المصنفات التي كتبت في المغازي النبوية

مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة و
تأريخها

كتابة السيرة الشاملة و المستقلة و تطورها
التصنيف المستقل لجوانب السيرة و مفرداتها
المصنفات التي كتبت في المغازي النبوية

الفصل الثاني : كتابة السيرة
الشاملة و المستقلة و تطورها :

المبحث الرابع : التصنيف المستقل
لجوانب السيرة و مفرداتها :

المطلب الخامس : المصنفات التي
كتبت في المغازي النبوية :

     كـان هـذا المنحـى فـي التصنيـف مبكـراً جـداً فـي تـاريـخ
الإسـلام ، إذ بيـنـا فـي الأوراق الأولـى مـن هـذه الـدراسـة
سـبـب التبكيـر فـي التصنيـف فـيـه و بـيـنـا أسبقيتـه فـي
الكتـابـة قبـل أن تكتـب أي سيـرة شـاملـة للـرسـول صلـى الله
عليـه و سلّـم ، و كـان وراء هـذه الأسبقيـة عـامـل أسـاس تـمـثـل
بـبـقـاء فكـرة أيـام العـرب فـي الجـاهليـة عـالقـة فـي أذهـان
النـاس بعـد الإسـلام مـدة طـويلـة امتـدت حتـى القـرون الأولـى
منـه (بحث في نشأة علم التأريخ عند العرب لعبد
العزيز الدوري)
.

     كـانـت أسـمـاء المصنفـات الـتـي كـتـبـت عـن سـيـرة الـرسـول
صلـى الله عليـه و سلّـم قـد اشتـركت فـي مسميـاتهـا مـع المصنفـات
التـي اختصـت بعـرض أعمـال الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم
العسكـريـة ، و ذلك لارتبـاط معنـى كـل مـن لفظتـي السيـرة و
المغـازي ، و هـذا مـا جـعـل عمليـة فـرز المصنفـات الـتـي عـرضـت
سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم أو مغـازيـه و التـي ذكـرت
فهـارس الكتـب أسمـاءهـا تحـت اسـم (كتـب المغـازي) عـمـلـيـة
صـعـبـة لفقـدان معظـم هـذه المصنفـات التـي لـم نعـرف محـاور
الـروايـات التـي وردت فيهـا باستثنـاء مصنـف واحـد وصـل إلـيـنـا
كـامـلاً و هـو كـتـاب (المغـازي) لمحمـد بـن عـمـر الـواقـدي (ت
207 هـ) ، الـذي مـن حـسـن الـحـظ أن بـقـي كتـابـه هـذا إلـى الآن
بـرغـم قـدمـه .

     شـكـل هـذا الكتـاب إحـدى الـدعـامتات المهمـة التـي استنـدت
عليهـا معظـم المصنفـات عنـد عـرضهـا لسيـرة الـرسـول صـلـى الله
عليـه و سلّـم و أحـوالـه و أعمـالـه العسكـريـة بخـاصـة ، و ذلك
لأمـور عـدة أسـهـمـت إسهـامـاً فعـالاً فـي نيـل هـذا الكتـاب تلك
المـرتبـة السـاميـة ضمـن مصنفـات السيـرة ، و هـذه الأمـور هـي :

     1 . المشـاهـدة و المعـاينـة للمـواقـع التـي جـرت فيهـا
الحـوادث المتعلقـة بمغـازي الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم و
تـوابـعـهـا ، و هـذه الخـاصيـة قـد بينهـا الـواقـدي بقـولـه :
(متا أدركـت رجـلاً مـن أبنـاء الصحـابـة و أبنـاء الشهـداء و لا
مـولـى لهـم إلا و سـألـتـه ، هـل سمعـت أحـداً مـن أهـلـك يخبـرك
عـن مشهـده و أيـن قـتـل ؟ فـإذا أعلمنـي مضيـت إلـى المـوضـع
فـأعـاينـه … و مـا عملـت غـراة إلا مضيـت إلـى المـوضـع حتـى
أعـاينـه) (تاريخ بغداد لأحمد بن علي الخطيب
البغدادي)
.

     أكـد تـصـرف الـواقـدي هـذا مـشـاهـدة أحـد الـنـاس لـه بمكـة
و هـو واضـع ركـوتـه الـتـي يحفـظ فيهـا المـاء علـى ظـهـره ،
فـسـألـه هـذا الشخـص عـن الـوجـهـة التـي يقصـد إليهـا فقـال لـه
الـواقـدي : (أريـد أن أمضـي إلـى حنيـن حتـى أرى المـوقـع و
الـوقعـة)
(تاريخ بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي)
.

