حالة العرب الدينية

الكتاب الثاني: وقـائـع الـسـيـرة الـنـبـويـة
الباب الأول: أهـم الأحـداث التـاريخيـة مـن قبـل البعثـة حتـى نـزول الـوحـي
الفصل الأول: العالم قبل البعثة النبوية وأثناءها
المبحث الثاني: أحوال الأقوام العربية قبل البعثة النبوية
المطلب الثامن: حالة العرب الدينية

الوثنية :

     كـان معظـم العـرب قد اتبعـوا دعـوة إسمـاعيل عليـه السـلام حيـن دعـاهـم إلى دين أبيـه إبـراهيـم عليـه السّـلام، مـنـذ أن نـشـأت ذريتـه في مـكـة وانتشـرت في جـزيـرة الـعـرب، فـكـانـوا يعبـدون الله ويـوحـدونـه ويلتـزمـون بشـعـائـر دينـه الحنيـف، حتـى طـال عليهـم الأمـد ونسـوا حظـاً ممـا ذكـروا بـه، إلا أنـهـم بقـي فيهـم التـوحيـد وعـدة شـعـائر مـن هـذا الـديـن، حتـى جـاء عمـرو بـن لُحَـيٍّ رئيـس خـزاعـة، فكـان أوّل مـن غـيّـر ديـن إسمـاعيـل، فـنـصـب الأوثـان، وأحـدث فـي الحـيـوانات مـن التعظيـم والتسييـب والتحـريـم مـا لـم يـأذن بـه الله، ولـم تـعـرفـه شـريـعـة إبـراهيـم، وكـان قـد خـرج مـن مكّـة إلى الشـام، فـرأى أهلهـا يعبـدون الأصنـام، ففتـن بهـا، وجلـب بعضهـا إلـى مكّـة، فنصبهـا، وأمـر النـاس بـعـبـادتـهـا وتعظيمهـا. وقـد جـاء فـي الحـديـث الـشـريـف أن النبـي صلـى الله عليـه وسلـم قـال: (رأيـت عـمـرو بـن عـامـر الخـزاعـي يـجـر قصبـه فـي النـار، كـان أول مـن سيّـب السـوائـب) ( أخـرجـه البخـاري في كتـاب التفسيـر، ومسلـم فـي كتـاب الكسـوف، بـاب صـلاة الكسـوف، وأحمـد فـي مـسنـده). وفـي حـديـث رواه محمـد بـن إسـحـاق؛ أنـه كـان أول مـن غـيـر ديـن إسـمـاعـيـل؛ فـنـصـب الأوثـان، وبـحـر البـحيـرة، وسيـب الـسـائـبـة، ووصـل الـوصـيـلـة، وحـمـى الحـامـي. ومـمّـا تـحـقـق مـن مـتـابـعـة كتـب التـاريـخ أن جـدّ عـمـرو بـن لحـي لأمـه كـان آخـر ولاة مـكـة، وقـد آلـت هـذه التـوليـة إلى عـمـرو بـن لحـي، وكـان عـمـرو بـن لُحَـيٍّ قـد نـشـأ عـلـى أمـر عـظـيـم مـن الـمـعـروف والـصـدقـة والـحـرص عـلـى أمـور الـدين، فـأحبـه النـاس، ودانـوا لـه ظـنـاً مـنـهـم أنـه مـن أكـابـر الـعـلـمـاء وأفـاضـل الأوليـاء، وقـد أبـدى الأزرقـي مـا كـان يـتـمـتـع بـه مـن شـأن وفـخـامـة، وقـد بـلـغ مـن الـمـجـد شـأنـاً لـم يبلغـه أحـد قبلـه فـي الجـاهليـة، وهـو أول مـن غيّـر ديـن إسمـاعيـل ودعـا إلـى الـوثنـيـة السـافـرة، وهـو أول مـن أحـدث تغييـراً فـي منـاسـك الحـج. ويبـدو مـن متـابعـة المصـادر التـاريخيـة أنـه سبـق ظهـور الإسـلام بـأربعـة قـرون ونصـف.

     قيـل إنـه أنّـه مـرّ فـي طـريـقـه إلـى الشّـام مـن الـبـتـراء التـي ضبطهـا الـمـؤرّخـون والجغـرافيّـون القـدامـى ببـطـراء وبـطـرة، وهـي تـقـع الآن فـي جنـوب المملكـة الأردنيـة الهـاشميـة، وكـانـت القصبـة العـربيـة الصخـريّـة المشهـورة عنـد اليـونـان والـرومـان، قيـل إنّـه أنشـأهـا الأنـبـاط، وهـم مـن أصـل عـربـيّ، قـبـل آلاف مـن السّنيـن، وقـد بلغـوا فـي المـدنـيّـة والصنـاعـة شـأنـاً بعيـداً، وكـان بينهـم شـعـراء وأطـبـاء وتجـاراً كـبـار، وكـانـوا يـرحلـون إلـى مـصـر والـشـام وبـلاد الـفـرات ورومـا، ويجـوز أنّهـم كـانـوا يمـرّون بالحـجـاز فـي طـريـقـهـم إلـى وادي الـفـرات، وكـانـوا مـع ذلك مـنـغـمـسيـن فـي الـوثـنـيّـة السـافـرة، ينحتـون الأصـنـام ويعبـدونهـا. فلمـا رآهـم يعبـدون الأوثـان، اسـتـحـسـن ذلك وظـنـه حـقـاً، لأن الـشـام محـل الـرسـل والكتـب، فقـدم معـه بـهبـل وجعلـه فـي جـوف الـكـعـبـة، ودعـا أهـل مكـة إلـى الشـرك بالله، فـأجـابـوه. ثـم لـم يلبـث أهـل الحجـاز أن تبعـوا أهـل مكـة، لأنهـم ولاة البيـت وأهـل الحـرم.

