المصنفات التي كتبت في شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة والمستقلة وتطورها
المبحث الرابع: التصنيف المستقل لجوانب السيرة ومفرداتها

المطلب الرابع: المصنفات التي كتبت في شمائل الرسول صلى الله عليه وسلّم وأخلاقه
الشمائل في اللغة هي الطباع والسجايا والأخلاق التي يتسم بها الشخص (لسان العرب لمحمد بن مكرم ابن منظور)، ولهذا نجد أن المصنفين في موضوع الشمائل قد ترادفت مسميات كتبهم في هذا الجانب، فتارة يسمونها ب (أخلاق النبي) و (شمائل النبي) تارة أخرى. وقبل البدء بعرض هذه المصنفات يجب إعطاء لمحة موجزة عن الجذور الأولى لكتابتها وأسباب العناية بها وتشجيعها، الأمر الذي لأجله ظهرت مصنفات عديدة كتبت في هذا المجال على طول تاريخنا الإسلامي (معجم ما ألف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم لصلاح الدين المنجد).

كان وراء نظرة المسلمين لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلّم أثر فعال في كتابة هذه المصنفات، إذ كان شخصه الكريم القدوة والمثال والأسوة الحسنة التي يقتدي بها المسلمون، وذلك امتثالاً لقوله تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (سورة الأحزاب، الآيـة: 21)، وهذا ما دفع المسلمين إلى البحث والتقصي عن الأفعال والتصرفات التي بدرت من الرسول صلى الله عليه وسلّم في حياته اليومية ابتداء من قيامه إلى صلاة الفجر وانتهاء بوضع رأسه الشريف على الوسادة وتجسيد هذه التصرفات كواقـع حال معمول به من قبلهم هذا من جانب، ومن جانب آخر كان لإضمحلال الإتجاه العقلي الذي نحاه المعتزلة بعد تحجيم المتوكل العباسي لنشاطهم وإحياء الإتجاه النقلي الذي مثله أهل الحديث، إذ تمثل ذلك بالعودة إلى ما ألفه المسلمون من تقصي وتتبع لأخبار وأحوال عصر الرسالة والخلافة الراشدة بعدما استحوذت العلوم العقلية على أفكار الناس ومعتقداتهم بعد أن فسح المأمون لذلك بترجمة الكتب الفلسفية والنتاجات الفكرية للأمم والشعوب المجاورة وتبني المعتزلة مهمة نشر أفكار هذه الأمم والشعوب (المعتزلة لزهدي جار الله).

لأجل ما ذكرناه نشأت فكرة متمثلة بتخصيص مصنفات مستقلة يجمل فيها المحدث ما وصل إليه من روايات تبين للمسلمين طريقة عيش الرسول صلى الله عليه وسلّم وتصرفاته بعدما أثبت عدد غير قليل من الروايات في المجاميع الحديثية (الموطأ لمالك ابن أنس).

إن المطلع على كتب الشمائل والأخلاق النبوية يعّدها أقرب إلى كتب الحديث منها إلى كتب السيرة لأنها جزء من السنة التي يجب إتباعها، ولكن الـذي حداني على جعلها ضمن مصنفات السيرة أنها قد اتسمت بالإستقلالية في عرض الجوانب الشخصية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم.

هذه هي الظروف والعوامل التي رافقت استحداث كتابة هذا الجانب باستقلالية عن باقي المصنفات الأخرى التي تضمنت عرضـاً للعديد من الروايات الخاصة بموضوع شمائل الرسول صلى الله عليه وسلّم.

أما المصنفات التي كتبت في هذا الجانب فقد تنوعت من حيث الأسلوب الذي كتبت به، والروايات التي حواها كل مصنف منها، وهذه المصنفات هي:

1 . الشمائل النبوية لمحمد بن عيسى الترمذي (ت 279 هـ):
مصنف هذا الكتاب هو المحدث الحافظ محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي الترمذي أحد كبار الأئمة المحدثين، صنف العديد من الكتب في الحديث كان أهمها كتاب (الجامع الصحيح)، وكان يضرب به المثل في الحفظ والإتقان والورع (الفهرست لمحمد ابن النديم).

كان هذا الكتاب أول مصنف كتب في هذا الجانب (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ لشمس الدين السخاوي)، ولأجل هذه الريادة أكتسب حظوة كبيرة لدى العلماء والباحثين، إذ وصفه ابن كثير بالقول: (وقد صنف الناس في هذا (ويعني شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلّـم) قديماً وحديثاً كتباً مفردة وغير مفردة ومن أحسن من جمع في ذلك وأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل ولنا سماع متصل به …) (البداية والنهاية لإِسْمَاعِيلُ ابن كثير) وعلّق عليه آخر بالقول: (كان كتاب الشمائل من أجلّ ما ألّف في محاسن قطب الوسائل ومنبع الفضائل) (الفوائد الجليلة البهية على الشمائل المحمدية لمحمد بن قاسم جسوس)، ووصف آخر هذا الكتاب بالقول: (إن كتاب الشمائل لعالم الرواية وعالم الدراية الإمام الترمذي كتاب وحيد في بابه فريد في استيعابه لم يأت أحد بمماثل ولا بمشابه سلك فيه منهجاً بديعاً ورصّعه بعيون الأخبار وفنون الآثار ترصيعاً حتى أدّى ذلك الكتاب من المواهب وطار في المشارق والمغارب) (المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية لإبراهيم البيجوري)، وينتهي آخر إلى وصفه بالقول: (ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم كتاب الترمذي المختصر الجامع بحيث أن مطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طلعة ذات الخباب ويرى محاسنه الشريفة في كل باب) (الإتحافات الربانية بشرح الشمائل المحمدية أحمد عبد الجواد الدوحي).