     كـان لـهـذه الـسـمـة الـتـي اتـصـف بـهـا الـواقـدي أثـر
ملـمـوس فـي جعلـه مـوضـع ثـقـة معـاصـريـه فـي استمكـان
الـمـواضـع الـتـي حـصـلـت فيـهـا حـوادث السيـرة بـعـامـة و
المغـازي بخـاصـة ، إذ يـروي لنـا ابـن سعـد روايـة عـن شيخـه
الـواقـدي يبيـن فيهـا مـكـانـتـه مـن بـيـن مـعـاصـريـه مـن
معـرفـة هـذه الأمـور ، و هـذه الـروايـة مفـادهـا : (حـج أميـر
المـؤمنيـن هـارون الـرشيـد فـورد المـدينـة فـقـال ليحيـى بـن
خـالـد البـرمـكـي ، ارتـاد لـي رجـلاً عـارفـاً بالمـدينـة و
المشـاهـد و كيـف كـان نـزول جبـريـل عليـه السـلام علـى النبـي
صلـى الله عـلـيـه و سـلـم و مـن أي وجـه كـان يأتيـه و قبـور
الشهـداء ، فـسـأل يحيـى بـن خـالـد فكـل مـن سـألـه دلـه عليـه ،
فبعـث إلـي فأتيتـه و ذلك بـعـد الـعـصـر فـقـال لـي يـا شـيـخ أن
أمـيـر المـؤمنيـن أعـزه الله يـريـد أن تصلـي عـشـاء الآخـرة فـي
المسجـد و تمضـي معنـا إلـى هـذه المشـاهـد فـتـوقـفـنـا عليهـا و
الـمـوضـع الـذي يـأتـي جبـريـل عليـه السـلام … فأتيـت بـه إلـى
دور المسجـد فقلـت لـه هـذا المـوضـع الـذي كـان جبـريـل يـأتـيـه
فيـه … فلـم أدع مـوضعـاً مـن المـواضـع و لا مشهـداً مـن
المشـاهـد إلا مـررت بهمـا عليـه … فلـم نـزل كذلك حتـى وافينـا
المسجـد و قـد طلـع الفجـر) (الطيقات الكبرى
لمحمد ابن سعد)
.

     أعـطـت هـذه الـسـمـة الـتـي اتـصـف بـهـا الـواقـدي فـي عـرض
الـحـوادث بمشـاهـدتـه لأمـاكـن وقـوعـهـا حـالـة مـن الـواقـعـيـة
و الـصـدق و الإبـتـعـاد عـن المـبـالغـات و الضـبـابيـة فـي وصـف
الحـوادث ، و ذلك بتسليـط الضـوء علـى الـدور الـذي لعبـه المـوقـع
الـجـغـرافـي و اتـخـاذ الخطـط الحـربيـة المنـاسبـة لـه ، و لـم
يقتصـر علـى هـذا الأمـر حسـب بـل أخـذ يعـرض أيضـاً المسـارات
التـي تسلكهـا بعـض الغـزوات فـي خـروجهـا مـن المـدينـة إلـى
أمـاكـن حـدوث وقـائعهـا مـع ذكـر منـاطـق التـوقـف و المـواقـع
التـي يمـرون بهـا .

     نـالـت هـذه الـمـيـزة التـي اتـصـف بهـا الـواقـدي إعجـاب
محقـق كتـابـه ، إذ وصـف هـذه الميـزة بالقـول : (إنهـا بـحـق
الـمـرحلـة الأولـى فـي الأدب الـجـغـرافـي الـعـربـي إن لـم تـكـن
اللبنـات و الأسـس الـتـي بنـى عليهـا كـل مـن جـاء بعـده مثـل
ابـن سعـد و البـلاذري و مـن تـلاهمـا فـي التـأليـف لكتـب الفتـوح
و البلـدان) (مقدمة التحقيق لكتاب المغازي
لمارسدن جونس)
.

     2 . الـمـفـاضـلـة بـيـن الـروايـات و إبـداء الآراء فيهـا .
و ذلك باستعمـال عبـارات يستشـف منهـا حكمـه علـى هـذه الـروايـات
مثـل : (الـقـول الأول أثـبـت عـنـدنـا) ، أو : (و هـذا الـثـبـت
عـنـدنـا) ، و غـيـر ذلك مـن الـعـبـارات الـتـي يـسـتـشـف منهـا
هـذا المنحـى .

