مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ورضـاعـه

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الثالث: مـن المـولـد إلـى البعثـة
المبحث الأول: مـولـد الـرسـول صلـى الله عليـه و سلـم ورضـاعـه

مـولـد الـرسـول صلـى الله عليـه و سلـم

     لم يستبد الحزن بأمنة بنت وهب، ولم يجثم طويلاً على صدرها، فسرعان ما جلت عنها غشية الحزن التي ألمت بها، وأحست بروح من السكينة يغشاها فيملأ قلبها بالطمأنينة والرضا لما جرى به القضاء.

     وفي إحدى الليالي آوت أمنة إلى فراشها كعادتها، فرأت كأن طيفاً لطيفاً يدنو منها ثم يهتف بها فى همس: (لقد حملت يا أمنة وعما قريب تكونين أماً).

     وانتظرت أمنة أن تحس ما تحس به الحوامل من أسباب الضعف والوهن، ولكنها لم تجد فى نفسها ضعف ولا وهن، ومرت الأيام تلو الأيام وأمنة تترقب أعراض هذا الحمل فلا تجدها، ولقد كانت تغدو كل يوم أكثر نشاطاً من الذي قبله حتى أنها نكرت ما أنبأها به الهاتف وظنت أنه أضغاث أحلام.

     لكن ذلك الهاتف كان حريصاً على ألا يترك مجالاً للشك في نفسها، إذ كان يعاودها من حين إلى حين، فيلقي إليها في كل مرة نبأ جديد، فقد أنبأها ذات ليلة بأنها حملت بسيد هذه الأمة، ومرة أنبأها بأنها ستكون أماً لخير أهل الأرض، ومرة أخرى أمرها بأن تسميه محمداً.

     وغدت أمنة في حيرة أتصدق أم تكذب ؟ ومن أجل ذلك كانت تلجأ إلى الأدنين من صواحبها وذوات قربها فتفضي إليهن ببعـض أخبارها وتستـأنس بآرائهن في الحمل وما يجدن من أعراضه وأحواله، فتنظر في أحوالها فيغلب عليها الشك ثم تذكر الهواتف والرؤى وما تراه في أحلامها فيغلب عليها اليقين.

     وما زالت بين الشك واليقين حتى أحست بشائر الحمل واستبانت حقيقته، وهنالك صدقت أن هذه الهواتف لم تكن إلا هواتف صدق، وأن حملها هذا لا بد أن يكون له شأن، فتكتمت أمرها عن صواحبها، وخافت على جنينها من الحسد.

     وفي إحدى الليالي رأت فيما يرى النائم كأن نوراً قد خرج منها فأضاء ما بين المشرق والمغرب حتـى رأت على ضوئه قصور (بصرى) من أرض الشام.

     وما زالت أمنة تتوالى عليها البشائر والآيات حتى أتمت شهور الحمل وولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك يوم إثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول في العام الذي حدثت فيه حادثة الفيل إذ جاء أبرهة وأصحابه ليهدموا الكعبة، فما كان من الله تعالى إلا أن {أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (سورة الفيل، الآيات: 3 – 5).

     وتحدثت أمنة بنت وهب عن نفسها فتقول: (لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ثم وقع على الأرض معتمداً على يديه ورافعاً رأسه إلى السماء.

     وأرسلت أمنة جاريتها إلى عبد المطلب تخبره أنها قد ولدت له غلاماً، فجاء مسرعاً ينظر، فلما جاء حدثته أمنة بما كانت ترى منذ حملت به، وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه.

     ففرح به عبد المطلب فرحاً شديداً ونظر اليه فأعجبه ونزل في نفسه منزلة عظيمة، فجعل يقول: (ليكونن لإبني هذا الشأن). ثم حمله بين يديه وانطلق به إلى الكعبة، فقام يدعو ويشكر الله عز وجل ويقول:

     الــحــمـــد لله الـــذي أعــطـــانــــي     هــذا الــغــلام الــطــيـــب الأردان
     أعــيـــذه بــالـبــيــت ذي الأركــان     حــتــى أراه بـــالــــغ الــبـــنـــيــــان

     فلما كان اليوم السابع وهو يوم العقيقة عند العرب خَتَنَه وذبح عنه، وأطعم المساكين والفقراء ودعا رجالاً من قريش فحضروا وطعموا وهنأوه بالطفل، وتمنوا له رفعة الشأن وبركة العمر، فلما أكلوا قالوا: (يا عبد المطلب أرأيت ابنك هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سميته ؟) قال: (سميته محمداً) قالوا: (فما رغبت به عن أسماء أهل بيته ؟) قال: (أردت أن يحمده الله في السماء وأن يحمده خلقه في الأرض).

الرضـاع :

     وأول من أرضعته من المراضع، وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوع ثُوَيْبَة مولاة عمه أبي لهب بلبن ابن لها يقال له‏ مَسْرُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي. ومع أنها لم ترضعه سوى أيام فقد ظل يحفظ لها هذا الجميل ومازال يكرمها ويبرها حتى ماتت، وهو بالمدينة فلما ماتت سأل عن ابنها مسروح أخوه في الرضاعة ليصله مكانها فعلم أنه مات قبلها.