     وكـان هـبـل مـن العقيـق الأحمـر علـى صـورة إنسـان، مكسـور اليـد اليمنـى، أدركتـه قـريـش كذلك، فجعلـوا لـه يـداً مـن ذهـب، وكـان أول صنـم للمشـركيـن وأعظمـه وأقـدسـه عنـدهـم.

     كـانـت خـزاعـة وقـريـش تعبـد إسـافـاً ونـائلـة، ومـن أقـدم أصنـامهـم منـاة، كـانـت لهُـذَيْـل وخـزاعـة، وكـانـت بالمُشَلَّـل علـى سـاحـل البحـر الأحمـر بالقـرب مـن قُـدَيْـد، والمشـلـل ثـنـيـة جـبـل يـهـبـط منـهـا إلـى قـديـد، ثـم اتـخـذوا اللات فـي الطـائـف، وكـانـت لثقيـف، وكـانـت فـي مـوضـع منـارة مسجـد الطـائـف اليسـرى، ثـم اتخـذوا العُـزَّى بـوادى نخلـة الشـامـيـة فـوق ذات عِـرْق، وكـانـت لقـريـش وبنـي كنـانـة مـع كثيـر مـن القبـائـل الأخـرى.

     كـانـت هـذه الأصنـام الثـلاثـة أكبـر أوثـان الـعـرب، ثـم كـثـر فيهـم الـشـرك، وكـثـرت الأوثـان فـي كـل بقعـة مـن الـحـجـاز، ويـذكـر أن عـمـرو بـن لـحـي كـان لـه رئـى مـن الجـن، فأخبـره بـأن أصنـام قـوم نـوح وداً وسـواعـاً ويغـوث ويعـوق ونسـراً مـدفـونـة بجـدة فـأتـاهـا فاسـتثـارهـا، ثم أوردهـا إلـى تهـامـة، فلـمـا جـاء الحـج دفعهـا إلـى القبـائـل، فـذهبـت بهـا إلـى أوطـانهـا، فـأمـا ود فكـانـت لكلـب، بجَـرَش بـدَوْمَـة الجـنـدل مـن أرض الشـام ممـا يلـى العـراق، وأمـا سـواع فكـانـت لـهـذيـل بـن مُـدْرِكـة بمكـان يقـال لـه رُهَـاط مـن أرض الحجـاز، مـن جـهـة الـسـاحـل بـقـرب مـكـة، وأمـا يـغـوث فـكـانـت لـبـنـي غُـطَيـف مـن بنـي مـراد، بالـجُـرْف عنـد سبـأ، وأمـا يعـوق فكـانـت لهمـدان فـي قـريـة خَـيْـوان مـن أرض الـيـمـن، وخـيـوان بـطـن مـن هـمـدان، وأمـا نـسـر فـكـانـت لحميـر لآل ذى الكـلاع فـي أرض حميـر. وقـد اتخـذوا لهـذه الطـواغيـت بـيـوتـاً كـانـوا يـعـظـمـونهـا كتعـظيـم الكعبـة، وكـانـت لـهـا سـدنـة وحـجـاب، وكـانـت تـهـدى لـهـا كـمـا يهـدى للكعبـة، مـع اعتـرافهـم بفضـل الكعبـة عليهـا.

     وقـد سـارت قبـائل أخـرى علـى نـفـس الطـريـق، فاتخـذت لهـا أصنـامـاً آلـهـة وبنـت لـهـا بيـوتـاً مـثـلـهـا، فكـان مـنـهـا ذو الخَلَصَـة لـدَوْس وخَثْعَـم وبُجَيْلَـة، ببـلادهـم مـن أرض اليمـن، بتَبَـالـة بـيـن مكـة واليمـن، وكـانـت فِـلْـس لبنـي طيـئ ومـن يليهـا بيـن جـبـلـى طـيـئ سـلـمـى وأجـأ. وكـان منهـا ريـام، بيـت بصنعـاء لأهـل اليمـن وحميـر، وكانـت منهـا رضـاء، بيـت لبنـي ربيعـة بـن كـعـب بـن سعـد بـن زيـد، منـاة بـن تميـم، وكـان منهـا الكَعَبَـات لبكـر وتغلـب لبنـي وائـل، ولإيـاد بِسَنْـدَاد. وكان لـدَوْس أيضـاً صنـم يقـال لـه ذو الكفيـن، ولبنـي بـكـر ومـالـك وملـكـان أبـنـاء كنـانـة صنـم يقـال لـه سعـد، وكـان لقـوم مـن عـذرة صنـم يقـال لـه شمـس، وكـان لخـولان صنـم يقـال لـه عُمْيـانِـس.

     وهكـذا انتشـرت الأصـنـام ودور الأصـنـام فـي جـزيـرة العـرب، حتـى صـار لـكـل قبيلـة ثـم فـي كـل بـيـت صنـم. وكـانـوا قـد مـلأوا المـسـجـد الحـرام بالأصـنـام، حتـى أنـه لمـا فتـح رسـول الله صلـى الله عليـه وسلـم مكـة وجـد حـول البيـت ثـلاثمـائـة وستيـن صـنـمـاً، فـجـعـل يطعنهـا بـعـود فـي يـده حـتـى تسـاقـطـت، ثـم أمـر بـهـا فأخـرجـت مـن المسجـد وحـرقـت، وكـان فـي جـوف الكـعـبـة أيضـاً أصنـام وصـور، منـهـا صنـم علـى صـورة إبـراهيـم، وصنـم علـى صـورة إسمـاعيـل عليهمـا الصـلاة والسـلام وبيـدهمـا الأزلام، وقـد أزيلـت هـذه الأصنـام ومحيـت هـذه الصـور أيضـاً يـوم الفتـح.

     وقـد تمـادى الـنـاس فـي غـيـهـم هـذا حـتـى يـقـول أبـو رجـاء العُطـاردي رضـي الله عـنـه: (كـنـا نعبـد الحجـر، فإذا وجـدنـا حـجـراً هـو خـيـر مـنـه ألقينـاه وأخـذنـا الآخـر، فإذا لـم نـجـد حـجـراً جمعنـا جُـثْـوَةً مـن تـراب، ثـم جئـنـا بالشـاة فحلبنـاه عليـه، ثـم طفنـا بـه).