     فـضـلاً عـن استعمـال هـذه الـعـبـارات فـي هـذا الـكـتـاب ،
قـام الـواقـدي باتبـاع منـاح أخـرى فيـه و ذلك بإعطـاء حـكـمـه
عـلـى بـعـض الـروايـات التـي تصـف حـادثـة واحـدة بتكـراره
الـروايـة التـي يعتقـد هـو بصحتهـا ، أو الخـروج بمحصلـة نهـائيـة
للحـادثـة بـعـد عـرض روايـاتـهـا ، و لـم يـخـف الـواقـدي تـردده
فـي حـكـمـه علـى بعـض الحـوادث الـتـي تضـاربت فيهـا الآراء ، إذ
عـبـر عـن ذلك بعبـارة : (يقـال أو ليـس بجمـع عليهـا) ، أو يـذكـر
الـروايـات مـن دون تعليـق عليهـا .

     3 . الأسلـوب المستعمـل فـي عـرض حـوادث الكتـاب ، إذ أورد
الـواقـدي مصـادره التـي اعتمـد عليهـا فـي كتـابـه هـذا سواء
أكـانـت مصـادر مكتـوبـة أم مسمـوعـة مـع عـرض سـريـع للمغـازي و
السـرايـا و تـواريـخ حـدوثهـا ، و ذلك فـي بـداية كتـابـه ،
ليكـون مـدخـلاً لـه و عـرضـاً سـريعـاً لمحتـويـاتـه .

     انعكـس هـذا الأمـر أيضـاً علـى بعـض الغـزوات التـي عـرضهـا
فـي كتـابـه ، إذ ذكـر مصـادره فـي بـدايـة حـديثـه عـن كـل غـزوة
مـن هـذه الغـزوات .

     نـال هـذا الأمـر إعـجـاب الـعـديـد مـن الـبـاحـثـيـن
الـذيـن اطـلـعـوا علـى كـتـاب الـواقـدي ، إذ وصفـه أحـدهـم
بالقـول : (و يـبـدو واضـحـاً للـقـارئ الـحـديـث إن مـن أهـم
الـسـمـات الـتـي تجعـل الـواقـدي فـي منـزلـة خـاصـة بيـن أصحـاب
السيـر و المغـازي تطبيقـه المـنـهـج التـاريخـي العلمـي الفنـي ،
فـإننـا نـلاحظ عنـد الـواقـدي أكثـر ممـا نـلاحـظ عنـد غيـره مـن
المـؤرخيـن المتقـدميـن أنـه كـان يـرتـب الـتـفـاصيـل المختلفـة
للـحـوادث بطـريقـة منطقيـة لا تتغيـر ، فهـو … يبـدأ مغـازيـه
بـذكـر قـائمـة طـويلـة مـن الـرجـال الـذيـن نقـل عنهـم تلك
الأخـبـار ، ثـم يـذكـر المغـازي واحـدة واحـدة مـع تـاريـخ محـدد
للغـزوة بـدقـة … ثـم يـذكـر المغـازي التـي غـزاها الـرسـول
صلـى الله عليـه و سلّـم بنفسـه … و من اليسيـر أن نستـدل علـى
فطنـة الـواقـدي و إدراكـه كمـؤرخ مـن المنهـج المـوحـد الـذي
يستعملـه)
(مقدمة التحقيق لكتاب المغازي لمارسدن جونس)
، و يضيـف آخـر
واصفـاً أسلـوبـه هـذا بالقـول إنـه كـان : (أكثـر ارتبـاطـاً
بـأسـاليـب مـدرسـة المـدينـة … و نهجـه فـي العـرض منظـم منطقـي
يـذكـر مـصـادره الأسـاسيـة و هـي 25 إسمـاً و تـواريـخ المغـازي)
(التأريخ العربي و المؤرخون لمصطفى شاكر)
.

     تبيـن لنـا هـذه الآراء التـي وصفـت أسلـوب الـواقـدي هـذا
حجـم الجهـد الـذي بـذلـه فـي كتـابتـه لمصنفـه و مقـدار
الـنـقـلـة الـنـوعيـة التـي أوجـدها لكتـابـة السيـرة النبـويـة
بعـامـة ، إذ انتهـج هـذا الأسلـوب و المنحـى مـؤرخـون عـديـدون
كتبـوا فـي سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم و أحـوالـه
(الإستيعاب في معرفة الأصحاب ليوسف ابن عبد البر)
.

     4 . الإهتمـام فـي إيراد المعجـزات التـي ظهـرت مـن رسـول
الله صلـى الله عليـه و سلّـم فـي المغـازي ، إذ وجـدنـاه يتتبـع
أخـبـارهـا و يحـدد أمـاكـن و أوقـات حـدوثهـا ، فمنهـا مـا ذكـره
عـن معجـزة نبـع المـاء مـن بيـن أصـابعـه عنـدمـا وضعهـا فـي
ركـوة ليـس فيهـا إلا القليـل مـن المـاء بعـد مـا اشتـد العطـش
بالمسلميـن عنـد رجـوعهـم مـن غـزوة تبـوك .