     وكانت عادة أشراف مكة أن يعهدوا بأطفالهم إلى نساء البادية ليقمن على رضاعتهم، لأن البادية أصلح لنمو أجسام الأطفال وأبعد عن أمراض الحضر التي كثيراً ما تصيب أجسامهم، فضلاً عن إتقان اللغة العربية والتعود النطق بالفصحى منذ نعومة أظفارهم. وكان مقدار العناية والرعاية بالطفل يختلف من قبيلة لأخرى لذا حرص أشراف مكة على أن يكون أطفالهم عند أكثر هذه القبائل عناية ورعاية، وكانت أشهر قبيلة في هذا الأمر هي قبيلة بني سعد. ولم تقف شهرة بني سعد على أمر العناية والرعاية بالطفل فقط، بل حازت الشهرة في أن لغتها كانت عربية خالصة لم تشبها شائبة، فضلاً عما اشتهرت به من أخلاق كريمة طيبة، لذا حرص عبد المطلب على أن يكون محمد في بني سعد.

     ويذكر المؤرخون أن محمد عرض على جميع المرضعات اللاتي وفدن على مكة، فأبين يأخذنه ليتمه وفقره، وأنهن كن يطمعن في أبناء الأغنياء وأن حليمة ما عادت إليه إلا لأنها لم تجد طفلاً غيره، وهذا غير صحيح فمحمد لم يكن فقيراً، فهو في كفالة جده عبد المطلب سيد مكة وكبيرها، ومثله من يطمع في عطائه، وقد ذكرت المصادر أن جيش أبرهة في حملته على الكعبة قد حاز مائتين من الإبل لعبد المطلب، كما أنه فدى ابنه عبد الله بمائة من الإبل، وذبح مجموعة كبيرة منها في زواجه لا يصد عنها إنسان ولا حيوان، ويذكر اليعقوبي أن عبد المطلب عند موته لف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال من الذهب، فمن كان ذلك حاله أيعقل أن يكون فقيراً تترك المرضعات ولده ؟ ذلك فضلاً عن إرضاع الأطفال في البادية عادة أشراف مكة وأغنيائها، أما عند الفقراء فكانت كل أم ترضع طفلها.

     فلما جاءت حليمة السعدية لتأخذه وأحست هذا الحرص، طمعت في جزل العطاء، فتمنعت في أخذه فلما أجزل لها أخذته. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفخر برضاعته في بني سعد فيقول: (أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر).

     فما هو إلا أن وضعته في حجرها وضمته إلى صدرها، حتى حفل ثدياها وأقبلا عليه بما شاء من اللبن، فرضع حتى شبع، ثم أخذت وليدها الآخر فوضعته على ثديها فرضع كذلك حتى شبع، وهكذا رضع الطفلان حتى امتلآ شبعاً ورياً، وكانت حليمة من قبل لا تجد في ثديها ما تسد به رمق وليدها المسكين.

     وجلست حليمة تحكي لزوجها ما رأت، وهو يعجب لما تحدثه به، وكان الجوع قد إشتد به وزوجته وأرهقهما العطش وشدة الحر فقام إلى ناقته يعتصر منها رشفة لبن يتبلغان بها، فما راعه إلا ضرع الناقـة حافلاً ممتلئاً، فما هو إلا أن لمسه بيده حتى يدر منه اللبن دراً غزيراً فيشرب وتشرب زوجه حليمة، حتى يكاد الري يخرج من أظفارهما . هنالك صاح الزوجان فرحاً واغتباطاً: (لقد حصلنا والله على نسمة مباركة) وأقبلا على الطفل يشبعانه ضماً وتقبيلاً.

      وتقبل حليمة إلى بادية بـني سعد، وترى من بركة هذا اليتيم ما لم يكن يخطر لها ببال، خير يدر عليها من كل ناحية، وبركات تحل عندها في كل شئ.

     وهكذا ظلت حليمة عامين كاملين وهي في كل يوم ترى عجباً من بركة هذا اليتيم حتى أتمت مدة رضاعه، وأصبحت ولا بد لها أن تعود به إلى أمه، فجاءت به إليها وهي أشد ما تكون رغبة في بقائه معها. فلما رأته أمنة سرت به سروراً عظيماً واغتبطت أيما اغتباط حين رأته غلاماً جفراً قد زكا ونما حتى لكأنه ابن أربعة، وهو لم يتجاوز السنتين بعد، فبرت حليمة وأرضتها، وشكرت لها ما رأت من عنايتها وإخلاصها.

     قالت حليمة: (لقد والله شب غلامك شباباً ما يشبه الغلمان، وإنى لأخشى عليه وباء مكة، فهلا أذنت لنا أن نعود به إلى البادية حيث الهواء الصحو، والفضاء الرحيب، والجو المنطلق، حتى يتم تمامه ويشتد عوده ؟) قالت أمنة: (لا عليك أن تفعلي يا مرضع، فهو طفلي وطفلك حيث كان)، فشكرت لها حليمة، وعادت به إلى البادية وهي لا تملك نفسها من الفرح والإغتباط.

 

                                                       

عن المدير