فضلاً عن هذا كله كانت هذه المصادر التي عرضنا آراء أصحابها في الترمذي مصنف الشمائل عبارة عن شروحات لهذا الكتاب مع وجود شروحات أخرى له أجملها أحد فهارس الكتب (معجم ما ألف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاح الدين المنجد).

لم تقتصر جهود العلماء على شرح عباراته والتعليق عليه بل تعدت ذلك إلى البحث عن طرق تؤدي إلى حصول إجازة برواية الكتاب عن مصنفه أو عمن سمعه وأجيز بروايته، كما تبين ذلك الكتب التي يعرض فيها العلماء أسماء المصنفات التي حصلوا على إجازة بروايتها ورحلتهم في طلب الحديث، إذ أشارت العديد من هذه الكتب إلى حصول مصنفيها على إجازة برواية هذا الكتاب بعد مدة متأخرة عن حياة المؤلف، فضلاً عن ذلك فقد كان لهذا الكتاب أثر ملموس في باقي العلماء وإن لم يثبتوه ضمن الكتب التي حصلوا على إجازة بروايتها، إذ ذكر ابن كثير هذا الكتاب بعبارة: (ولنا سماع متصل به)، ولم يقتصر جهد العلماء على الحصول على إجازة واحدة برواية هذا الكتاب فحسب، بل تعددت تلك الإجازات إلى عشرات الشيوخ، إذ ذكر الوادي آشي أنه قد حمل هذا الكتاب عن أربعين شيخاً.

تدل لنا المقدمات التي أفتتح بها بعض المتصوفة الذين شرحوا هذا الكتاب على أنهم قد وجدوا في هذا الكتاب ضالتهم المنشودة، وذلك حين استعملوا المصطلحات التي تدل على إكبارهم للمصنف وكتابه مثل عبارة القطب، والعارف. ولم تنته اهتمامات العلماء به عند هذا الحد بل انبرى أحد العلماء المتأخرين إلى تخصيص مصنف مستقل للحديث عن الرواة الذين وردت أسماؤهم في كتاب الشمائل أسماه (بهجة المحافل وأجمل الوسائل بالتشريف برواة الشمائل)، إذ يقول في خاتمته: (هذا آخر ما أردنا تلخيصه مما يتعلق برجال هذا الكتاب … وإن لم أكن له أهل لكني رجوت من حسنت شمائله و فاق عن الحصر فضائله أن يكون لي في الشدائد عوناً …).

يبين لنا هذا الإستعراض المكانة التي حظي بها هذا الكتاب في نفوس العلماء حتى بذلوا من أجله هذا المجهود الكبير بالشرح والتهذيب والرواية، ومواظبتهم في الحصول على إجازة بروايتـه حتى قرون متأخرة، وهذا ما يفسر لنا العدد الجم والغفير من المخطوطات التي وصلت إلينا من هذا الكتاب في معظم المكتبات العامة والخاصة والتي تحتفظ بالتراث الخطي.

نرى مما سبق ذكره أن هذا الإهتمام الذي حصل عليه هذا الكتاب راجع إلى منهجيته الدقيقة وريادته في كتابة هذا الجانب عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم، فضلاً عن وجود جوانب أخرى أسهم بها الترمذي في تطور كتابة الشمائل من جهة والسيرة النبوية من جهة أخرى، وهذه الجوانب هي:

1 . إيجاد منتخب بسيط يضم في طيات أوراقه ما تناثر من روايات في كتب الحديث عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلّم وطباعه وسجاياه وتصرفاته، فكان هذا الكتاب بوتقة انصهر فيهه هذا الخضم الهائل من الروايات التي أوردتها كتب الحديث وما تناقلته شفاه الرواة في هذا الجانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم فكان نتيجة لذلك كتاب ضم أربع مئة حديث، في ستة وخمسين باباً، فضلاً عن ذلك كله بين الترمذي درجة القوة في كل حديث يورده من حيث صحته أو ضعفه.

2 . الإستطراد في ذكر أحاديث وروايات لا تمت بصلة إلى عنوان الكتاب ومباحثه، إذ عرض فيه أسماء الرسول صلى الله عليه وسلّم، وعمره الشريف، وحادثة الوفاة، وصولاً إلى كيفية رؤيته في المنام.

كانت هذه الأبواب التي أوردها الترمذي في كتابه هذا متممة لما بدأه من عرض لأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلّم وسجاياه فأراد من عرضه لهذه الأبواب إيجاد ترابط معنوي بيـن أبواب الكتاب مجتمعة وذلك بجعل هذه الأبواب مكملة لسابقتها، مع التنبيه إلى وجود أثر لا شعوري متمثل بمحاولة الترمذي السابقة في كتابة هذه الجوانب ضمن مصنفه (الجامع الصحيح)، مع العلم أن كتابه هذا قد تضمن ذكراً للعديد من الشمائل و الصفات التي أتسم بها الرسول صلى الله عليه وسلّم وطريقة عيشه.

