عبد الله بن عبد المطلب

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الثاني: العائلة النبوية :
المبحث الرابع: عبـد الله بـن عبـد المطلـب

المطلب الأول: فـداء عـبـد الله:

     تحققت أمنية عبد المطلب بن هاشم وبلغ بنوه عشرة رجال فأيقن أنه قد آن له الأوان أن يفي بالنذر ما دام الله قد أجاب دعاءه وحقق رجائه فجمع أولاده حوله وقال لهم: (إني تمنيت على الله ذات يوم أن يمنحني عشرة من الولد يحمى بهم ظهري، ونذرت إن هو منحني هؤلاء العشرة أن أذبح له واحداً منهم تقرباً إليه وشكراً له على فضله وها أنتم أولاء عشرة من أبنائي تحوطونني من جميع النواحي وتملؤون نفسي فخراً وتزيدون في إسمي ذكراً فهل آن لي أن أفي بنذري لله الذي أقر بكم عيني؟) فقالوا جميعاً: (نعم) وقدم كل واحد نفسه ليكون هو القربان.

     فاغتبط عبد المطلب أيما اغتباط حين رأى أولاده يتسابقون إلى التضحية بأنفسهم في سبيل مرضاته وألقى عليهم جميعاً نظرةً شاكرةً وقام من فوره فاصطحبهم إلى سادن الكعبة ليقرع بينهم بقدحه.

     وكان من عادة العرب كلما هموا بأمر عظيم أن يلجأوا إلى القدح يستنبؤوها قبل أن يقدموا عليه، فما أشارت بفعله فعلوه، وما أشارت بتركه تركوه، وهي أشبه شئ بالقرعة التي نلجأ إليها في أيامنا هذه، وكان لهذه القداح أثر بالغ في حياتهم، وكانوا يؤمنون بها بشدة.

     فلما ذهب عبد المطلب إلى الكعبة، طلب إلى سادنها أن يدير القداح بين أبنائه العشر، فأيهم خرج القداح بأسمه فهو الذبيح، فتقدم القداح فكتب أسماء البنين العشرة، ثم ضرب القداح فوقع على عبد الله.

     وكان عبد الله أحب أبناء أبيه إليه وآثرهم عنده، وكان له بين أهل مكة معزة ومكانة كبيرة، إذ كان يسمو على شبابها بخلق هادئ، وعقل رزين، ولسان عذب الحديث، ووجه دائم الإبتسامة، وكان عفاً نقياً بعيد عن شين الشباب من نزق وجهالة.

     ومن أجل ذلك كان وقوع القداح عليه خطباً جسيماً أذار أهل مكة جميعاً على عبد المطلب، فتقدم إليه أهل مكة يحاولون أن يثنونه عن قراره، فيأبى عبد المطلب إلا أن يوفي بالنذر كما اختارت له الآلهة، وتقدم عبد المطلب إلى عبد الله يقوده إلى المذبح، وتقدم عبد الله إلى أبيه شجاعاً باسم الثغر، فأحاطت به نساء قريش وتعلقت به أخت له تحول بينه وبين أبيه وأخدت تستصرخ القوم ليمنعوا أخاها من الموت وكان صراخها مؤثر فتقدم رجال قريش يقولون: (يا عبد المطلب إنك تريد بهذا أن تسن فينا سنة سيئة، لقد علمت يا عبد المطلب أنك شيخنا ورئيسنا، فلو رضيت تذبح ولدك اليوم فإنه سيتبعك رجال قومك، فيذبحون أبنائهم تأسياً بسنتك، فنصبح وقد غدا الذبح في أبنائنا سنة متبعة، فبالله عليك يا عبد المطلب ألا عدلت عن هذا الرأي، فإن فيه فناءنا وذهاب قوتنا، فإن كان لا بد لك من الوفاء بنذرك، فلنحتكم نحن وأنت إلى عرافة يثرب، فما حكمت به فهو الحكم بيننا وبينك).

     فلان عبد المطلب أمام هذا القول، وأرجأ ذبح عبد الله حتى تحكم العرافة بينه وبين رجال قومه، وغدا الجميع ممتطين رواحلهم يغدون السير في طريقهم إلى يثرب.

