حالة العرب الإجتماعية

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الأول: العالم قبل البعثة النبوية وأثناءها
المبحث الثاني: أحوال الأقوام العربية قبل البعثة النبوية
المطلب التاسع: حالة العرب الإجتماعية

     بعد البحث في سياسة الجزيرة وأديانها يجمل بنا أن نلقي شيئاً من الضوء على أحوالها الإجتماعية، وفيما يلي بيانها بإيجاز:

     يتخيّل كثير من النّاس ممّن لا علم لهم بأحوال العصر الذي كانت فيه البعثة، وليس لهم اطّلاع واسع على أيّام العرب وأخبارهم وشعرهم وعوائدهم، أنّ مكّة كانت قرية صغيرة، وكانت الحياة فيها في طور الطفولة العقلية والإجتماعية والحضارية، وكانت أشبه بمسكن للقبائل، فيه مضارب من الشّعر، تسود فيها حياة الخيام، وبين معاطن الإبل (مبرك الإبل عند الماء)، ومرابض الغنم ومرابط الخيل، متناثرة في حواشي الوادي وشعاب الجبال، يتبلّغ أهلها ببلغة من العيش، ويتعيّشون على الخبز القفار (غير المأدوم) أو لحم الإبل الذي لم يحسن شواؤه ولم يكمل استواؤه، ويلبسون اللباس الخشن الذي يتخذونه من أصواف الإبل وأوبارها، لا شأن لهم بتوسع في المطاعم والمشارب، أو تأنّق في اللباس، أو لين من العيش، ورقّة في الشّعور، وتوسّع في الخيال.

     إنّ هذه الصّورة القاتمة لمكّة، لا تتفق مع الواقع التاريخيّ ومع ما تناثر في كتب التاريخ ودواوين الأدب والشعر الجاهليّ، من وصف مكّة وما كان عليه أبناؤها، في منتصف القرن السادس المسيحيّ من آداب وأعراف وعادات ومظاهر كثيرة في الحياة، قد انتقلت من طور بدائيّ بدويّ إلى طور بدائيّ مدنيّ، ولا تتّفق مع ما وصفها القرآن بنعوت وأسماء لا تليق بقرية صغيرة، وحياة بدويّة، فقد سمّاها (أمّ القرى) في قوله: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (سورة الشورى، الآيـة: 7). وقوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (سورة التين، الآيـات: 1 – 3). وقوله: {لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ} (سورة البلد، الآيتـان: 1 – 2) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (سورة الزخرف، الآيـة: 31)؛ فكثيراً ما يطلق لفظ القرية على البلد؛ قال ابن كثير في تفسيره هذه الآيـة: (والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أيّ البلدتين كان).

     والحقّ أنّ مكّة قد انتقلت في منتصف القرن الخامس الميلاديّ، من طور البداوة إلى طور الحضارة، وإن كانت حضارة بالمعنى المحدود، وخضعت لنظام يقوم على اتفاق تطوّعيّ وتفاهم جماعيّ وتوزّع للمسؤوليات والمهام، وكان ذلك على يد قصيّ بن كلاب الجدّ الخامس للرسول.

     وكان عمران مكّة بطبيعة الحال محصوراً في نطاق ضيّق، وكانت مكّة بين الأخشبين، وهما جبل (أبي قبيس) المشرف على الصّفا، والآخر الجبّل الذي يقال له (الأحمر)، وكان يسمّى في الجاهليّة ب(الأعرف)، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان.

     إلّا أنّ وجود البيت في هذا الوادي، وما كان يتمتّع به جيرانه وسدنته بصفة خاصّة، وسكان الوادي بصفة عامّة، من شرف ومكانة وأمن، كان مغرياً لكثير من القبائل العربيّة، وخصوصاً المجاورة، للإنتقال إلى جوار البيت، فازداد العمران، وتوسّع النطاق على مرّ الزمان، وحلّت البيوت المرصوفة بالحجر، أو المبنية بالطين والحجر محلّ الخيام والأخبية، وانطلقت الحركة العمرانية ممّا يلي المسجد الحرام إلى بطحاء مكّة في أعلاها و أسفلها، وكانوا يبنونها أوّل الأمر بحيث لا تستوي على سقوف مربّعة احتراماً للبيت، ثمّ هان عليهم ذلك بالتدريج، فلم يروا بذلك بأساً، وتوسّعوا فيه، إلا أنّهم كانوا لا يرفعون بيوتهم عن الكعبة.

     وزعم بعض أهل الأخبار أنّ أهل مكّة كانوا يبنون بيوتهم مدوّرة تعظيماً للكعبة، وأوّل من بنى بيتاً مربّعاً حميد بن زهير، فاستنكرته قريش.

     وكانت بيوت أثريائها وساداتها مقامة بالحجر، وبها عدد من الغرف، ولها بابان متقابلان، ليتمكّن النّساء من الخروج من الباب الآخر، عند وجود ضيوف في الدّار.