3 . جعل الترمذي كتابه هذا غفلاً من ديباجة تفتتح الكتاب وتبين طريقته في التأليف ومقصده منه، وقد اتبع المنحى نفسه في مصنفه ذائع الصيت (الجامع الصحيح)، إذ أغفل فيه المقدمة التي يبين فيها منحاه في الكتابة والغاية من التصنيف؛ وهذا ديدن المحدثين في عصره حين يكتبون مصنفاتهم (الصحيح للإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري – المسند لأحمد بن حنبل)، وبهذا قد تابع الترمذي في كتابه مناهج المحدثين في عصره من حيث الأسلوب وطريقة الكتابة.

إن هذا المنحى الذي سار عليه الترمذي قد لاقى من يؤيده من المصنفين الذين انتهجوا منهجه في تدوين مصنف يجمع الأفعال والتصرفات التي كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يقوم بها أثناء يومه الحافل، ولكن هذا المنحى لم يكن بحد ذاته تطوراً جذرياً على صعيد تدوين المصنفات الخاصة بشمائل الرسول صلى الله عليه وسلّم، بل يعدّ الأساس الأول للأساليب التي كتبت في ضوئها المصنفات الأولى للشمائل، إذ تبين لنا بعد ذلك أن المصنفين في هذا الموضوع قد وضعوا مقدمات لكتبهم عرضوا فيها عناوين الموضوعات التي بحثوها في مصنفاتهم؛ فكان منحى الترمذي هذا بمثابة الدليل الذي استرشد به من أتى بعده من المصنفين الذين طوروا وأضافـوا شيئاً كثيراً لطريقة الترمذي، فانتهجوا منهجاً لا نعدّه مغايراً بل نعدّه منسقاً ومرتباً أكثر من سابقه.

4 . التعويل على الرواية في عرض الحادثة ومسبباتها، وتبيان درجة قوتها وضعفها بما يطلقه المحدثون من أحكام على الرواية والرواة (صحيح، حسن، ضعيف، غريب، … )، الأمر الذي جعل الكتاب خالياً من الإستنتاجات والتعليقات والربط بين ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلّم من تصرفات في مواقف سابقة تكون مشابهة أو مقاربة لمواقف لاحقة؛ ونتيـجة لذلك تبنى أحد المتأخرين مهمة الكتابة عن مسانيد الترمذي في كتابه الشمائل الذي أردف كل شيخ راوياً في سلسلة السند بما قيل فيه من جرح أو تعديل من قبل المتخصصين في هذا العلم، وذلك لتتبين وثاقة الراوي والرواية التي يراد الإستناد بها. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل قام مصنفون آخرون بالتعليق وطرح الآراء التي تعبر عن وجهة نظرهم في العديد من الروايات التي أوردها في مصنفه، الأمر الذي عدّ هو الآخر خروجاً جذرياً على طريقة الترمذي التي انتهجها في كتابه الشمائل، حين استلهموا الأفكار والطروحات الجديدة من تصرف قام به الرسول صلى الله عليه وسلّم في حياته اليومية، وبهذا أوجد هؤلاء ترابطاً وثيقاً بين ما استنبطه الفقهاء من أحكام شرعية في ضوء فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم وقوله، وما استنبطه المهتمون بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلّم الشخصية من أخلاق مثلتها هذه الأفعال؛ وخير مثل على هذا الأمر تصنيف القاضي عياض كتابه المسمى (الشفا بتعريف حقوق المصطفى).

هذه هي الجوانب التي اتسم بها كتاب الشمائل النبوية للترمذي والتي كانت فاتحة للعديد من المصنفات في هذا الجانب من حياة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلّم.

2 . أخلاق النبي لأبي محمد عبد الله بن محمد الإصبهاني المعروف بابن أبي الشيخ (ت 369 هـ):
نال ابن أبي الشيخ مكانة مرموقة عند العلماء بعامة وعند المحدثين بخاصة، إذ وصفوه بعبارات فيها كثير من الثناء والتبجيل، وصنف العديد من الكتب في الحديث النبوي الشريف وعلومه (تذكرة الحفاظ لشمس الدين بن عثمان الذهبي).

استعمل ابن أبي الشيخ لفظة (أخلاق) عنواناً لكتابه بدلاً من (شمائل)، وهذا يؤكد وحدة دلالة هذين اللفظين، وقد سبقه في استعمال هذه اللفظة مصنفون عديدون في كتابة هذا الجانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم (كشف الظنون عن أسامي الفنون لحاجي خليفة)، في حين أن جمعاً من المؤرخين قد أبقوا استعمال عنوان (الشمائل) في مصنفاتهم التي يغلب عليها التزويق اللفظي واستعمال المحسنات البديعية كالسجع وغيره.