     كـان عـمـل الـواقـدي هـذا أحـد الأسـس و الـثـوابـت التـي
اتكـأت عليهـا المصنفـات التـي اختصـت بجمـع دلائـل نبـوة الـرسـول
محمد صـلـى الله عـلـيـه و سـلّـم و معجـزاتـه ، إذ نـجـد أبـا
نـعـيـم الأصفهـانـي (ت 430 هـ) كثيـراً مـا كـان ينقـل نـصـوصاً
مـنـه فـي كتـابـه
(دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني) ، و
اعتمـد عليـه أيضـاً البيهقـي عنـد إحصـائـه معجـزات الـرسـول صلـى
الله عليـه و سلّـم و دلائـل نبـوتـه (دلائل
النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة لأحمد بن الحسين البيهقي)

.

     مـع كـل هـذه الأمـور التـي أوجـدهـا الـواقـدي لكتـابـة
السيـرة فـإنهـا لـم تـكـن شـافعـة لـه بالحصـول علـى ثقـة علمـاء
عصـره فـي مـا يـرويـه مـن حـوادث و لا سيمـا مـن قبـل المحـدثيـن
فقـد نعتـوه بـأنـه كـان كـذابـاً و يفتعـل الأحـاديـث و يضعهـا ،
و وصفـوه أيضـاً بـأنـه كـان يحـدث بالمنـاكيـر و يضـع الأسانيـد
… الخ مـن الأحكـام التجـريحيـة التـي وسـم بهـا الـواقـدي
(تاريخ بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي)
، و لكـن مـع
هـذه الـصـفـات القـاسيـة التـي وصـف بهـا الـواقـدي فقـد وجـد مـن
يـوثـق الـواقـدي و يـرفعـه إلـى مـرتـبـة أمـيـر المـؤمنيـن فـي
الحـديـث فضـلاً عـن نعـوت أخـرى تعـارض الكـلام السـابـق الـذي
جـرح فيـه (تاريخ بغداد لأحمد بن علي الخطيب
البغدادي)
.

     عـلل ابـن سيـد النـاس (ت 734 هـ) هـذا التنـاقـض بالأحكـام
الصـادرة علـى شخـص الـواقـدي مـن قبـل علمـاء الجـرح و
الـتـعـديـل بالقـول : (إن سعـة العلـم مظنـة لكثـرة الأغـراب و
كثـرة الأحـزاب ، مظنـة للتهمـة ، و الـواقـدي غيـر مـدفـوع عـن
سعـة العلـم فكثـرت بـذلك غـرائـبـه … و قـد روينـا عنـه مـن
تتبعـه آثـار المـواقـع و سـؤالـه فـي أبنـاء الصحـابـة و الشهـداء
و مـواليهـم عـن أحـوال سلفهـم مـا يقتضـي انـفـراداً بـروايـات و
أخـبـار لا تـدخـل تـحـت الحصـر و كثيـراً مـا يطعـن فـي الـراوي
بـروايـة وقعـت لـه مـن أنكـر تلك الـروايـة عليـه و استغـربهـا
منـه ثـم يظهـر لـه أو لغيـره بمتـابعـة متـابـع أو سبـب مـن
الأسبـاب مـن مقتضـى الطعـن فيتخلـص بذلك مـن العهـدة)
(عيون الأثر في فنون المغازي و الشمائل و السير لمحمد ابن سيد
الناس)
.

