عبـد المطلـب بـن هـاشـم

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الثاني : العـائلـة النبـويـة
المبحث الثالث : عبـد المطلـب بـن هـاشـم

     من أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان‏:‏ حفر بئر زمزم ووقعة الفيل.
المطلب الأول: كشف زمزم:
     ظلت سقاية الحاج ورفادتهم في قريش سنة معروفة منذ عهد قصي يتوارثها أولاده وأحفاده من بعده جيل بعد جيـل حتى وليها عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكانت الرفادة شيئاً هيناً سهلاً إذ كانوا يتعاونون عليها ويتساندون فيها، فيقدم كل بيت ما يستطيع من الطعام.

     أما السقاية فكان تدبيرها شيئاً عسيراً جداً يقاسي ولاة البيت في أمرها مصاعب ومشاق نظراً لقلة الماء في مكة وما حولها. فكانوا يطوفون بالعيون والآبار والينابيع يجمعون منها الماء ويضعونه في حياض من الجلد، ويحملونها معهم إلى حيث يسيرون حتى تنتهي أيام الحج.

     فلما تولى عبد المطلب السقاية أهمه أمرها هماً عظيماً، وبات يقضي ليله ونهاره مفكراً في وسيلة سهلة ييسر بها للحاج سبيل الماء بلا عنت ولا مشقة، وكان قد سمع فيما سمع من أقاصيص الرواة عن بئر زمزم التي بناه جده إسماعيل بن إبراهيم ثم طمستها جرهم وأخفت معالمها حين نزحت من أرض الحرم، فتمنى لو قدر له العثور على مكانها ليكشف عنها ويعيدها سقاية للحاج كما كانت في عهد جده إسماعيل وظل مشغولاً بهذا الأمر ليله ونهاره.

     وفيما هو ذات ليلة يفكر في أمر السقاية غلبه النوم ورأى كأن هاتفاً في منامه يقول له: (يا عبد المطلب أحفر طِيبه) فسأل عبد المطلب: (وما طِيبه؟) فأنصرف عنه الهاتف ولم يجبه بشئ، فلما كانت الليلة الثانية أقبل عليه ذلك الهاتف كما أقبل في الليلة السابقة وقال له: (يا عبد المطلب احفر بَرَة) قال عبد المطلب: (وما بَرَة؟) فأنصرف عنه الهاتف ولم يجبه بشئ، فلما كانت الليلة الثالثة عاد إليه الهاتف وقال له: (يا عبد المطلب احفر المضنُونة) قال عبد المطلب: (وما المضنُونة؟) فانصرف عنه كذلك ولم يجبه بشئ.

     فشغل عبد المطلب شغلاً عظيماً بأمر الهاتف، وجعل يسأل نفسه عن معنى الكلمات المبهمة التي تلقى له في النوم إلقاء دون أن يفهم لها معنى أو يدرك لها حقيقه، فلما كانت الليلة الرابعة آوى عبد المطلب إلى فراشه وهو يخشى أن يزوره هذا الهاتف فيلقي إليه بلغز جديد، فأستعاذ بالله وتوجه إليه بنفس واجفة أن يكشف له عن سر هذا الهاتف وأن يبين له حقيقة ما يرمي إليه إن كان الهاتف خير ويحفظه من شره إن كان شيطاناً.

     ونام عبد المطلب وقد تحصن بحاميه الله الذي لا يضر مع اسمه شئ فما كادت عينه تستغرق في النوم حتى أقبل عليه الهاتف يقول: (احفر زمزم) فتململ عبد المطلب في فراشه وصاح بالهاتف غاضباً: (وما زمزم؟) فلم يغضب الهاتف ولم ينصرف عنه كما ينصرف في كل مرة بل نظر إليه مبتسماً وظل يقول فى هدوء: (لا تنزح ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم).

     فهب عبد المطلب من نومه فرحان مستبشراً، وجعل يتلفت حواليه كأنما يبحث عن ذلك الهاتف ليستزيده من الشرح والإيضاح، فلم يجد غير نفسه جالساً على سريره حيث كان، ووجد نور الصباح يملأ الحجرة، وضوء الشمس يغمر الآفاق من حوله.