     وجـمـلـة القـول أن الشـرك وعبـادة الأصـنـام كـانـا أكـبـر مـظـهـر مـن مظـاهـر ديـن أهـل الجـاهليـة، الـذيـن كـانـوا يـزعمـون أنهـم علـى ديـن إبـراهيـم عليـه الصـلاة والسـلام.

     أمـا فكـرة الشـرك وعبـادة الأصنـام فقـد نشـأت فيهـم علـى أسـاس أنهـم لمـا رأوا المـلائكـة والـرسـل والنبييـن وعـبـاد الله الـصـالحيـن مـن الأولـيـاء والأتـقـيـاء والـقـائميـن بـأعـمـال الخيـر لمـا رأوهـم أنهـم أقـرب خلـق الله إليـه، وأكـرمهـم درجـة وأعـظـمـهـم مـنـزلـة عـنـده، وأنـهـم قـد ظـهـرت علـى أيـديهـم بعـض الخـوارق والكـرامـات، ظنـوا أن الله أعطـاهـم شيئـاً مـن القـدرة والتصـرف فـي بعـض الأمـور التـي تـخـتـص بالله سـبـحـانـه وتعـالـى، وأنهـم لأجـل تصـرفهـم هـذا ولأجـل جـاههـم ومنـزلتهـم عنـد الله يستحقـون أن يكـونـوا وسطـاء بيـن الله سبحـانـه وتعـالـى وبـيـن عـامـة عـبـاده، فـلا يـنـبـغـي لأحـد أن يعـرض حـاجتـه علـى الله إلا بـواسطـة هـؤلاء؛ لأنهـم يشفعـون لـه عنـد الله، وأن الله لا يـرد شفـاعتهـم لأجـل جـاههـم، كـذلك لا ينبغـي القيـام بعبـادة الله إلا بـواسطـة هـؤلاء؛ لأنهـم بفضـل مـرتبتهـم سـوف يقـربـونـه إلـى الله زلفـى.

     ولمـا تمكـن منهـم هـذا الظـن ورسـخ فيهـم هـذا الإعتقـاد اتـخـذوهـم أوليـاء، وجعلـوهـم وسيلـة فيمـا بينهـم وبيـن الله سبحـانـه وتعـالـى، وحـاولـوا التقـرب إليهـم بكـل مـا رأوه مـن أسبـاب التقـرب؛ فنحتـوا لمعظمهـم صـوراً وتمـاثيـل، إما حقيقيـة تطـابـق صـورهـم الـتـي كـانـوا علـيـهـا، وإمـا خـيـاليـة تـطـابـق مـا تخيلـوا لهـم مـن الصـور فـي أذهـانهـم، وهـذه الصـور والتمـاثيـل هـي التـي تسمـى بالأصنـام.

     وربـمـا لـم ينحتـوا لـهـم صـوراً ولا تـمـاثـيـل، بـل جعلـوا قبـورهـم وأضـرحتهـم وبعـض مقـراتهـم ومـواضـع نزولهـم واستـراحتهـم أماكـن مقـدسـة، وقـدمـوا إليهـا النـذور والقـرابيـن، وأتـوا لهـا بـأعمـال الخضـوع والطـاعـات، وهـذه الأضـرحـة والمقـرات والمـواضـع هـي التـي تسمـى بالأوثـان.

مظـاهـر العبـادة للأصنـام :

     كـانـت لـهـم تـقـاليـد ومـراسـم فـي عـبـادة الأصـنـام، ابتـدع أكثـرهـا عمـرو بـن لحـي، وكـانـوا يظنـون أن مـا أحـدثـه عمـرو بـن لحـي بـدعـة حسنـة، وليـس بتغييـر لـديـن إبـراهيـم. فكـان مـن مـراسـم عبـادتهـم للأصنـام أنهـم:

     *  كـانـوا يـعـكـفـون عليهـا، ويلتجئـون إليهـا ويـهـتـفـون بهـا، ويستغيثـونـهـا فـي الشـدائـد، ويـدعـونـهـا لحـاجـاتـهـم، معتقـديـن أنـهـا تشفـع عنـد الله، وتحقـق لـهـم مـا يـريـدون.

     *  كـانـوا يحجـون إليهـا ويطـوفـون حـولـهـا، ويتـذللـون عنـدهـا، ويسجـدون لـهـا.

     *  كانـوا يتقـربـون إليهـا بأنـواع مـن القـرابيـن، فكـانـوا يـذبحـون وينحـرون لهـا وبـأسمـائهـا. وهـذان النـوعـان مـن الـذبـح ذكـرهمـا الله تعـالـى فـي قـولـه: {وَمـا ذُبِـحَ عَـلَـى الـنُّـصُـبِ } (سـورة المـائـدة، الآيـة: 3)وفـي قـولـه: {وَلا تَـأْكُـلُـوا مِـمَّـا لَـمْ يُـذْكَـرِ اسْـمُ اللَّهِ عَـلَـيْـهِ } (سـورة الأنـعـام، الآيـة: 121).