     تبقـى لنـا مـلاحظـة تجـب الإشـارة إليهـا وهـي معـرفـة مـدى
المـوضـوعيـة و الأمـانـة فـي نقـل وقـائـع الأحـداث مـن دون
مـجـاملـة أو حـذف ، إذ قـطـع أحـد الـبـاحثـيـن بـأن الـواقـدي
كـان أمينـاً فـي عـرضـه لحـوادث المغـازي (منهج
الواقدي في كتابة المغازي لمحمد فضيل الكبيسي)
، و لـكـن
بـاحـثـاً آخـر لـم يكـن رأيـه مشـابهـاً لهـذا الـرأي بـل وصـف
الـواقـدي بالقـول : (قلنـا إن مـنـهـج الـواقـدي متكـامـل فـي
التـأريـخ و الحـوادث بصـورة أكمـل مـن سـابقيـه ، و لكـن يجـب
علينـا تحـريـاً للإنصـاف أن نتقبلـه بحـذر فـي ذكـر تـأريـخ بعـض
الحـوادث) (مقدمة التحقيق لكتاب المغازي لمارسدن
جونس)
، و لـكـن هـذا الـبـاحـث يـسـتـدرك علـى رأيـه هـذا
فـيـقـول : (و علـى الـرغـم مـن هـذه الإخـتـلافـات فـي التـواريـخ
فإننـا نجـدهـا أدق و أثبـت بعـامـة فـي نظـامهـا مـن التـواريـخ
الممـاثلـة فـي كـتـب الـسـيـرة الأخـرى هـذا فـضـلاً عـمـا
أنـفـرد بـه الـواقـدي حيـن يعـرض فـي مغـازيـه الأخبـار الكثيـرة
التـي لا نجـدهـا عنـد غيـره … و علـى الـرغـم مـمـا ذكـرت مـن
آراء نقـديـة مثـل الإختـلاف فـي الـواقـع فـي بعـض تـواريـخ
الحـوادث فـلا بـد مـن الإعتـراف بـأن مغـازي الـواقـدي أكمـل و
أتـم مـصـدراً مـحـايـد دون تـعـصـب لـتـأريـخ حـيـاة الـنـبـي فـي
الـمـديـنـة) (مقـدمة التحقيق لكتاب المغـازي
لمارسـدن جـونس)
.

     هـذه هـي الآراء التـي وصـف بهـا الـواقـدي و أسلـوبـه و
طـريقـة عـرضـه للحـوادث و مـا أكسبتـه هـذه الطـريقـة مـن
تـجـديـد و تطـور فـي أسـاليـب كتـابـة السيـرة النبـويـة حتـى
أصبـح هـذا الكتـاب أحـد المصنفـات المهمـة التـي لا يستغنـي عنهـا
كـل شخـص يـريـد أن يتعـرف علـى حـوادث عصـر الـرسـالـة بعـامـة و
أعمـال الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم بخـاصـة .

     وصـل إلـيـنـا كـتـاب آخـر تـنـاول مغـازي الـرسـول صلـى الله
عليـه و سلّـم ، صنفـه أبـو الـربيـع سليمـان بـن مـوسـى
الـكـلاعـي (ت 643 هـ) ، و أسـمـاه (الإكتفـا فـي مغـازي الـرسـول
و الثـلاثـة الخلفـا) (كشف الظنون عن أسامي
الفنون لحاجي خليفة)
.

     كـان فـي النيـة جعـل هـذا الكتـاب مـن ضمـن كتـب السيـرة
المستقلـة التـي تنـاولنـاهـا فـي الفصـول السـابقـة ، و ذلك لـمـا
عـاهـد الـكـلاعـي نفسـه فـي مـقـدمـة هـذا الكتـاب علـى تصنيفـه
كتـابـاً يحـوي ذكـراً لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم و
مـواقفـه و أحـوالـه و أعـمـالـه العسكـريـة التـي يقـول فيهـا :
(هـذا كتـاب ذهبـت فيـه إلـى إيقـاع الإقنـاع و إمتـاع النفـوس و
الأسمـاع باتسـاق الخبـر عـن رسـول الله صلـى الله عليـه و سلـم و
ذكـر نسبـه و مـولـده و مبعثـه و كثيـراً مـن خصـائصـه و أعـلام
نبـوتـه و مغـازيـه و أيـامـه مـن لـدن مـولـده إلـى أن اسـتـأثـر
الله بـه روحـه الـطـيـبـة إلـيـه) ، و لكـن الـذي حـصـل أنـه لـم
يقـم بمـا اشتـرط بـه علـى نفسـه مـن ذكـر الأمـور التـي ذكـر
أيـامـه بـعـرضهـا فـي كـتـابـه هـذا ، إذ بمجـرد الـوصـول إلـى
حـادثـة الهجـرة و الـحـوادث التـي رافقتهـا ، انعطـف جـانبـاً عـن
ذكـر أحـوالـه الخـاصـة التـي عـرضهـا قـبـل الهجـرة ، ليقتصـر فـي
حـديـثـه علـى ذكـر إجـراءات الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم
عنـد دخـولـه المـدينـة فقـط ، ثـم بعـد ذلك أخـذ بسـرد أعمـال
الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم العسكـريـة إلـى أن انتقـل إلـى
الـرفيـق الأعلـى .

     هـذه هـي الأسـبـاب التـي دفعتنـا إلـى جعـل هـذا الكتـاب
منحصـراً ضمـن الكتـب التـي عـرضـت مغـازي الـرسـول صلـى الله
عليـه و سلّـم و سـرايـاه .