     حينذاك نهض من فراشه عجلاناً، وانطلق نحو البيت ينظر ما هنالك فإذا الغراب الأعصم قائماً كعادته في مذبح الكعبة، ينبش برجليه وينقر بمنقاره حيث تذبح الأنعام التي تهدى إلى البيت، ويوزع لحمها على الفقراء والمـساكين، وكان هذا الغراب يمتاز عن غيره من الغربان ببياض في إحدى رجليه، وكان قد ألفه الناس يأتي إلى هذا المكان فيأكل مما تخلفه الذبائح من فرث ودم.

     فلما راه عبد المطلب فرح واستبشر وأيقن أن هذا الهاتف لم يكن شيطاناً، وأن هذه الرؤى لم تكن أضغاث أحلام، وانطلق من فوره إلى داره، فأتى بفأس ومقطف، واصطحب معه وحيده الحارث، وعاد مسرعاً إلى الكعبة وأخذ يحفر حيث كان الغراب الأعصم ينقر وينبش.

     وجعل عبد المطلب يحفر بهمة ونشاط، لا يبالي بما يلفحه من وهج الشمس، بل هو ماض فيما قد دعي إليه، يضرب الفأس بقوة فيملأ المقطف بالتراب ثم يناوله الحارث، فيحمله الحارث بين يديه ويمضي به بعيداً ثم يكب ذات اليمين أو ذات الشمال، فلا يكاد الحارث يفرغ المقطف حتى يتلقفه منه عبد المطلب فيملاء بالتراب ثم يرفعه اليه، وهو فيما بين ذلك يرتجز ويغني:

            لا هـم قـد لبيـت مـن دعـانـــي             وجـئـت سـعـي المـسـرع العـجـلان
            ثـبـت الـيـقـيـن صـادق الإيمـان             يـتـبـعـنـــي الـحـــارث غــيــــر وان
            جــذلان لـم يحـفـل بمـا يعـانــي             لا هــم فـلـتـصــدق لـنـا الأمــانــي
                                    مــالــي بــمــا لــم تــرضـــه يــدان

     والحارث من ورائه يردد أنغامه والمقطف بينهما رائح وعائد، والفأس صاعد وهابط، وصوت عبد المطلب ينتشر في الفضاء فياضاً بالنشاط.

     واستيقظت قريش على صوت الفأس يرن في الأرض القوية وعلى أناشيد عبد المطلب، فلما رأوه يحفر بين يدي الكعبة ثاروا عليه يريدون أن يمنعوه، وكاثروه بأبنائهم ومواليهم، ولولا أنه سيد قريش وأن لهم فيه منزلة وأن رجالاً تدخلوا فيما بينه وبينهم، لحالوا بينه وبين ما يريد.

     وعز على عبد المطلب أن يكاثره هؤلاء بأولادهم وليس له ابن إلا الحارث، فأغرورقت عيناه بالدموع، وتمنى من الله أن يهبه عشرة من الولد يقومون حوله يدافعون عنه ويحموه، ونذر أن يذبح لله واحداً منهم إذا بلغوا عشرة من العدد.

     ورأى رجال قريش ما ألم عبد المطلب من الحزن فتركوه يحفر حيث كان، فما زال يحفر ثم يحفر لا يكل ولا يمل، حتى مضت ثلاثة أيام، وكاد عبد المطلب أن ييأس، وبدأ يساوره الشك في صدق ما أنبأه به الهاتف، لولا أنه رفع الفأس ثم ضربه بها ضربة فأصابت في طريقها شيئاً صلباً، فأنتعش عبد المطلب وأخذ يكشف عن ذلك الشئ حتى يتبينه، فإذا هي غزالان من ذهب ودروع وأسياف، وآلات حرب فابتهجت نفسه وعاوده الأمل من جديد، فعاد يحفر وهو أكثر همة ونشاطاً، ومازال يضرب بالفأس حتى ضربت الفأس في حرف البئر الذي بناه اسماعيل، هنالك كبر عبد المطلب وصاح في فرح وابتهاج: هذا طوى إسماعيل، هذا بئر زمزم، هذه سقاية الحاج، فعرفت قريش أنه أدرك الماء، فأقبلوا إليه مسرعين يريدون أن يشاركوه في كل ما عثر عليه.