ويعدّ كتاب ابن أبي الشيخ مكملاً لما بدأه الترمذي، إذ حاول أن يدون مصنفاً يحوي مجموعاً من الروايات التي تبين للمسلمين وغيرهم الأخلاق والصفات الحميدة والسجايا التي أتسم بها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلّم، وقد أشار في ديـباجة كتابه إلى هذه الأمور قائلاً: (ما ذكر من حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرمه وكثرة تواضعه وصبره على المكروه وإغضائه وإعراضه عما كرهه … وكظم الغيظ، وحمله، وكثرة تبسّمه، وسروره، ومزاحه وبكائه وحزنه ومنطقه وألطافه، وقوله عند قيامه من مجلسه ومشيته والتفاته، وذكر محبته الطيب وتطيبه، وذكـر قميصه وجبتّه وشكره ربه عند سعيه)، فكان عمله هذا إضافة نوعية لكتاب الترمذي، حين وضع مقدمة لكتابه عرض فيها ما سيذكره فيه بعكس ما فعله الترمذي؛ فضلاً عن هذا الجانب فقد وجدت فيه جوانب أخرى أسهمت في تطور كتابة الشمائل والأخلاق التي اتصف بها رسول الرحمة محمد صلى الله عليه وسلّم، وهذه الجوانب هـي:

1 . التوسع الأفقي والعمودي من حيث مضمون الكتاب ومحتواه، إذ نرى فيه روايات فاق بها سابقيه و لا سيما الترمذي الذي عرضنا جهوده في كتابة الشمائل النبوية، إذ شملت التوسعة الأفقية في الكتابة إدخاله لأبواب وفصول جديدة لم يتطرق لها الترمذي بكتابه الشمائل، ومن هذه الأبواب ذكر محبة الرسول صـلى الله عليه وسلّم للفأل الحسن في القول، وكيفية حلقه لشعره و شاربيه، أما التوسعة العمودية فقد تمثلت بإضافة روايات أخرى على الروايات التي أثبتها الترمذي في كتابه الشمائل، فمن تلك الروايات التي أضافها ابن أبي الشيخ على الروايات التي حوتها أبواب الترمذي في كتابه آنف الذكر، إثباته أربع عشرة رواية في صفة مشيه صلى الله عليه وسلّم، مع العلم أن الترمذي قد أورد ثلاث روايات في هذا الباب من كتابه الشمائل، كذلك أورد ابن أبي الشيخ إحدى وأربعين رواية في حسن خلق الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم في حين أورد الترمذي أربع عشرة رواية في هذا الباب فقط.

إن هذه التوسعة، الأفقية منها والعمودية، ناتجة من أتساع وشمولية لفظة أخلاق عن لفظة شمائل، مع العلم أن ابن أبي الشيخ لم يكن مقتفياً أثر الترمذي في عرضه مادة الكتاب. إذ رأيناه في بعض الأماكن خاصة في الأبواب الأخيرة منه قد خالف الخطة التي سار عليها الترمذي في كتابه الشمائل، إذ لم يكرر ما أدخله الترمذي في كتابه بإيراد بعض الروايات حول أسماء الرسول صلى الله عليه وسلّم وعمره ووفاته، وغير ذلك من الروايات التي ختم بها الترمذي كتابه هذا، كل هذه الأمور قد أغفلها ابن أبي الشيخ وذلك عند كتابته لمصنفه هذا وجدها غير مطابقة لعنوان الكتاب وما يبغيه من عرض لروايات تتصل بصفات الرسول وأخلاقه وسجاياه.

فضلاً عن هذا كله لم تكن هذه التوسعة لتضخيم حجم هذا الكتاب بل اتبع ابن أبي الشيخ في عرضه للروايات التي أوردها فيه الإختصار في أسانيد الروايات وذلك بعدم تكرار شيوخ السند للحادثة التي رويت فيها روايات عدة ومن طرق مختلفة.

2 . التسامح في إثبات الروايات وذلك من دون نقد أو تحليل لما ورد فيها، خلاف ما نهجه الترمذي في كتابه الشمائل الذي لم يترك رواية أوردها في هذا الكتاب إلا وأبدى رأيه فيها من حيث صحتها وضعفها، وهذا الأمر راجع إلى أن ابن أبي الشيخ قد نهج في تثبيت معظم الروايات التي وصلت إليه والتي تمس مطالب كتابه التي ذكرها في مقدمته، وهذا بطبيعة الحال قد أدى إلى دخول بعض الأحاديث الضعيفة والواهية إلى هيكل هذا الكتاب ومحتواه.

3 . الإستشهاد بالآيات القرآنية في تبيان أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلّم وسجاياه، وذلك أن القرآن الكريم قد حوى بمجمله وصفاً عاماً لطبيعة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلّم ومكانته، كما هو واضح من نقول هذا الكتاب التي أوردناها آنفاً، وهذا ما لم نجده عند الترمذي في كتابته لشمائل الرسول التي كان جل اعتماده على إيراد الروايات التي تبين صفات الرسول صلى الله عليه وسلّم وشمائله.

4 . التحويل بين رجالات السند وتبيان طرق تحمله للروايـة الواحدة من شيوخ عديدين و لا سيما بعد وصول هذه الرواية إلى التابعين وتابعي التابعين كما هو مبين في هذا الكتاب.

من هذا العرض للجوانب التي أضفاها ابن أبي الشيخ على كتابة الشمائل النبوية ضمن كتب السيرة، نرى فيه تطوراً جدياً ونقلة نوعية في كتابة الشمائل أولاً والسيرة ثانيةً، وذلك بعدم الإتكاء والتقليد الأعمى لما طرحه السابقون عليه.