     نهـج الكـلاعـي فـي كتـابـه هـذا منهجـاً مغـايـراً لمـا
ألفتـه المصـادر التـي سبقتـه عنـد عـرضهـا حـوادث السيـرة ،
فـإنـه لـم يكن مقلـداً لهـا بـل كـان صـاحـب نهـج مستقـل تمثـل
بمحـاور عـدة هـي :

     1 . استعمـال المحسنـات الـبـديعيـة فـي كـتـابـة فقـرات
مختلفـة مـن كتـابـه ، فمـن هـذه الفقـرات ذكـره لحـادثـة مـولـد
الـرسـول صلـى الله عليـه و سـلّـم إذ يقـول فيهـا : (فـولـد عبـد
الله بـن عبـد المطلـب محمد رسـول الله صلـى الله عليـه و سلـم ،
خـاتـم النبييـن و سيـد الـمـرسليـن ، و نـخـبـة الـخـلـق أجمعيـن
، فنسبـه أشـرف الأنـسـاب و سببـه إلـى الله سـبـحـانـه و
اصطفـائـه و اختيـاره لـه أفضـل الأسبـاب ، و بيتـه مـن قـريـش
أواسـط بـيـوتهـا الـحـرميـة و أعـرق مـعـادنـهـا الكـرميـة ، …
لـؤاهـم علـى مـن نـاوأهـم منصـور و سـؤدد البطحـاء عليهـم مقصـور
و العيـون إليهـم آيـة سلكـوا صـور) .

     وصـف مـحـقـق كـتـاب الـكـلاعـي هـذا الأسـلـوب بالـقـول إنـه
كـان : (يـلـتـزم شـارات عصـره مـن السجـع و الجنـاس و الـطـبـاق و
غيـر ذلك مـن المحسنـات ، فلـذلك كـان الأسـلـوب المـرضـي فـي ذلك
الحيـن ، و لكنـه كـان يتميـز بحـاسـة مـرهفـة فـي اختيـار
الكلمـات الـرقـيـقـة و حـسـن الـمـلائـمـة بينهـا فـي الأسـلـوب و
ذلك هـو مـجـال التفـاضـل بيـن الكتـاب … و تحسـف روح كـاتـب
يطـاوعـه الأسلـوب و تحضـره الكلمـات المعبـرة ، و مـع الـتـزامـه
بالسجـع فـلا تـجـد فيـه عبـارة مستكـرهـة و لا لفظـة مجتلبـة فـي
غيـر مـوضعهـا مـع عـاطفـة بـاديـة و شعـور نـابـض) .

     2 . طـغـيـان الجـانـب العـاطفـي فـي كتـابـة هـذا المصنـف
علـى الجـانـب العلمـي الـذي انعـدم فيـه و تضـاءل ، إذ لـم نـجـد
فـيـه نـقـداً لـروايـة أو نـص أو تعليـق علـى حـادثـة مـا بـل
كـان مجـرد مصنـف جمعـت فيـه بعـض الأخبـار التـي تصـف الأعمـال
العسكـريـة للـرسـول صلـى الله عـلـيـه و سلّـم و مجـاهـدتـه
الكفـار ، و هـذا مـا بينتـه عبـارتـه التـي مفـادهـا : (هـذا
كتـاب ذهبـت فيـه إلـى إيقـاع الإقنـاع و إمـتـاع النـفـوس و
الأسمـاع باتسـاق الخبـر عـن سيـرة رسـول الله صلـى الله عليـه و
سلـم ، و ذكـر نسبـه و مـولـده … إلـى أن استـأثـر الله بـه و
قبـض روحـه الطيبـة … و كـل ذلك يـشـهـد الله أن الـمـراد فـيـه
بالـقـصـد الأول وجـهـه الـكـريـم و إحـسـانـه العميـم و رحمتـه
الـتـي شـق لنفسـه منهـا الـرحـمـة ، ثـم الـقـصـد الـثـانـي ،
متـوفـر علـى إيثـار الـرغبـة فـي إينـاس النـاس بأخبـار نبيهـم
صلـى الله عليـه و سلـم هـو عمـارة خـواطـرهـم بمـا يكـون لهـم فـي
العـاجـل و الأجـل أنفـع و أسلـم … فإنـه لا يخلـو الحـاضـرون
لهـذا الكتـاب مـن أن يسمعـوا مـا صنـع الله لـرسـولـه فـي أعـداء
تـنـزيـلـه فيستجـزلـوا ثـواب الـفـرح بنصـر الله أو يستمعـوا مـا
أمتحنـه الله بـه مـن المحـن التـي لا يطيـق احتمـالهـا إلا نفـوس
أنبيـاء الله بتـأييـد الله فيعتبـر بعظيـم مـا لـقـيـه مـن
شـدائـد الخطـوب و يصطبـروا لـعـوارض الكـروب تـأدبـاً لأدبـه و
جـريـاً فـي الصبـر علـى مـا يصيبـه و الإحتسـاب لمـا يـنـوبهـم
علتى طـريقـة صبـره و احتسـابـه ، و تلك غـايـات لـم نبلـغ عفـوهـا
بجهـدنـا ، و لـن أدانيهـا بنهـايـة ركضهـا و شـدنـا و إنمـا
علينـا بـذل الجهـد فـي قصـد الإهتـداء ، و علـى الله سبحـانـه و
تعـالـى المعـونـة فـي الغـايـة و الإبتـداء) ، و يضيـف الكـلاعـي
فـي مكـان آخـر مـن كتـابـه هـذا عـنـد حـديثـه عـن أجـداد
الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم و أحـوالـه و الـروايـات التـي
ذكـرت مشـاركتهـم فـي حـوادث عصـرهـم قـائـلاً : (و كـل هـذه
الأخبـار و إن انقطعـت بعـض مـا كنـا بسبيلـه مـن أمـر بنـي قصـي
فـلا أيضـاً مـن الإفـادة بنحـو مـا قصـدنـا و حسـن الإستمـاع
بالشـأن المنـاسـب لـمـا اعـتـمـدنـاه مـا يـحـسـن اعتـراضهـا و
ينضـم فـي سلك واحـد مـع مـا مـر فـي ذلك أو يـأتـي فـي أغـراضهـا
، و علينـا معـونـة الله تعـالـى فـي تجـديـد التـرتيـب كلـه … و
رد هـذه الأحـاديـث المتفـرقـة فـي حكـم الحـديـث المتصـل فنطيـل و
لا نمـل و نقصـر فـلا نقـل فلـذلك ببـركـة المختـار الـذي يهمنـا
تخليـد أوليـة و تيمـن لخـدمـة آثـاره و سيـرتـه صلـى الله عليـه و
سلـم) .