     قال عبد المطلب: (أما الذهب والسلاح فهو ليس لي ولا لكم، إنما هو للكعبة التي أهدي إليها، أما الماء فاجعلوا بيني وبينكم في شأنه حكم، فإن حكم لكم فهو مائكم، وإن حكم لي فهو مائي الذي دعيت إلى استنباطه وكشفه وخصصت به من دونكم جميعاً).

     قالوا: (لقد أنصفتنا يا عبد المطلب فنعم الرأي رأيك).

     وكان من عادة العرب في ذلك الزمان أن يحتكموا إلى الكهان والعرافين في شئونهم المهمة، فاتفقوا على أن يذهبوا جميعاً إلى كاهنة بني سعد، وكانت تقيم عند حدود الشام، وخرجت قريش بعشرين رجل من بطونها، وخرج عبد المطلب بعشرين رجل من بني مناف، فلما قاربوا حدود الشام، نفد ما كان معهم من الماء وضلوا في متاهة جرداء مقفرة، وكان الحر شديد وضوء الشمس يسطع على الصخور، فأضطروا للنزول حيث كانوا، وجعلوا يقلبون وجوه الرأي بينهم للخلاص من هذه المهلكة.

     قال قائل منهم: (يا قوم إنه الموت لا محالة، وإنا إذا واصلنا السير سنهلك واحداً بعد واحد وتذهب آثارنا بهذه الصحراء. فلنقم هنا حيث نزلنا، وليحفر كل واحد منا قبره بيديه، فمن مات ذفناه في حفرته، حتى إذا لم يبق منا غير واحد، ولعل أهلنا أن يعثروا على قبورنا إذا قدر لهم أن يصلوا إلى مكاننا هذا).

     فاستحسن القوم بالرأي وهموا يريدون الحفر لولا أن صاح فيهم عبد المطلب: (يا قوم، والله ما هذا برأي، وإنه لعجل منا أن نستسلم للموت وفينا بقية من الحياة، وإنما الرأي أن ننهض من مكاننا هذا ونواصل السير ما بقيت فينا قوة، فلعل الله أن يبدل بأسنا أملاً ويشملنا برحمة من عنده في مكان آخر.

     ثم ركب ناقته وزجرها فهمت به قائمة، لكنها ما كادت تستوي على قوائمها حتى رأى عبد المطلب نبع ينبثق تحت أقدامها ويتفجر منه الماء سائغاً عذباً، فكبر عبد المطلب وصاح بالركب: (ابشروا يا قوم فقد سقانا الله، فاندفع القوم إلى الماء يستقون ويسقون جمالهم وركائبهم، وأحاطوا بعبد المطلب يتمسحون به ويتبركون به ويقولون: (قد حكم الله بيننا وبينك يا عبد المطلب، إنكم يا آل مناف لتحملون أنفساً زكيةً وقلوباً طاهرةً، وإنك يا عبد المطلب لأطهرهم قلباً وأزكاهم نفساً، وليس على الله من حرج أن يحوطك بكرامته حيثما كنت).

     ثم لوى القوم أعناق رواحلهم إلى مكة وهم يصيحون بعبد المطلب: (هيا إلى مكة يا سيد قريش، إن الذي سقاك بهذه الصحراء لهو الذي سقاك زمزم، فو الله لا نخاصمك فيها أبداً، وانقلبوا جميعاً عائدين إلى ديارهم).

     ومنذ ذلك اليوم صارت زمزم حقاً خالصاً لآل عبد المطلب، يسقون منها الحجيج ماءً كثيراً.