     فلما وصلوا إلى هنالك عرضوا قضيتهم على العرافة، فقالت لهم أمهلوني ثلاثة أيام حتى أتبين وجه الصواب في قضيتكم، فلما كان بعد الثلاثة أيام ذهبوا إليها فقالت لهم: (كم الدية فيكم؟) قالوا لها: (عشراً من الإبل) قالت: (فأتوا بعشر الإبل فقربوها وقربوا صاحبكم ثم اضربوا عليها وعليه القداح، فإن خرجت القداح عليها فاذبحوها، وإلا فزيدوا الإبل عشراً ثم اضربوا، فإن خرجت عليها فاذبحوها، وهكذا لا تزالون تزيدون عشرة بعد عشرة حتى تقع القداح على الإبل، فمتى وقعت على الإبل فاعلموا أن ربكم قد رضي بها فداءاً لصاحبكم). فرجع القوم وقد رضيت نفوسهم بهذا الحكم.

     فلما رجعوا إلى مكة جاءوا بعشرة إبل فضربوا القداح عليها وعلى عبد الله، فخرجت القداح على عبد الله، فزادوا الإبل عشراً ثم ضربوا القداح، فخرجت على عبد الله، وما زالوا يزيدون ويضربون إلى أن بلغت الإبل مائة، ثم ضربت القداح فخرجت على الإبل فصاح القوم في ابتهاج: (ها قد رضي ربك يا عبد المطلب).

     ولكن عبد المطلب أبى أن يطمئن حتى تضرب القداح ثلاثة مرات، فضربت ثلاث فخرجت على الإبل، فاطمأن عبد المطلب وأمر بالإبل، فنحرت جميعاً وتركت طعاماً لأهل مكة، لا يصد عنها إنسان ولا حيوان ولا طير.

     وكان فداء عبد الله عيداً لأهل مكة قضوا فيه أياماً حافلة بالطعام مليئة بالسرور والبهجة، وكان عيداً شاملاً نعم فيه كل حي بمكة حتى الطير والحيوان.

     وأراد عبد المطلب أن يستكمل بهجة هذا العيد، ويستتم بهاءه فذهب من فوره إلى سيد بني زهرة وهو بن عبد مناف فخطب إليه ابنته أمنة على ولده عبد الله.

المطلب الثاني: رحلـة القـافلـة:

     كان بيت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وبيت وهب بن عبد مناف بن زهرة من أعلى البيوت في قريش إذ كان عبد المطلب سيد بني هاشم وكان وهب سيد بني زهرة، وكان كل البيتين موسوم بالشرف والكرامة والطهر والعفاف ورعاية الدين والفضيلة.

     فكان زواج عبد الله بن عبد المطلب من أمنة بنت وهب زواجاً موفقاً ميموناً إتحد فيه عنصر طيب بعنصر طيب، وأنم فيه أصل كريم إلى أصل كريم، فكان من الطبيعي أن تكون ثمرة هذا الصهر ثمرة مباركة طيبة، وأن يكون نسل هذا الزواج نسلاً طاهراً كريماً.

     كان كلا الزوجين سعيداً بصاحبه يبادله عواطف الحب والإحترام والتقدير، وينظر إلى الحياة معه نظرة فياضة بالسعادة، ولكن الله الذي يدبر شئون الخلق على مقتضى حكمته، لم يشأ لهذين الزوجين أن يندفعا في الآمال إلى بعيد فقدر عليهما أن يفترقا إلى الأبد، وهما لا يزالان في ثياب العرس.

     وكان لقريش رحلتان للتجارة رحلة في الشتاء إلى بلاد اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام، وكانت القوافل في كلتا الرحلتين تقوم من مكة محملة بمنتجاتها من الصوف والشعير والوبر والجلود، وتعود محملة ببضائع من الشام والعراق واليمن ومصر والحبشة، وكان عبد المطلب يحب أن يأخذ أبناءه بالمراس في التجارة فكان يرسلهم واحداً بعد واحد في رحلة الشتـاء والصيف فلما كانت هذه الرحلة وقع الإختيار فيها على ابنه عبد الله.

     كانت الرحلة في هذه المرة قاصدة بلاد الشام، وكان الوقت صيفاً والحر شديد والسفر مضني، وكانت ظروف عبد الله تدعوه إلى الإقامة، ولكن عبد الله لم يشأ أن يخالف رغبة أبيه، واندفع مع القافلة في الصحراء المترامية الأطراف متعرضاً لأخطارها ومشقاتها، وترك وراءه عروسه الحبيبة تقاسي مرارة الفراق العاجل، والوحشة المباغتة، والوحدة التي جاءت مبكرة على غير انتظار.

     وانطلقت القافلة في طريقها إلى الشام تقطع الفيافي البعيدة في الشمس الحارقة، التي تذيب الرؤوس حتى وصلت الى أسواق الشام، فباعت ما شاء الله لها أن تبيع، واشترت ما شاء الله لها أن تشتري ثم قفلت راجعة من حيث جاءت حتى وصلت في طريقها إلى مدينة يثرب.