     كـان وراء انـتـهـاجـه لـهـذا المسلك عـامـل جـوهـري تمثـل
بالظـروف التـي تعيشهـا الأنـدلـس فـي عصـره مـن الحـروب
الـمـسـتـمـرة و المستعـرة بـيـن المسلميـن و الـفـرنـجـة ، فـكـان
هـذا الكتـاب أحـد الـوسـائـل التـي أراد بهـا الكـلاعـي بـث
الحمـاس فـي صفـوف المسلميـن فـي تلك الـبـقـعـة مـن أرض الإسـلام
و ذلك بـعـرضـه للـمـواقـف الـتـي بـدرت مـن الـرسـول صـلـى الله
عليـه و سـلّـم و صحـابتـه الكـرام فـي الـدفـاع عـن الإسـلام
بالـروح و الـجـسـد و الـمـال و الأولاد ، و لـم يقتصـر الكـلاعـي
علـى ذلك بـل كـان هـو نفسـه فـي طليعـة المجـاهـديـن الـذيـن
حـاربـوا الـفـرنـجـة و سـقـط شـهـيـداً فـي أرض إحـدى المعـارك
التـي حصلـت معهـم (تذكرة الحفاظ لشمس الدين أبو
عبد الله بن عثمان الذهبي)
.

     3. إدخـال الـنـصـوص الـشـعـريـة الـمـتـأخـرة عـن عـصـر
الـرسـالـة فـي سيـاق عـرضـه لحـوادث السيـرة ، فمـن هـذه
الـنـصـوص الـشـعـريـة التـي أوردهـا الكـلاعـي فـي كتـابـه هـذا
قصيـدة طـويلـة بلـغ عـدد أبيـاتهـا (121 بيتـاً) سميـت معـراج
المنـاقـب و منهـاج الـحـسـب الثـاقـب .

     عـلل الـكـلاعـي سبـب إيـراده هـذه القصيـدة الـطـويلـة فـي
كـتـابـه هـذا بالـقـول : (و قـد اعتنـى الـنـاس بنسبـه نـثـراً و
نظمـاً … و قـد رأيـت أن أورد منهـا هنـا مـا يختـص بهـذا النسـب
الكـريـم … إذ المنظـوم أعـذب جـريـاً علـى الألسـن و أذهـب
رأيـاً فـي الإفـادة بالمستحسـن) .

     كـان عـمـل الـكـلاعـي هـذا سـنـة متبعـة فـي عصـره و لكنهـا
لـم تكـن بمثـل هـذه الصـورة مـن التـرتيـب و التنظيـم و الـكـثـرة
، إذ وجـدنا مصنفـات عـدة قـد نحـت منحـاه هـذا ، بتطعيـم بعـض
الحـوادث التـاريخيـة لعصـر الـرسـالـة بمـا قيـل فـي وصفهـا مـن
شعـر لـدى المتـأخـريـن .