     *  كـان مـن أنـواع الـتـقـرب أنـهـم كـانـوا يـخصـون للأصـنـام شيئـاً مـن مـآكلهـم ومشـاربهـم حسبمـا يبـدو لهـم، وكـذلك كـانـوا يخـصـون لهـا نصيبـاً مـن حـرثهـم وأنعـامهـم. ومـن الطـرائـف أنهـم كـانـوا يخصـون مـن ذلك جـزءاً لله أيـضـاً، وكـانـت عـنـدهـم أسـبـاب كثيـراً مـا كـانـوا يـنـقلـون لأجلهـا إلـى الأصنـام مـا كـان لله، ولكـن لم يكـونـوا ينقلـون إلى الله مـا كـان لأصـنـامهـم بحـال. قـال تـعـالـى: {وَجَـعَـلُـوا لِلَّهِ مِـمَّـا ذَرَأَ مِـنَ الْـحَـرْثِ وَالْأَنْـعـامِ نَـصِـيـبـاً، فَـقـالُـوا هـذا لِلَّهِ بِـزَعْـمِـهِـمْ وَهـذا لِـشُـرَكـائِـنـا، فَـمـا كـانَ لِـشُـرَكـائِـهِـمْ فَـلا يَـصِـلُ إِلَـى اللَّهِ، وَمـا كـانَ لِلَّهِ فَـهُـوَ يَـصِـلُ إِلـى شُـرَكـائِـهِـمْ، سـاءَ مـا يَـحْـكُـمُـونَ } (سـورة الأنعـام، الآيـة: 136).

     *  كـان مـن أنـواع الـتـقـرب إلى الأصـنـام الـنـذر فـي الحـرث والأنـعـام، وقـد قـال الله تـعـالـى: {وَقـالُـوا هـذِهِ أَنْـعــامٌ وَحَـرْثٌ حِـجْــرٌ لا يَـطْـعَـمُـهــا إِلَّا مَـنْ نَـشـاءُ بِـزَعْـمِـهِـمْ، وَأَنْـعـامٌ حُـرِّمَـتْ ظُـهُـورُهـا، وَأَنْـعـامٌ لا يَـذْكُـرُونَ اسْـمَ اللَّهِ عَـلَـيْـهَـا افْـتِـراءً عَـلَـيْـهِ } (سورة الأنعام، الآيـة: 138). وكـانـت منـهـا الـبـحيـرة والسـائبـة والـوصيلـة والحـامـي.

     *  قـال سعيـد بـن المسيـب: (البحيـرة التـي يمنـع درهـا للـطـواغيـت، فـلا يحلبهـا أحـد مـن الـنـاس. والسـائبـة كـانـوا يـسـيبـونـهـا لآلهتهـم، فـلا يـحـمـل عليهـا شـىء. والـوصيلـة النـاقـة البكـر تبكـر فـي أول نتـاج الإبـل بأنثـى، ثـم تثنـى بعـد بـأنثـى، وكـانـوا يسيبـونهـا لطـواغيتهـم إن وصلـت إحـداهمـا بالأخـرى، ليـس بينهمـا ذكـر. والحـامـى فحـل الإبـل يضـرب الضـراب المعـدود (العشـر مـن الإبـل) فإذا قضـى ضـرابـه ودعـوه للطـواغيـت، وأعفـوه مـن الحمـل، فلـم يحمـل عليـه شـىء وسمـوه الحـامـي).

     وقـال ابـن إسـحـاق: (البحيـرة بـنـت السـائـبـة، هـي النـاقـة إذ تـابـعـت بيـن عشـر إنـاث ليـس بينهـم ذكـر سيبـت، فلـم يركـب ظهـرهـا، ولم يجـز وبـرهـا، ولـم يشـرب لبنهـا إلا ضيـف، فمـا نتجـت بعـد ذلك مـن أنثـى شقـت أذنهـا، ثـم خلـى سبيلهـا مـع أمـهـا، فلـم يـركـب ظهـرهـا، ولـم يجـز وبـرهـا، ولـم يشـرب لبنهـا إلا ضيـف، كمـا فعـل بـأمـهـا. فهـي البحيـرة بنـت السـائبـة. والـوصيلـة الشـاة إذا أثـأمـت عـشـر إنـاث مـتـتـابـعـات فـي خمسـة أبـطـن لـيـس بينهـن ذكـر جعلـت وصيلـة. قـالـوا قـد وصلـت، فكـان مـا ولـد بـعـد ذلك للذكـور منهـم دون إنـاثـهـم إلا أن يمـوت شـيء فـيـشـتـرك فـي أكـلـه ذكـورهـم وإنـاثـهـم. والحـامـي الـفـحـل إذا نـتـج لـه عشـر إنـاث متتـابعـات ليـس بينهـن ذكـر حـمـي ظـهـره، فـلـم يـركـب، ولـم يـجـز وبـره، وخـلـي فـي إبلـه يضـرب فيهـا، لا ينتفـع منـه بغيـر ذلك، وفـي ذلـك أنـزل الله تـعـالـى: {مـا جَـعَــلَ اللَّهُ مِـنْ بَـحِـيـرَةٍ وَلا سـائِـبَـةٍ، وَلا وَصِـيـلَـةٍ، وَلا حـامٍ، وَلـكِــنَّ الَّـذِيـنَ كَـفَـرُوا يَـفْـتَـرُونَ عَـلَـى اللَّهِ الْـكَـذِبَ، وَأَكْـثَـرُهُـمْ لا يَـعْـقِـلُــونَ } (سـورة المـائـدة، الآيـة: 103). وأنـزل الله: {وَقـالُــوا مـا فِـي بُـطُــونِ هـذِهِ الْأَنْـعـامِ خـالِـصَـةٌ لِـذُكُـورِنـا وَمُـحَـرَّمٌ عَـلـى أَزْواجِـنـا، وَإِنْ يَـكُـنْ مَـيْـتَـةً فَـهُـمْ فِـيـهِ شُـرَكـاءُ} (سـورة الأنعـام، الآيـة: 139)، وقيـل فـي تفسيـر هـذه الأنـعـام غيـر ذلـك).

     كـانـت العـرب تفعـل كـل ذلك بـأصـنـامهـم، معتقـديـن أنهـا تقـربهـم إلـى الله وتـوصلهـم إليـه، وتشفـع لـديـه كمـا فـي القـرآن: {مـا نَـعْـبُـدُهُـمْ إِلَّا لِـيُـقَـرِّبُـونـا إِلَـى اللَّهِ زُلْـفـى} (سـورة الـزمـر، الآيـة: 3)، {وَيَـعْـبُـدُونَ مِـنْ دُونِ اللَّهِ مـا لا يَـضُـرُّهُـمْ وَلا يَـنْـفَـعُـهُـمْ، وَيَـقُـولُـونَ هـؤُلاءِ شُـفَـعـاؤُنـا عِـنْـدَ اللَّهِ} (سـورة يـونـس، الآيـة: 81).