مع هذه الجوانب كلها، لم يلق هذا الكتاب الشهرة والإنتشار والذيوع مثل كتاب الترمذي (الشمائل) لاستحواذ هذا الكتاب الأخير على مسامع الناس؛ فضلاً عن الريادة في الشروع بكتابة مثل هذه المصنفات التي صورت لنا جانباً من حياة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلّم الشخصية.

3 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت 544 هـ):
هو القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، نشأ وتربى في المغرب وبلاد الأندلس ودرس الفقه على مذهب الإمام مالك، وتولى القضاء في بلاده وصنف مؤلفات عدة في الحديث وأصول روايته والفقه المالكي.

وما يهمنا من مصنفاته كتابه الذائع الصيت الشفا بتعريف حقوق المصطفى الذي عدّ من كتب الشمائل على حد تعبير أحد الباحثين حين وصفه بالقول: (فالشفا ليس كتاباً في السيرة بالمفهوم الصحيح لمعنى السيرة ولكنه يندرج تحت كتب الشمائل النبوية ويخطئ من يقارنه في منهجه بكتب السيرة) (القاضي عياض الأديب لعبد السلام شقور)، كان لهذا التصريح من قبل هذا الباحث دافع جوهري تمثل بتصريح القاضي عياض نفسه واصفاً كتابه هذا بأنه كتاب في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم على وجه العموم، ويدحض باحث آخر تصريح القاضي عياض عند دراسته لمضامين كتابه هذا، فينتهي إلى عدّه كتاباً واحداً من الكتب الفرعية للسيرة النبوية لأنه لم يتناول فيه غير جانب واحد من التاريخ النبوي لا غير، مع تأكيده أن مباحث الكتاب كانت ممـا يدخل في مباحث علم الكلام، ولكن الخصوصية التي جاء بها هي رواياته لأخبار وأحاديث تتصل بحياة الرسول صلى الله عليه وسلّم النفسية والإجتماعية التي أوضحها عرضه لشمائل الرسول صلى الله عليه وسلّم وأخلاقه العالية.

كل هذه الآراء قد أنارت لنا السبل في الإهتداء إلى المكان المناسب الذي نضع فيه هذا الكتاب من مجموع المصنفات المختلفة والمتشعبة الجوانب والمواضيع.

كان للعصر الذي عاش فيه القاضي عياض أثر واضح وملموس في كتابة مصنفه هذا، إذ كان عصره مرحلة من مراحل الإحتدام الفكري والسياسي بين المذاهب والدول التي نشأت وترعرعت في بلاد المغرب العربي والأندلس والتي حملت كل واحدة منها فكرة مغايرة للأخرى، إذ تركز لأجل ذلك منهجه في هذا الكتاب في نقطتين بارزتين هما:

   أولاً: تعميق الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلّم ورفع شأنها، وهذا ما أوضحته مقدمته التي افتتح بها كتابه هذا قائلاً: (فإنك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة والسلام وما يجب له من توقير واحترام وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك القدر، أو أقصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر …)، ويضيف في مكان آخر منها بالقول: (ولا خفاء على من مارس شيئاً من العلم أو خص بأنى لمحة من فهم بتعظيم الله تعالى قدر نبينا عليه الصلاة والسلام وخصوصيته إياه بفضائل ومحاسن لا تنضبط بزمام وتنويه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام فمنها ما صرح به تعالى في كتابه ونبه به على جليل نصابه وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه وخص العباد على التزامه … ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال وتخصيصه بالمحاسن الجميلة والأخلاق الحميدة والمذاهب الكريمة)، مع العلم أن مصنف القاضي عياض هذا لم يكتبه لمنكر أو جاحد لنبوة محمد بل كتبه للمسلمين والمؤمنين بها حصراً، إذ يبين ذلك بالقول: (إن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم ولا لطاعن في معجزاته، فنحتاج إلى نصب البراهين عليها وتحصين حوزتها … بل ألفناه لأهل ملته الملبين لدعوته المصدقين لنبوته ليكون تأكيداً في محبته له ومنماة لأعماله)، ومن ثم فإن القاضي عياض بمقالته هذه قد حدد نوع قراء هذا الكتاب الذي صنفه لأجلهم.

   ثانياً: المحاججة والمناظرة للآراء وعقائد المذاهب المخالفة له في العقيدة وذلك بإيراده لبعض وجهات النظر الخاصة به في ما يتعلق بمقام النبوة والواجبات اتجاهها، وتفسير النصوص الواردة إليه وتقعيد الأحكام عليها، مثال ذلك قضية تأويل النص الشعري بغير معناه الظاهر، فضلاً عن كثير من القضايا التي صرح القاضي عياض بفساد آراء أصحابها فيها.

اقتضى هذا الأمر من القاضي عياض أن يكون له إلمام واسع بدقائق الألفاظ وأوجه اختلاف التعابيـر والإستيعاب الكامل لجميع الآراء والروايات التي اختصت بهذه الأفكار والعقائد التي طرحها للبحث والمناظـرة في كتابه هذا، وقد أشار القاضي عياض إلى هذا الأمر في ترجمته لنفسه عندما ذكر تضلعه الواسع بعلوم الفلسفة والمنطق والحديث والعربية بدراسته لها على أيدي أساتـذة كان لهم الباع الطويل في هذه العلوم.