     4 . الإخـتـصـار و الإحـالـة إلـى صـفـحـات كـتـابـه ، و ذلك
بعـدم تكـرار الـروايـات التـي تشتـرك فـي سيـاق حـوادث كثيـرة ،
فـمـن ذلك عـرضـه لأخبـار أجـداد الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم
و أحـوالهـم ، و يعـرض أخبـار جـده قصـي بـن كـلاب بشـيء مـن
التـوسعـة فـي الـعـرض و لـكـنـه ينعطـف و يـقـول : (و الحـديـث
فـي ذلك طـويـل و سنـذكـره إن شـاء الله عنـد ذكـره ولايتـه للبيـت
، و هنـاك نـذكـر مـآثـره و عظـم غـنائـه فـي إقـامـة أمـر قـومـه
إن شـاء الله ، فـإن القصـد هنـا الإيجـاز مـا أمكـن فـي إيـراد
هـذا النسـب المبـارك لتحصـل لسـامعـه الفـائـدة فـي انتظـامـه و
اتـصـالـه و لا يـظـل ذلك عليـه بمـا تخلـل أثنـائـه مـن القـواطـع
التـي تـبـاعـد بيـن أطـرافـه) ، هـذا مـع العلـم أن المسعـودي قـد
سـبـقـه فـي ذلك ، و لـكـنـه لـم يـكـن بـطـريقتـه نفسهـا فـي
اختصـار الخبـر و إحـالـة القـارئ إلـى صفحـات أخـر مـن الكتـاب
بـل كـان المسعـودي يكـرر ذكـره للـروايـة بالحيـز نفسـه الـذي
خصصـه لهـا مسبقـاً ، و لكـن باختصـار جـزئـي ضئيـل فيهـا .

     5 . الإعـتـمـاد عـلـى المصنفـات المكتـوبـة بـدلاً مـن
الـروايـات الشـفـويـة فـي عـرض حـوادث الكـتـاب ، و هـذا مـا
أشـارت إلـيـه مـقـدمـة كـتـابـه التـي ذكـر فيهـا إحصـائيـة
للمصـادر التـي اعتمـد عليهـا فـي كتـابـة مصنفـه هـذا ، و التـي
كـان للسيـرة التـي كـتـبـهـا ابـن إسحـاق أثـر بـارز فـي هـذه
المصـادر ، إذ وصـف هـذا الإعتمـاد مـن قبلـه عـلـى هـذه السيـرة
بالقـول : (و لكـن عظـم المعـول بحكـم الـخـاطـر الأول عـلـى
كـتـاب ابـن إسـحـاق ، إيـاه أردت و تـجـريـده مـن اللغـات و
كثيـراً مـن الأنسـاب و الأشعـار قصـدت ، و علـى تـرتيبـه غـالبـا
جـريت و مـتـرعـه فـي أكـثـر مـا يـخـص المغـازي تـحـريـت ، فـأنـه
الـذي شـرب مـاء هـذا الـشـأن فأنقـع و حـل كتـابـه فـي نفـوس
العـام و الخـاص أجـل مـوقـع) .

     نـال هـذا الكتـاب مكـانـة فـي نفـوس العلمـاء المتـأخـريـن
عنـه ، إذ عـدّوه مـن المصنفـات المـرمـوقـة فـي مغـازي الرسـول
صلـى الله عليـه و سلّـم و تـوابعهـا ، و قـد بينـت هـذه المكـانة
كثـرة النسـخ الخطيـة الهـائلـة لهـذا الكتـاب التـي أشـار أحـد
البـاحثيـن إلـى أمـاكـن وجـودهـا فـي الـمـكـتـبـات الـتـي
احـتـفـظـت بهـا (معجم ما ألف عن رسول الله صلي
الله عليه و سلم لصـلاح الدين المنجد)
.

     مـع كـل مـا ذكـرنـاه فـإن هـذا الكتـاب لـم يسهـم إسهـامـاً
جـاداً و جـوهـريـاً فـي تطـور كتـابـة السيـرة لأنـه لـم يـصـنـف
كـتـابـه هـذا لـغـايـة علميـة فينـاقـش بـعـض الـروايـات و يستـدل
علـى صحـة بعـض الحـوادث بـل كـان هـدفـه كمـا رأينـا هـدفـاً
أخـلاقيـاً تمثـل بعـرض صفحـات مـن حيـاة الـرسـول صلـى الله عليـه
و سلّـم الجهـاديـة فـي مجـابهـة المشـركيـن .

عن المدير