الأزلام :

     وكانت العرب تستقسم بالأزلام، والزلم هو القدح الذي لا ريش عليه، وكانت الأزلام ثلاثة أنواع:

النـوع الأول :

     بـه ثـلاثـة أسـهـم، أحـدهـا (نـعـم)، وثـانـيـهـا (لا)، وثـالـثـهـا (غُـفْـل)، كانـوا يـسـتـقـسـمـون بهـا فيمـا يـريـدون مـن الـعـمـل مـن نحـو السـفـر والنـكـاح وأمثـالهـا. فـإن خـرج (نعـم) عملـوا بـه وإن خـرج (لا) أخـروه عـامـه ذلك حتـى يأتـوه مـرة أخـرى، وإن طلـع (غفـل) أعـادوا الضـرب حتـى يخـرج واحـد مـن الأوليـن.

النـوع الثـانـي :

     فيـه الميـاه والعقـول والـديـات.

النوع الثالث :

     فـيـه (مـنـكـم) أو (مـن غيـركـم) أو (مـلـصـق)، فـكـانـوا إذا شـكـوا فـي نسـب أحـدهـم ذهـبـوا بـه إلـى هـبـل، وبمـائـة جـزور، فأعـطـوهـا صـاحـب القـداح. فـإن خـرج (منكـم) كـان منهـم وسيطـاً، وإن خـرج عليـه (مـن غيـركـم) كـان حليفـاً، وإن خـرج عليـه (ملصـق) كـان علـى منـزلتـه فيهـم، لا نسـب ولا حلـف.

     ويقـرب مـن هـذا الـمـيـسـر والـقـداح، وهـو ضـرب مـن ضـروب القـمـار، وكـانـوا يقتسمـون بـه لحـم الجـزور التـي كـانـوا يـتـقـامـرون عليهـا؛ وذلك أنـهـم كـانـوا يـشـتـرون الـجـزور نسيئـة فينحـرونـهـا ويقسمـونهـا ثمـانيـة وعشـريـن قسمـاً، أو عـشـرة أقـسـام، ثـم يـضـربـون عليهـا بالـقـداح، وفيهـا (الـرابـح) و(الـغـفـل)، فمـن خـرج لـه قـدح (الـرابـح) فـاز، وأخـذ نصيبـه مـن الجـزور، ومـن خـرج لـه (الغفـل) خـاب وغـرم ثمنهـا.

     وكـانـوا يـؤمنـون بأخـبـار الـكـهـنـة والـعـرافـيـن والمنجميـن؛ والـكـاهـن هـو مـن يتعـاطـى الأخبـار عـن الكـوائـن فـي المستقبـل، ويـدعـي مـعـرفـة الأسـرار، ومـن الكهنـة مـن يـزعـم أن لـه تـابـعـاً مـن الـجـن يـلـقـي عليـه الأخـبـار، ومنهـم مـن يدعـي إدراك الغيـب بفهـم أعطيـه، ومنهـم مـن يـدعـي معـرفـة الأمـور بمقـدمـات وأسبـاب يستـدل بهـا علـى مـواقعهـا مـن كـلام مـن يسـألـه أو فعلـه أو حـالـه، وهـذا الـقسـم يسـمـى عـرافـاً، كـمـن يـدعـي مـعـرفـة المسـروق ومكـان السـرقـة والضـالـة ونحـوهمـا. والمنجّـم مـن ينظـر فـي الـنـجـوم أي الكـواكـب، ويحـسـب سـيـرها ومـواقـيـتـهـا، ليعلـم بـهـا أحـوال العـالـم وحـوادثـه التـي تقـع فـي المستقبـل، والتـصـديـق بأخبـار المنجميـن هـو فـي الحقيقـة إيمـان بالنجـوم، وكـان مـن إيمـانهـم بالنجـوم الإيمـان بالأنـواء، فكـانـوا يقـولـون مطـرنـا بنـوء كـذا وكـذا.

     وكـانـت فيـهـم الـطّـيـرة (بكسـر ففتـح) وهـي الـتـشـاؤم بالـشـيء، وأصـلـه أنهـم كـانـوا يـأتـون الطيـر أو الظبـي فيـنـفـرونـه، فـإن أخـذ ذات اليميـن مـضـوا إلـى مـا قـصـدوا، وعـدوه حسنـاً، وإن أخـذ ذات الشمـال انتهـوا عـن ذلك وتـشـاءمـوا، وكـانـوا يتشـاءمـون كـذلـك إن عـرض الطير أو الحيـوان فـي طـريقهـم.

     ويقـرب مـن هـذا تعليقهـم كعـب الأرنـب، والتشـاؤم ببعـض الأيـام والشهـور والحيـوانـات والـدور والنسـاء، والإعتقـاد بالعـدوى والهـامـة، فكـانـوا يعتقـدون أن المقتـول لا يسكـن جـأشـه مـا لـم يـؤخـذ بثـأره، وتصيـر روحـه هـامـة أي بـومـة تطيـر فـي الفلـوات وتقـول: (صـدى صـدى أو أسقـونـي أسقـونـي)، فـإذا أخـذ بثـأره سكـن واستـراح.