لأجـل ذلك كـان هـذا الـكـتـاب أحـد الـصـور النـاطـقـة
للـعـصـر الـذي كتـب فيـه و مـرآة عـاكسـة لـوجهـات النظـر
المختلفـة للـمـذاهـب التـي ظـهـرت فـي المغـرب العـربـي ، حتـى
وصـف أحـد البـاحثيـن هـذا الكتـاب بالقـول : (نـرى الكتـاب
بمثـابـة إسهـام فـي تعميـق اتجـاه و دحـض ما عـداه) .

طبـق القـاضـي عيـاض هـاتيـن النقطتيـن بجـديـة و وضعهمـا
نصـب عينيـه فـي كتـابـه مـن أولـه إلـى آخـره ، و لأجـل ذلك
كـانـت هنـالك جـوانب أسهـم بهـا القـاضـي عيـاض فـي تطـور كتـابـة
السيـرة النبـويـة بعـامـة ، و لـم يكـن مقتصـراً علـى جـانـب
الشمـائـل و الأخـلاق فحسـب ، و ذلك لأن أثـره لـم يكـن
مـنـحـصـراً فـي الكتـب التـي صنفـت فـي هـذا الجـانـب ، بـل
تعـدتـه إلـى كتـب السيـرة الأخـرى التـي لـم يـمـاثلـه أي واحـد
مـنـهـا فـي الأسـلـوب الـذي عـالـج بـه الـروايـات و الآراء التـي
خـرج بهـا مـن معـالجتـه لهـا ، ممـا كـان لهـذا الأمـر أثـر
فـعـال فـي ظـهـور هـذا الكتـاب بهـذه الحلـة التـي تميـز بهـا عـن
بـاقـي كتـب السيـرة ، تـركـز أثـر القـاضـي عيـاض فـي تطـور
كتـابـة السيـرة أولاً و كتـب الشمـائـل و الأخـلاق ثـانيـاً فـي
محـاور عـدّة هـي :

1 . الخطـابيـة و الـصـنـعـة الـبـلاغيـة فـي كتـابـة الجمـل
الـواردة فـي الكتـاب ، و هـذا الأمـر قـد أوضحـه أحـد الـبـاحثيـن
بالـقـول : (و لـعـل أهـم خـاصـيـة يتميـز بـهـا -هـذا الـكـتـاب-
انسيـاق الجملـة عنـده لأنهـا بنيـت علـى أسـاس خطـابـي يقتـرض مـن
الـخـطـابـة أدواتهـا و هـو يتخيـل الـقـراء أمـامـه مـثـل جمهـوره
الـذي يتصـل بـه فـي كـل جمعـة أو منـاسبـة دينيـة ليخـاطبهـم
فتـراه يستعمـل ضـمـيـر الـمـخـاطـب و يكثـر مـن استعمـال أدوات
التنبيـه و يـنـوع الجملـة مـن حيـث الطـول و القصـر ، و يـزاوج
بيـن الجمـل الفعليـة و الإسميـة ليضمـن استمـرار يقظـة القـارئ)
(القاضي عياض الأديب لعبد السلام شقور)
، و يـضـيـف هـذا
البـاحـث فـي مكـان آخـر واصفـاً هـذا الأسـلـوب : (و أسلـوب أي
صيـاغتـه اللغـويـة صنفـان صنـف يغلـب عليـه السـرد العلمـي ، و
آخـر يكثـر فيـه التحليـق فـي فضـاء فسيـح الأرجـاء يـفـوح بعطـر
الـروضـة الشـريفـة ، و الحـق إن النصـوص التـي خـرج منهـا عيـاض
عـن السـرد جـاءت بـارزة بشكـل واضـح كـأنهـا واحـات يفـيء إليهـا
مـن هجـر النقـاش الفكـري المضنـي ، ففيهـا كـان عيـاض يجـد راحتـه
فيطلـق العنـان لخيـالـه فـأبـدع مـا شـاء الله أن يبـدع) .

فـمـن الـجـمـل التـي استعمـل فـيـهـا القـاضـي عـيـاض هـذا
الأسلـوب : (أعلـم أيهـا المحـب لهـذا النبـي الكـريـم الـبـاحـث
عـن تفـاصيـل جمـل قـدره العظيـم إن خصـال الجـلال و الكمـال فـي
البشـر نـوعـان : ضـروري دنيـوي اقتضتـه الجبلـة و ضـرورة الحيـاة
، و مـكـتـسـب ديـنـي و هـو مـا يحمـد فـاعلـه و يقـربـه إلـى الله
زلفـى ، إذ كـان خصـال الكمـال و الجـلال مـا ذكـرنـاه و وجـدنـا
الـواحـد منـا يشـرف بـواحـدة منهـا أو اثنتيـن إن اتفقـت …
فـمـا ظنـك بعظيـم قـدر مـن اجتمعـت فيـه كـل هـذه الخصـال إلـى
مـا يأخـذه عـدد … و لا ينـال بكسـب و لا حيلـة) ، و فـي مـوضـع
آخـر مـن هـذا الـكـتـاب ذكـر عـبـارة اسـتـعـمـل فيهـا فنـونـاً
بـلاغيـة أضفـت عليهـا لمسـة جمـاليـة ، و هـذه العبـارة تـمـثـلـت
بـقـولـه : (و جـديـر بمـواطـن عمـرت بالـوحـي و التنـزيـل و تـرد
بهـا جبـريـل و ميكـائيـل و عـرجـت منهـا المـلائكـة و الـروح و
ضجـت عـرصـاتـهـا بالتقـديـس و التسبيـح و اشتملـت تـربتهـا إلـى
جـسـد سيـد الـبـشـر ، و انتشـر عـنـهـا مـدارس آيـات و مـسـاجـد و
صـلـوات و مـشـاد الـفـضـل و الـخـيـرات و مـعـاهـد الـبـراهيـن و
الـمـعـجـزات و منـاسـك الـديـن و مشـاعـر المسلميـن و مـواقـف
سيـد المـرسليـن و متبـوأ خـاتـم النبييـن) .