المطلب الثاني : وقعـة الفيـل :
     أن أبرهة بن الصباح الحبشي ، النائب العام عن النجاشي على اليمن، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء، سمّاها «القلّيس» وأراد أن يصرف إليها حجّ العرب، وغار من الكعبة أن تكون مثابة للناس، يشدّون إليها الرحال، ويأتون من كل فجّ عميق، وأراد أن يكون هذا المكان لكنيسته. وعزّ ذلك على العرب الذين رضعوا لبان حبّ الكعبة وتعظيمها، لا يعدلون بها بيتاً، ولا يرون عنها بديلاً، وشغلهم ذلك، وتحدثوا به، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة. ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه. (ملاحظة: يمكن أن يكون السبب في حملة أبرهة أهمّ وأوسع من حادث أريد به تنجيس معبد، وأن يكون قصد أبرهة فتح مكة لربط اليمن ببلاد الشام، وتوسيع حكم النصرانية، ونفوذها في الجزيرة العربية، وكان ذلك في صالح الروم والحبش؛ وهم نصارى على السواء، وكانت هذه الخطة -مهما كانت الدوافع إليها- تؤدّي إلى خراب البيت الذي قدّر له أن يكون هدى ومثابة للناس، ورمز النبوة الأخيرة؛ وتجريد مكة من سيادتها الروحية، وذلك ما لا يرضاه الله. ويجوز أن يكون الروم هم المحرضين لأبرهة على فتح مكة، لمآربهم السياسية، ومنها إضعاف نفوذ الفرس المنافس الوحيد للنفوذ الرومي على بلاد العرب).

     وسار بجيش عرمرم عدده ستون ألف جندي إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلاً من أكبر الفيلة اسمه محموداً، وكان في الجيش 9 فيلةً أو 13 فيلاً، وتسامعت به العرب، فنزل عليهم كالصّاعقة، وأعظموه، وفزعوا له، وأرادوا كفّه عن ذلك ومحاربته، فرأوا أن لا طاقة لهم بأبرهة وجنوده، فوكّلوا الأمر إلى الله تعالى، وكانوا على ثقة بأنّ للبيت ربّا سيحميه. وانحازت قريش إلى شعف الجبال والشّعاب، تخوّفاً عليهم من معرّة الجيش، ينظرون ماذا سيصنع الله بمن اعتدى على حرمته، وقام عبد المطلب، ومعه نفر من قريش، فأخذوا بحلقة باب الكعبة، يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.

     واصل أبرهة سيره حتى بلغ المُغَمَّس، وهناك عبأ جيشه وهيأ فيله، وتهيأ لدخول مكة، فلما كان في وادي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى برك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، وهنالك أرسل الله تعالى عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحداً إلا صارت تتقطع أعضاؤه وهلك، وليس كلهم أصابت، {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * ‏تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (سورة الفيل؛ الآيات: 3-5). وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض، فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل، وأما أبرهة فبعث الله عليه داءاً تساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك.

     وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب، وتحرزوا في رءوس الجبال خوفاً على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين.‏

     وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين يوماً أو بخمسة وخمسين يوماً عند الأكثر وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571 م، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته؛ لأنّا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله استولوا على هذه القبلة مرتين بينما كان أهلها مسلمين، كما وقع لبُخْتُنَصَّر سنة 587 ق‏.‏م، والرومان سنة 70 م، ولكن لم يتم استيلاء نصارى الحبشة على الكعبة وهم المسلمون إذ ذاك، وأهل الكعبة كانوا مشركين.‏

المطلب الثالث : أولاد عـبـد المطلـب :
     كان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم‏:‏ الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس. وقيل كانوا أحد عشر، فزادوا ولداً اسمه قُثَم، وقيل كانوا ثلاثة عشر، فزادوا‏ عبد الكعبة وحَجْلاً، وقيل‏ إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلاً هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم، وأما البنات فست وهن أم الحكيم وهي البيضاء، وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة.

 

                                                       

عن المدير