     كـان أهـل الجـاهليـة علـى ذلك وفـيـهـم بقـايـا مـن ديـن إبـراهيـم ولـم يـتـركـوه كلـه، مثـل تعظيـم البيـت والـطـواف بـه، والحـج، والعمـرة، والـوقـوف بـعـرفـة، والمـزدلفـة وإهـداء البـدن، نعـم ابتـدعـوا فـي ذلك بـدعـاً منهـا أن قـريشـاً كـانـوا يـقـولـون: (نـحـن بنـو إبـراهيـم وأهـل الحـرم، وولاة البيـت وقـاطنـو مكـة، وليـس لأحـد مـن العـرب مثـل حقنـا ومنـزلتنـا)، وكـانـوا يـسـمـون أنفسهـم الحـمـس، (فـلا ينبغـي لـنـا أن نخـرج مـن الحـرم إلـى الحـل)، فـكـانـوا لا يـقـفـون بـعـرفـة، ولا يفيضـون منهـا وإنمـا كانـوا يفيضـون مـن المـزدلفـة وفيهـم أنزل: {ثُـمَّ أَفِـيـضُـوا مِـنْ حَـيْـثُ أَفـاضَ الـنَّـاسُ } (سـورة البقـرة، الآيـة: 199).

     ومنهـا أنهـم قـالـوا: (لا ينبغـي للحمـس أن يـأقِطـوا الأقِـط ولا يسـلأوا السمـن وهـم حـرم، ولا يـدخلـوا بيتـاً مـن شعـر، ولا يستظلـوا إن استظلـوا إلا فـي بيـوت الأدم مـا دامـوا حـرمـاً).

     ومـنـهـا أنـهـم قـالـوا: (لا ينبغـي لأهـل الحـل أن يـأكـلـوا مـن طـعـام جـاؤوا بـه مـن الحـل إلـى الحـرم إذا جـاؤوا حجـاجـاً أو عمـاراً).

     ومنهـا أنـهـم أمـروا أهـل الحـل ألا يطـوفـوا بالبيـت إذا قـدمـوا أول طـوافهـم إلا فـي ثيـاب الحمـس، وكـانـت الحمـس يحـتـسـبـون عـلـى النـاس، يعطـى الـرجـل الـرجـل الثيـاب يطـوف فيهـا، وتعطـى المـرأة المـرأة الثيـاب تطـوف فيهـا، فـإن لـم يجـدوا شيئـاً فكـان الـرجـال يطـوفـون عـراة، وكـانـت المـرأة تضـع ثيـابـهـا كلهـا إلا درعـاً مفـرجـاً ثـم تطـوف فيـه وتقـول:
                  اليـوم يبـدو بعضـه أو كلـه                  ومـا بـدا منـه فـلا أحلـه

     وأنـزل الله فـي ذلـك: {يـا بَـنِـي آدَمَ خُـذُوا زِيـنَـتَـكُـمْ عِـنْـدَ كُـلِّ مَـسْـجِـدٍ} (سـورة الأعـراف، الآيـة: 31)، فـإن تكـرم أحـد مـن الـرجـل والمـرأة فطـاف فـي ثيـابـه التـي جـاء بهـا مـن الحـل ألقـاها بعـد الطـواف، ولا ينتفـع بهـا هـؤلاء ولا أحـد غيـره.

     ومـنـهـا أنـهـم كـانـوا لا يـأتـون بـيـوتـهـم مـن أبـوابـهــا فـي حـال الإحـرام، بـل كـانــوا يـنـقـبـون فـي ظهـور الـبـيـوت نـقـبـاً يـدخلـون ويخـرجـون مـنـه، وكـانـوا يـحـسـبـون ذلك الجـفـاء بـراً، وقـد نـهـي عـنـه الـقـرآن الـكـريـم، قـال الله تعـالـى: {وَلَيْـسَ الْبِـرُّ بِـأَنْ تَـأْتُـوْاْ الْـبُـيُـوتَ مِـن ظُهُـورِهَـا وَلَـكِـنَّ الْـبِـرَّ مَـنِ اتَّـقَـى وَأْتُـواْ الْـبُـيُـوتَ مِـنْ أَبْـوَابِهَـا وَاتَّـقُـواْ اللّـهَ لَـعَـلَّـكُـمْ تُـفْـلِـحُـونَ} (سـورة البقـرة، الآيـة: 189).

     كـانـت ديـانـة الـشـرك وعـبـادة الأوثـان، والإعـتـقـاد بالـوهـميـات والخـرافيـات هـي ديـانـة معظـم العـرب، وقـد وجـدت اليهـوديـة، والمسيحيـة، والمجـوسيـة والصـابئيـة سبيـلاً للـدخـول فـي ربـوع العـرب.

اليهودية :

     لليهـود دوران علـى الأقـل مثلـوهمـا فـي جـزيـرة العـرب همـا:

الـدور الأول :

     هـجـرتـهـم فـي عـهـد الفتـوح البـابليـة والأشـوريـة فـي فلسطيـن، ونتيجـة للضغـط علـى اليهـود، وعـن تخـريـب بـلادهـم وتـدميـر هـيـكـلـهـم علـى يـد الملـك بختنصـر سنـة 587 ق.م، وسبـي أكثـرهـم إلـى بـابـل، فـإن قسمـاً منهـم هـجـر البـلاد الفلسطينيـة إلـى الحجـاز، وتـوطـن فـي ربـوعهـا الشمـاليـة.

الدور الثاني :

     يـبـدأ مـن احتـلال الـرومـان لفلسطيـن بقيـادة تيطـس الـرومـانـي سنـة 70 م، فقـد نـشـأ عـن ضغـط الـرومـان علـى اليهـود، وعـن تخـريـب الهيكـل وتـدميـره أن قبـائـل عـديـدة مـن اليهـود رحلـت إلـى الحجـاز، واستقـرت فـي يثـرب وخيـبـر وتـيـمـاء، وأنـشـأت فيهـا القـرى والآطـام والـقـلاع، وانتشـرت الـديـانـة الـيـهـوديـة بيـن قـسـم مـن العـرب عـن طـريـق هـؤلاء المهـاجـريـن، وأصبـح لهـا شـأن يـذكـر فـي الحـوادث السيـاسيـة التـي سبقـت ظـهـور الإسـلام، والتـي حدثـت فـي صـدره. وحينمـا جـاء الإسـلام كـانـت الـقـبـائـل اليـهـوديـة المـشـهـورة هـي خيبـر والنـضيـر والمصطلـق وقـريـظـة وقينقـاع، وذكـر الـسـمـهـودي فـي وفـاء الـوفـا (ص 116) أن عـدد الـقـبـائـل اليهـوديـة يـزيـد علـى عشـريـن.

