أصحابه، هل استضعفوه لأنه يتيم ليس له أب يحميه، أم كانوا يريدون أن يخطفوه ليبيعوه فأحيط بهم فاستعصى عليهم، أم هم لصوص فتاكون سفاكون لا هم لهم إلا إراقة الدماء وقتل الأنفس، إن أخشى ما تخشاه أن يكونوا طلاب ثأر عند بني عبد المطلب، فجاؤا إلى هذا الغلام يأخذونه بثأرهم.

     وهكذا ظلت حليمة نهباً للهواجس والظنون حتى أصبحت المخاوف تتراى لها من كل ناحية، وتتمثل لها في كل شئ، فجعلت وزوجها ينظران ويتدبران الأمر في شأن الصبي، قال زوجها: (إنى لأخشى أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف).

     فلما وصلا به عند أمه قالت لهما: (ما ردكما به وقد كنتما عليه حريصين ؟) فقالا: (لا والله إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وقلنا نخشى الإتلاف والأحداث، نرده إلى أهله) فقالت: (ماذا بكما ؟ أصدقاني شأنكما) فلم تدعهما حتى أخبراها خبره.

     قالت: (أخشيتما عليه الشيطان ؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله إنه لكائن لإبني هذا شأن !! ألا أخبركما خبره) قالا: (بلى) قالت: (حملت به فما حملت حملاً قط أخف منه، فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما).

 

                                                       

عن المدير