وصـف أحـد البـاحثيـن عمـل القـاضـي عيـاض بالقـول : (إن
الكـاتـب قـد أطلـق العنـان لفكـره و لا أقـول لخيـالـه . فعيـاض
يـواجـه الـقـارئ بمـادة دسمـة … فتـراه يبـرز المعنـى الـواحـد
فـي أثـواب مختلفـة فكـأنمـا همـه أن تـرى تلك الثيـاب التـي لا
تـروقـك بألـوانهـا و لكـن بشـدة الحبـك و دقـة الحيـاكـة)
(القاضي عياض الأديب لعبد السلام شقور)
، و ينتهـي هـذا
الـبـاحـث إلـى الـقـول : (و يـبـدو لـي إن عـيـاض كـان متحـرراً
إلـى حـد بعيـد مـن الأعـراف الأديبـة ، -و ذلك- لأنـه هـا هنـا لا
يكتـب ليكتـب … و لكنـه يكتـب لـيـقـول شيئـاً ، و مـا يقـولـه
ليـس لأنـه مـا يقـال عـادة ، و لكنـه لكـونـه يـأمـن بـه و هـذا
هـو سـر الصـدق الـذي يشعـر بـه القـارئ بأسلـوب الـقـاضـي عـيـاض
الـوظيفـي عمـومـاً و لأسلـوبـه فـي الشفـا خصـوصـاً ، و هـذا هـو
السـر فـي التقـديـر الـذي لقيـه هـذا الكتـاب علـى الـرغـم مـن
وجـود العـديـد مـن الكتـب فـي مـوضـوعـه) .

2 . الـخـروج عـن الـمـألـوف بطـريقـة عـرضـه لمحتـويـات
كتـابـه ، إذ كـان مسلكـه فيـه ينحصـر علـى وضـع الفـروض ثـم يقعـد
القـواعـد عليهـا و بعـد ذلك يـردفهـا بالأدلـة المـانعـة أو
المـوجبـة لهـا ، و هـذا مـا أوضحتـه مقـدمـة كتـابـه التـي
استعـرض فيهـا المبـاحـث التـي سيتطـرق إليهـا فـي هـذا الكتـاب ،
إذ كـانـت مصنفـات السيـرة تعـرض الأحـداث علـى وفـق إطـارهـا
الـزمنـي أو المـوضـوعـي ، أمـا الـقـاضـي عـيـاض وجـدنـاه يسلك
مـسـلـكـاً مـغـايـراً لمـا سلكتـه الكتـب التـي سبقتـه فـي هـذا
الجـانـب . و يبـدو أن هـذا الأمـر هـو الـذي دفـع بـحـاجـي
خـلـيـفـة إلـى أن يـصـف هـذا الـكـتـاب بالقـول : (و هـو كتـاب
عظيـم النفـع كثيـر الفـائـدة لـم يـؤلـف مثلـه فـي الإسـلام شكـر
الله سعـي مـؤلـفـه و قـابـلـه بـرحـمـتـه و كـرمـه)
(كـشـف الـظـنـون عـن أسـامـي الفنـون لحـاجـي خليفـة)
.

3 . التعظيـم و التفخيـم لـشـخـص الـنـبـي محمد صلـى الله
عليـه و سلّـم ، و ذلك باستحـداثـه لصفـات اتسـم بهـا الـرسـول
صـلـى الله عـلـيـه و سـلّـم و واجـبـات ألـقـيـت عـلـى عـاتـق
المسلميـن اتـجـاهـه و ذلك باستنبـاطـهـا مـن الـروايـات الـتـي
أوردهـا فـي كـتـابـه هـذا .

دفـع هـذا الأمـر أحـد الـعـلـمـاء و هـو ابـن تـيـمـيـة
الـحـرانـي إلـى نـعـتـه بالقـول : (غـلا هـذا المغيـربـي)
(أزهـار الـريـاض فـي أخـبـار عـيـاض لشهـاب
الـديـن أحـمـد بـن محمد المقـري التلمسـانـي)
، و ذلك
للأمـور الـتـي طـرحهـا الـقـاضـي عـيـاض فـي هـذا الكتـاب حـول
مـا يجـب علـى المسلميـن فعلـه مـن حقـوق و واجبـات اتجـاه نبيهـم
محمد صلـى الله عليـه و سلّـم و معـرفـة هـذه الحقـوق و الـواجبـات
.