     و دخـلـت اليـهـوديـة فـي الـيـمـن مـن قـبـل تُـبَّـان أسعـد أبـي كَـرَب ، فـإنـه ذهـب مقـاتـلاً إلـى يثـرب و اعتنـق هنـاك الـيـهـوديـة و جـاء بـحـبـريـن مـن بنـي قـريظـة إلـى اليمـن ، فـأخـذت اليهـوديـة إلـى التـوسـع و الإنتشـار فيهـا ، و لمـا ولـي اليمـن بـعـده ابـنـه يـوسـف ذو نـواس هـاجـم الأوس و الخـزرج فـي يـثـرب لـيـحـرر الـيـهـود مـن بـنـي النضيـر و قـريظـة مـن نيـرهـم . كمـا هجـم علـى المسيـحـييـن مـن أهـل نجـران و دعـاهـم إلـى اعـتـنـاق الـيـهـوديـة ، فلمـا أبـوا خـدّ لـهـم الأخـدود ، و أحـرقهـم بالنـار ، و لـم يفـرق بيـن الـرجـل و المـرأة والأطفـال الصـغـار و الـشـيـوخ الكـبـار ، و يقـال إن عـدد المقتـوليـن مـا بيـن عشـرين ألفـاً إلى أربعيـن ألفـاً ، وقـع ذلك فـي أكتـوبـر سنـة 523 م . و قـد ذكـرهـم الله تعـالـى فـي الـقـرآن الكـريـم إذ يـقــول : {قُـتِـلَ أَصْـحَـابُ الْأُخْـدُودِ * الـنَّـارِ ذَاتِ الْـوَقُـودِ * إِذْ هُــمْ عَـلَـيْـهَـا قُـعُـودٌ * وَ هُـمْ عَـلَـى مَـا يَـفْـعَـلُـونَ بِـالْـمُـؤْمِـنِـيــنَ شُـهُــودٌ } (سـورة الـبـروج ، الآيـات : 4-7) . و هـذا مـا جلـب عليـه نـقـمـة إمبـراطـور بيـزنطـة و نجـاشـي الحبشـة ، فكـان فـي ذلـك القضـاء علـى مملكتـه و أسـرتـه.

المسيحيـة :

     يقـال إن الـرسـول بـرثلمـاوس هـو الـذي حمـل الإنجـيـل إلـى بـلاد العـرب. وكـان أحـد ملـوك جـرهـم فـي بـدايـة الـقـرن الـثـانـي المـيـلادي، يـدعـى عـبـد المـسيـح بـل يقـال إنـه كـان فـي الكعبـة تمثـال للعـذراء تحمـل ابنهـا. وقـد أرسـل الإمبـراطـور المسيحـي قسطنـس (337 – 350 ق.م) الأسـقـف تـوفـيـلـس إلـى جـنـوبـي بـلاد الـعـرب لـكـي يـرفـع الإضـطـهـاد عـن المسيـحيـيـن هنـاك، وقـد نجحـت سفـارتـه، وبُنيـت كنـائـس فـي ظـفـار وعـدن وعـلـى سـواحـل الخـليـج الفـارسـي. وكـانـت معظـم القبـائـل اليمنيـة فـي ذلـك الـوقـت تعبـد الأصنـام، ولكننـا نجـد بعـد ذلـك أن ملـك الحبشـة يصـف نفسـه فـي النقـوش التـي وجـدت فـي أكسيـوم بـأنـه مـلـك الحـميـرييـن. ولا شـك فـي أن ذلـك كـان عـامـلاً فـي انتشـار المسيحيـة، فكـانـت هنـاك أسقفيـة مـركـزهـا نجـران التـي كـان يحكمهـا الحـارث بـن كعـب.

     وعلـى هـؤلاء المسيحييـن أثـار ذو نـواس فـي تعصبـه لليهـوديـة الإضـطـهـاد الشـديـد، فألقـى بكـل المـسيـحـييـن الـذيـن تمـسـكـوا بـإيمـانـهـم، فـي أخـدود يـشـتـعـل بالـنيـران، ووصلـت أخبـار هـذه الـوحشيـة إلـى الإمبـراطـور جيستنيـان الأول، إمـا عـن طـريـق بـعـض الـنـاجـيـن، أو عـن طـريـق مـلـك الـحـيـرة اللخـمـي. فطلـب جستنيـان إمـا مبـاشـرة، أو عـن طـريـق الإسكنـدريـة معـاونـة ملـك أكـسـيـوم (الـحـبـشـة)، وكـانـت النـتيـجـة أن غـزا ملـك الحبشـة اليمـن، وقضـى علـى الأسـرة الحميـريـة المـالكـة، وأصبحـت المسيحيـة هـي الـديـانـة السـائـدة فـي جـنـوبـي الجـزيـرة الـعـربـيـة. ثـم جـاء الـفـرس بـعـد ذلك، وطـردوا الأحـبـاش. وفـي أيـامـهـم سمحـوا بالحـريـة الـدينيـة للمسيحيـة واليهـوديـة والـوثنيـة. وظـل الحـال هـكـذا إلـى ظهـور الإسـلام.