     ومن أعلى جبل أبي قبيس الذي يشرف على مكّة من الشرق، يبدو شكلها المستطيل من الشّمال إلى الجنوب في بطن واد ضيق، وعندما ينظر إليها المرء لأول وهلة فإنّه لا يكاد يميّزها عن الأديم الذي تقوم عليه، إنّ الجبال الجرداء الصخرية التي تحيط بها لا تفصلها عنها أية واحة، فليس بينها وبين مكّة أيّ بقعة خضراء، وإنّ سطوح منازلها لتختلط بمنهار الصخور التي تحدّرت على سفوح تلك الجبال.

     أمّا بعد أن تراض العين شيئاً فشيئاً، فإنّها تميّز البيوت والدّور، وتكشف المداخل الخفيّة، ويتنبّه الإنسان بغتة لمنظر مفاجىء لمدينة كبيرة، لم يكن يظنّ وجودها في هذا المكان، إنّ العين تراها تكبر دون حدّ؛ حتّى ليكاد الإنسان يعزو اتساعها المفاجىء إلى سحر ساحر، وتبدو الصّخور بدورها وكأنّها تحوّلت إلى منازل، وتبدو الآكام أشبه بضواح واسعة لا يدرك الطرف لها نهاية.

     كانت في العرب أوساط متنوعة، تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم، وكان للمرأة من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف، وتراق الدماء، وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في أكثر أوقاته إلا المرأة، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال، ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة، وصاحب الكلمة فيها، وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها ولم يكن من حقها أن تفتات عليهم.

     بينما هذه حال الأشراف، كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع من الإختلاط بين الرجل والمرأة، لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة. وقد تعارف العرب على أنواع النكاح، لا يعيب بعضهم على بعض إتيانها. روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها (حيضها)، أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه (الإستبضاع هو طلب الجماع حتى تحمل منه)، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الإستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط (الجماعة دون العشرة)، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت، ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: (قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان)، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة (جمع القائف، وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد) ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به (أستلحقه) ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم) (رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بِوَلِيٍّ).

     وذكر بعض العلماء أنحاء أخرى لم تذكرها عائشة رضي الله عنها كنكاح الخدن وهو في قوله تعالى: {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}، كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم، وهو إلى الزنا أقرب منه إلى النكاح، وكنكاح المتعة وهو النكاح المعين بوقت، ونكاح البدل: كان الرجل في الجاهلية يقول للرجل: إنزل لي على امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك.

     ومن الأنكحة الباطلة نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق.

     وكانوا يحلون الجمع بين الأختين في النكاح، وكانوا يبيحون للرجل أن يجمع في عصمته من الزوجات ما شاء دون التقيد بعدد، وكان الذين جمعوا بين أكثر من أربع زوجات أكثر من أن ينالهم العد، وجاء الإسلام ومنهم من له العشرة من النساء والأكثر، والأقل، فقصر ذلك على أربع إن علم أنه يستطيع الإنفاق عليهن، والعدل بينهن، فإن خاف عدم العدل فليكتف بواحدة، وما كانوا في الجاهلية يلتزمون العدل بين الزوجات، وكانوا يسيئون عشرتهن، ويهضمون حقوقهن حتى جاء الإسلام فأنصفهن، وأوصى بالإحسان إليهن في العشرة، وقرر لهن حقوقاً ما كن يحلمن بها.

     وكانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، وأسنة الرماح، فكان المتغلب في حروب القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الأولاد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة حياتهم.

     وكانت المرأة عند كثير من القبائل كسقط المتاع، فقد كانت تورث، وكان الإبن الأكبر للزوج من غيرها من حقه أن يتزوجها بعد وفاة أبيه، أو يعضلها عن النكاح، حتى حَرَّم الإسلام ذلك، لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} (سورة النساء، الآيتـان: 22 – 23).

     كانوا يمارسون الطلاق، ولم يكن للطلاق عندهم عدد محدد، فكان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها هكذا أبداً، وبقي هذا الأمر معمولاً به في صدر الإسلام، إلى أن أنزل الله تبارك وتعالى قوله: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (سورة البقرة، الآيـة: 229).

     فقيد الإسلام عدد الطلقات، وأعطى للزوج فرصة لتدارك أمره، ومراجعة زوجته مرتين، فإن طلق الثالثة فقد انقطعت عروة النكاح، ولا تحل له إلا بعد زوج آخر، ففي الكتاب الكريم: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} (سورة البقرة، الآيـة: 230).

     ومما كان يلحق بالطلاق في التحريم الظهار، وهو أن يقول الزوج لزوجته: (أنت علي كظهر أمي)، وكان تحريماً مؤبداً حتى جاء الإسلام، فوسمه بأنه منكر من القول وزور، وجعل للزوج مخرجاً منه، وذلك بالكفارة، قال تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سـورة المجـادلـة ، الآيـات : 2-4).

     وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه، وكانوا يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها حتى نهى عنهما القرآن: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} (سورة النساء، الآيتـان: 22 – 23)، وكان الطلاق والرجعة بيد الرجال، ولم يكن لهما حد معين حتى حددهما الإسلام.

     وكانت فاحشة الزنا سائدة في جميع الأوساط، لا نستطيع أن نخص منها وسطاً دون وسط أو صنفاً دون صنف، إلا أفراداً من الرجال والنساء ممن كان تعاظم نفوسهم يأبى الوقوع في هذه الرذيلة، وكانت الحرائر أحسن حالاً من الإماء والطامة الكبرى هي الإماء، ويبدو أن الأغلبية الساحقة من أهل الجاهلية لم تكن تحس بعار في الإنتساب إلى هذه الفاحشة، روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (قام رجل فقال: (يا رسول الله إن فلاناً ابني، عاهرت بأمه في الجاهلية)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية. الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وقصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة وهو عبد الرحمن بن زمعة معروفة.

     وكانوا لا يورثون البنات ولا النساء ولا الصبيان، ولا يورثون إلا من حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل، وبقي حرمان النساء والصغار من الميراث عرفاً معمولاً به عندهم إلى أن توفي أوس بن ثابت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك بنتين كانت بهما دمامة، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله، فقالت امرأته لهما: تزوجا البنتين، فأبيا ذلك لدمامتهما، فأتت رسول الله فقالت: (يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين، فجاء ابنا عمه سويد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقلت لهما: تزوجا ابنتيه، فأبيا، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تحركا في الميراث شيئاً) (تفسير القرطبي)، ونزل قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} (سورة النساء، الآيـة: 7).

     وكان العرب يُعيّرون بالبنات؛ لأن البنت لا تخرج في الغزو، ولا تحمي البيضة من المعتدين عليها، ولا تعمل فتأتي بالمال شأن الرجال، وإذا ما سبيت اتخذت للوطء تتداولها الأيدي لذلك، بل ربما أكرهت على احتراف البغاء، ليضم سيدها ما يصير إليها من المال بالبغاء إلى ماله، وقد كانت العرب تبيح ذلك، وقد كان هذا يورث الهم والحزن والخجل للأب عندما تولد له بنت، وقد حدثنا القرآن الكريم عن حالة من تولد له بنت فقال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ ساءَ مَا يَحْكُمُونَ} (سورة النحل، الآيتـان: 58 – 59).

     وكثيراً ما كانوا يختارون دسها في التراب، ووأدها حية، ولا ذنب لها إلا أنها أنثى؛ ولذلك أنكر القرآن الكريم عليهم هذه الفعلة الشنيعة قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (سورة التكوير، الآيتـان: 8 – 9).

     وكانت بعض القبائل لا تئد البنات، كما كان فيهم من يستقبحون هذه الفعلة الشنعاء كزيد بن عمرو بن نفيل.

     وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواع شتى، فمنهم من يقول:
                  إنـمـا أولادنـا بـيـنـنـا
                  أكـبـادنـا تـمـشـي عـلـى الأرض

     ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والإنفاق، ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق، فجاء الإسلام وحرم ذلك. قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (سورة الأنعام، الآيـة: 151)، وقال عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } (سورة الإسراء، الآيـة: 31)، ولكن لا يمكننا أن نعد هذا من الأخلاق المنتشرة السائدة، فقد كانوا أشد الناس احتياجاً إلى البنين، ليتقوا بهم العدو.

     أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية، ويموتون لها. وكانت روح الإجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية وكان أساس النظام الإجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) على المعنى الحقيقي، من غير التعديل الذي جاء به الإسلام من أن نصر الظالم كفه عن ظلمه، إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيراً ما كان يفضي إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج، وعبس وذبيان، وبكر وتغلب وغيرها.

     أما العلاقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تماماً، وكانت قواهم متفانية في الحروب. إلا أن الرهبة والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها وفي بعض الحالات كانت الموالاة والحلف والتبعية تفضي إلى اجتماع القبائل المتغايرة، وكانت الأشهر الحرم رحمة وعوناً لهم على حياتهم وحصول معايشهم. فقد كانوا يأمنون فيها تمام الأمن؛ لشدة التزامهم بحرمتها، يقول أبو رجاء العُطاردي: (إذا دخل شهر رجب قلنا: مُنَصِّلُ الأسِنَّة؛ فلا ندع رمحاً فيه حديدة ولا سهماً فيه حديدة إلا نزعناه، وألقيناه شهر رجب. وكذلك في بقية الأشهر الحرم).

     وقصارى الكلام أن الحالة الإجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية فالجهل ضارب أطنابه، والخرافات لها جولة وصولة والناس يعيشون كالأنعام، والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحياناً، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة، وما كان من الحكومات فجل همها امتلاء الخزائن من رعيتها، أو جر الحروب على مناوئيها.

 

                                                       

عن المدير