لاقـت هـذه الـكـلـمـة الـتـي أطـلـقـهـا ابـن تيميـة عـلـى
القـاضـي عيـاض عنـد تصنيفـه لهـذا الكتـاب نـوعـاً مـن الإستغـراب
لـدى أحـد البـاحثيـن ؛ إذ عقـد لأجـل ذلك دراسـة مستقلـة حـول
هـذه الكلمـة و أبعـادهـا و دحـض فكـرة الغلـو التـي نسبهـا ابـن
تيميـة إلـى القـاضـي عيـاض عنـد تصنيفـه لكتـابـه هـذا
(مجلة المناهل لمحمد الفاسي)
، حيـث انتهـى إلى عـدّ هـذه
الكلمـة التي صـدرت مـن ابـن تيميـة فلتـة لا تقـال .

وجـه انتقـاد إلـى الـقـاضـي عـيـاض لمنحـاه هـذا مـن قـبـل
الـذهـبـي ، و لـكـن هـذا الإنتقـاد لـم يـكـن بالحـدة نفسهـا
التـي انـتـقـد بـهـا ابـن تيميـة ، إذ كـان الـذهبـي أكثـر
تهـذيبـاً فـي عبـاراتـه مـن سلفـه ، و هـذا مـا بينـه وصفـه
لمصنفـاتـه التـي نـعـتـهـا بالـقـول : (تـواليـفـه نفسيـة و
أشـرفهـا كتـاب الشفـا لـولا مـا قـد حشـاه بالأحـاديـث المفتعلـة
كـأي عمـل إمـام لا نقـد لـه فـي فـن الـحـديـث و لا ذوق ، و الله
يثيبـه علـى حسـن مقصـده و ينفـع بـه شفـائـه و قـد فعـل ، و هـذا
فيـه مـن التـأويـلات البعيـدة ألـوان ، نبينـا صلـوات الله عليـه
و سـلامـه غنيـاً بـمـدحـة الـتـتـريل عـن الأحـادي الـواهـيـات ،
فلمـاذا يـا قـوم نشبـع بالـمـوضـوعـات فيتطـرق إلينـا مقـال ذوي
الغـل و الحسـد) (سيـر أعـلام النبـلاء لشمـس
الـديـن بـن عثمـان الـذهبـي)
.

هـذه هـي الـتـبـعـات الـتـي أفـرزتهـا الطـروحـات الجـديـدة
التـي أضفـاهـا القـاضـي عيـاض علـى نظـرة المسلميـن إلـى شخـص
الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم فـي كتـابـه هـذا .

نال هذا الكتاب مكانة بارزة عند العلماء حتى بلغت الشروحات والتعليقات والتخريجات لأحاديثه بحسب إحصائيـة أحد الباحثين ما يقارب الثلاثين شرحاً وتعليقاً وتخريجاً، فضلاً عن ذلك فقد اهتم علماء آخرون بالحصول على إجازة برواية الكتاب حتى بلغ عدد العلماء الذين حصلوا على إجازة بروايته كثرة كاثرة للحد الذي لم يستطع أحد إحصاءهم، الأمر الذي دفع بالمقري إلى القول: (إن عدداً لا يحصى من الأعلام رواه عنه) (أزهار الرياض في أخبار عياض لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني). وقد استمرت جهود العلماء حتى مدة متأخرة في الحصول على إجازة روايته، وقد بيّن شهاب الدين أحمد الخفاجي (ت 1069 هـ) ذلك بقوله: (وأعلم أن سندي في هذا الكتاب من طرق عالية أعلاها روايتي عن خاتمة المحدثين الشيخ إبراهيم العلقمي …) (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض لشهاب الدين أحمد محمد عمر الخفاجي المصري).

فضلاً عن ذلك فقد لاقت مضامين الكتاب ومحاوره صدى طيباً عند المخالفين له في المذهب، وذلك لموافقتها ما طرحته هذه المذاهب من أفكار ونظريات، إذ نجد مثلاً أن الخوانساري (ت 1313 هـ) قد وصف هذا الأمر بالقول: (ونقل عنه أصحابنا الإمامية كثيراً، وفيه فوائد كثيرة، وتعليقات منيفة، وأحاديث جليلة في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلّم من الولادة إلى الوفاة) (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات لمحمد باقر) .

ولم تقتصر اهتمامات العلماء بالكتاب على هذا الحد بل قام عدد منهم بتقريضه شعراً، ومن الأشعار التي قيلت فيه:
                  إن الـشـفاء شـفاء للـنـفـوس غـدت
                  تعنـى بـآثـار مـن حيـزت لـه الأثـر
                  جـاز الإلـه العيـاضي الإمام بمـا
                  يجـزي بـه كـل مـن يحـي بـه الأثـر

وأورد حاجي خليفة في مؤلفه (كشف الظنون) بعض الأبيات التي قيلت في مدح الكتاب وصاحبه وهي:
                عوضت جنات عدن يا عيـاض
                عـن الـشـفـا الـذي ألفتـه عـوض
                جمعت فيـه أحـاديث مـصـحـحة
                فهـو الشفـا لمن في قـلـبـه مـرض

                                                     

عن المدير