     وقـد اعتنـق الـكـثـيـرون مـن مـلـوك الحـيـرة المسيحيـة رغـم خضـوعهـم للنفـوذ الفـارسـي الـزرادشـتـي، فـقـد اعتـزل النعـمـان الأول الـذي مـلـك فـي نهـايـة القـرن الـرابـع وبـدايـة القـرن الخـامـس العـالـم وتنسـك، ربمـا بتـأثيـر سمعـان العمـودي. ويبـدو أن المـلـك المـنـذر الـثـانـي فـي منتصـف الـقـرن السـادس تـأثـر بـعـض الـوقـت بالبـدعـة الأوطـاخيـة. كمـا اعتنـق النعمـان الخـامـس المسيحيـة. ولكـن كـان أكـثـر انتشـار وازدهـار للمسيحيـة بيـن العـرب، فـي أقـرب المنـاطـق إلـى الإمبـراطـوريـة البيـزنطيـة، وهـي مملكـة الـغـسـاسنـة، وإن كـان يـبـدو أن هـذا لـم يتحقـق تمـامـاً إلا بـعـد اهتـداء قسطنطيـن. وإلـى ذلك العهـد، تـرجـع الأديـرة المتعـددة التـي لا تـزال أطـلالـهـا شـاهـدة علـى ذلـك.

     كـمـا أن قبيلـة تغلـب الـقـويـة مـن القـبـائـل الإسمـاعيليـة، والتـي كـانـت تستـوطـن بـلاد النهـريـن اعتنقـت المسيحيـة. كمـا أن بعـض بطـون قبيلـة قضـاعـة (مـن القحطـانييـن) اعتنقـوا المسيحيـة، مثـل كلـب فـي الحـوف.

المجـوسيـة :

     أمـا المجـوسـيـة فـكـان مـعـظـمـهـا فـي العـرب الـذيـن كـانـوا بجـوار الفـرس، فكـانـت فـي عـراق العـرب وفـي البحـريـن (الأحـسـاء)، وهـجـر ومـا جـاورهـا مـن منطقـة سـواحـل الخليـج العـربـي، ودان لهـا رجـال مـن اليمـن فـي زمـن الإحـتـلال الفـارسـي.

الصـابئيـة و الحنفيـة :

     أمـا الصـابئيـة، وهـي ديـانـة تمتـاز بعبـادة الكـواكـب وبالإعتقـاد فـي أنـواء المنـازل وتـأثـيـر النجـوم وأنهـا هـي المـدبـرة للكـون، فقـد دلـت الحفـريـات والتنقيبـات فـي بـلاد العـراق وغيـرها أنهـا كـانـت ديـانـة قـوم إبـراهيـم الكلـدانييـن، وقـد دان بهـا كـثـيـر مـن أهـل الـشـام، وأهـل الـيـمـن فـي غـابـر الـزمـان، وبـعـد تـتـابـع الـديـانـات الـجـديـدة مـن الـيـهـوديـة والنصـرانيـة تضعضـع بـنيـان الـصـابئيـة وخمـد نشـاطهـا، ولكـن لـم يـزل فـي النـاس بقـايـا مـن أهـل هـذه الـديـانـة مختلطيـن مـع المجـوس، أو مجـاوريـن لـهـم، فـي عـراق العـرب، وعلـى شـواطـئ الخليـج العـربـى.

     أمـا الأحنـاف فهـم المفكـرون الـذيـن اعتـزلـوا عبـادة الأصنـام وآمنـوا بالإلـه الـواحـد، وأخـذوا يبحثـون عـن الحـق فـي العقـائـد المختلفـة.

     وقـد وجـد شـيء مـن الـزنـدقـة فـي بـعـض الـعـرب، وكـانـت وصلـت إليهـم عـن طـريـق الحيـرة، كمـا وجـدت فـي بـعـض قـريـش لاحتكـاكهـم بالفـرس عـن طـريـق التجـارة.

خـلاصـة :

     كـانـت هـذه الـديـانــات هـي ديـانــات الـعــرب حـيـن جـاء الإســلام، وقـد أصـاب هـذه الـديـانـات الإنـحـلال والبـوار، فالمـشـركـون الـذيـن كـانـوا يـدعـون أنـهـم علـى ديـن إبـراهيـم كـانـوا بعيـديـن عـن أوامـر ونـواهـي شـريعـة إبـراهيـم، مهمليـن مـا أتـت بـه مـن مكـارم الأخـلاق. فكثـرت معـاصيهـم، ونشـأ فيهـم علـى تـوالـي الـزمـان مـا ينشـأ فـي الـوثنييـن مـن عـادات وتقاليـد تجـري مجـرى الخـرافـات الـدينيـة، وأثـرت فـي الحيـاة الإجتمـاعيـة والسيـاسيـة والـدينيـة تـأثيـراً بـالغـاً جـداً.

     أمـا الـيـهـوديـة فـقـد انقـلـبـت ريـاءً وتحكمـاً، وصـار رؤسـاؤهـا أربـابـاً مـن دون الله، يتحكمـون فـي الـنـاس ويحـاسبـونهـم حتـى علـى خطـرات النفـس وهمسـات الشفـاه، وجعلـوا همهـم الحظـوة بالمـال والـريـاسـة، وإن ضـاع الـديـن وانتشـر الإلحـاد والكفـر والتهـاون بالتعـاليـم التـي حـض الله عليهـا وأمـر كـل فـرد بتقـديسهـا.

     وأمـا النصـرانيـة فقـد عـادت وثنيـة عسـرة الفهـم، وأوجـدت خلطـاً عجيبـاً بيـن الله والإنسـان، ولـم يكـن لهـا فـي نفـوس العـرب المتـدينيـن بـهـذا الـديـن تـأثيـر حقيقـي، لبعـد تعـاليمهـا عـن طـراز المعيشـة التـي ألفـوهـا، ولـم يكـونـوا يستطيعـون الإبتعـاد عـنـهـا.

     وأمـا سـائـر أديـان الـعـرب فـكـانـت أحـوال أهـلـهـا كأحـوال الـمـشـركـيـن، فـقـد تشـابـهـت قـلـوبـهـم، وتـواردت عـقـائـدهـم، وتـوافـقـت تـقـالـيـدهـم وعـوائـدهـم.

 

                                                       

عن المدير