     وكان عبد الله قد مرض في أثناء الطريق وأنهك قواه طول السير في الصحراء، فأوى إلى أخوال أبيه في المدينة ليستجم ويستريح، ويقيم عندهم أياماً حتى يبل من مرضه، أما القافلة فقد تركت رفيقها عبد الله عند أخواله وواصلت سيرها إلى مكة لتصل إليها في الموعد المعتاد.

     وكان أهل مكة يحتفلون برجوع القافلة أيما احتفال، فتخرج جموع الشبان لترافق القافلة من بعيد، ويجتمع الكهول والشيوخ في دار الندوة يتنسمون الأخبار ليطمئنوا على أموالهم ومتاجرهم، وتستعد النساء في البيت لاستقبال العائدين من الأبناء والأزواج والإخوة، وتتهيأ النفوس والقلوب للقاء الأحبة بعد طول الفراق وكثرة الأشواق.

     وكان آل عبد المطلب قد تهيأوا لهذا الأمر كما تهيأ له غيرهم من الناس، فجلس عبد المطلب في دار الندوة مع الجالسين من رجال قريش وخرج أبناؤه يستقبلون القافلة مع الخارجين من شباب مكة، وجلست أمنة بنت وهب تنتظر وتتشوق، وقد أعدت بيتها وهيأت نفسها للقاء الحبيب الغائب.

     ودخلت القافلة مكة يحيط بها جمع حاشد من الشباب، هلل الأطفال وزغردت النساء، واندفع كل حبيب إلى حبيبه وأخذ عبد المطلب يدور بعينيه في القادمين يحاول أن يرى ولده عبد الله فلا يراه. فقال: (أين عبد الله يا قوم؟) قال قائلهم: (لقد مرض عبد الله في الطريق وتخلف عند أخواله في يثرب ليستريح عندهم أياماً ثم يعود).

     وفوجئ عبد المطلب بما لم يكن متوقع، ولكنه لم يلبث أن تمالك نفسه وأمر ولده الحارث أن يذهب على الفور إلى يثرب ليحمل إليه أخاه عبد الله، فما لبث الحارث أن أعد راحلته وانطلق بها إلى يثرب مسرعاً، لكنه لم يكد يصل إلى هناك حتى استقبله الناعي على بابها ينعي إليه أخاه عبد الله).

     وعلم الحارث أن عبد الله قد مات وذفن هنالك عند أخواله فعاد إلى مكة كاسف البال، مكلوم الفؤاد، فألقى إلى أبيه بالنبأ المشئوم فاضطرب عبد المطلب له اضطراباً شديداً، وتحير كيف يلقي هذا النبأ الفاجع إلى أمنة بنت وهب وأطرق رأسه إلى الأرض ومكث برهة يفكر.

     وقام الشيخ متحامل على نفسه يمشي الهوينا في وجوم واكتئاب، ورجال قريش يحيطون به حتى وصل إلى بيت أمنة، أخذ يتكلف الإبتسام ويتظاهر بالبشر، ثم وقف أمامها حيران لا يدري كيف يبدأ، ولا كيف ينتهي، ونظرت أمنة إلى وجه الشيخ فأدركت كل شئ، وأرادت أن تنقذه من حيرته، فتقدمت نحوه وهي تقول: (أطال الله عمرك أبي، فيك العوض وفيك الرجاء كله)، ثم ارتمت في حضنه باكية.

     وأحس عبد المطلب أن الحزن قد غلبه على أمره، وخرج به عن وقاره، فانفلت مسرعاً إلى الكعبة يشكو إلى الله بثه وحزنه، وترك أمنة غارقة في دموعها، وحولها نساء بني هاشم يحاولن تعزيتها وتخفيف لوعتها.

     و قد رثته آمنة بأروع المراثي، قالت:‏
            عَـفَـا جـانـبُ البطـحـاءِ مـن ابــن هـاشـم
                        و جـاور لَــحْــداً خـارجــاً فـي الـغَـمَـــاغِـــــم
            دَعَــتْـــه الــمــنـــايــا دعـــوة فــأجــابـــهـا
                        و مـا تـركـتْ فـي الـنـاس مـثــل ابـن هــاشـم
            عــشــيـــة راحــــوا يـحــمــلــون ســـريــره
                        تَـــعَـــاوَرَهُ أصــحـــابــــه فـــي الــتـــــزاحــــــم
            فــإن تــك غــالــتـــه الــمــنــايــا ورَيْــبَــهـــا
                        فــقـــد كــان مِــعْــطـــاءً كـثـيـــر الــتــراحـــم

     وجميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعة غنم، وجارية حبشية إسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

                                                       

عن المدير