كتب التراجم

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة والمستقلة وتطورها
المبحث الثالث: السيرة النبوية المدمجة ضمن المصنفات التأريخية
المطلب الثاني: المناحي التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب الطبقات والتراجم

الفرع الرابع: كتب التراجم
اتجه عديد من المؤرخين إلى توثيق حياة الأشخاص والأعلام الذين يختلفون صناعة وطبقة وعصراً ومكاناً، ولكنهم يتفقون في صفة واحدة تجمعهم ألا وهي صفة الجدارة والإستحقاق بأن يترجم لهم وتدون سيرهم (التراجم والسير لمحمد عبد الغني حسن). وقد ضمن بعض المؤرخين من مصنفي هذه التراجم سيرة موجزة للرسول صلى الله عليه وسلّم في بداية مصنفاتهم التي تمثلت في الكتب الآتية:

1 . التأريخ الكبير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ):
أفرد البخاري في بدايـة كتابـه التأريخ الكبير سيرة موجزة للرسول الأعظم صلـى الله عليه وسلّم تيمناً بذكره، مردفاً هذه السيرة بأسماء المحمدين من الأعلام الذين ترجم لهم وذلك تبركاً باسم نبينا صلى الله عليه وسلّم.

إن هذه الطريقة في الإبتداء بسيرة الرسول وبأسماء المحمدين في بداية الكتاب اتخذها العلماء الذين أتوا بعده سنّة في كتبهم، إذ سار النووي (ت 676 هـ) على هذه السنّة التي سنها البخاري الذي عدّ الرائد في هذه الفكرة إذ قال النووي في مقدمته: (وابتدأ فيه بمن اسمه أحمد كما فعل أبو عبد الله البخاري والعلماء بعده رضي الله عنهم لشرف اسم النبي صلى الله عليه وسلم) (تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي)، ونجد أن مصنفات عديدة في كتب التراجم سارت على هذا المنوال في تقديم الذين تسموا باسم النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الكتاب، ومن ثم يوردون باقي الأسماء بحسب تسلسل الحروف الأبجدية (تاريخ بغداد لأحمد بن علي الخطيب البغدادي – الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي).

كسب البخاري بعمله هذا تطوراً ملحوظاً في كتابة السيرة النبوية، حين جعلها ضمن كتب التراجم أولاً، واتخاذ عمله من قبل معظم الذين أتوا بعده سنة بتقديم اسم النبي في بداية الأعلام الذين يترجمون لهم ثانياً.

كانت هذه السيرة الموجزة التي كتبها البخاري قد انحصر وجودها في غاية واحدة هي التبرك والتيمن بالإستفتاح باسم النبي صلى الله عليه وسلّم.

لم يقتصر البخاري على إدخال السيرة النبوية ضمن هذا الكتاب فحسب بل جعلها في مصنف آخر من مصنفاته (التأريخ الصغير) وقد عرض فيه جوانب محدودة من حياته الشريفة أردفها بأسماء من توفي من أصحابه في سنوات البعثة الشريفة و لا سيما بعد هجرته إلى المدينة (التأريخ الصغير).

إن كتابة أسماء من توفي من الصحابة في سنوات السيرة يعدّ نقلة نوعية وتطوراً في كتابة السيرة النبوية لأن الذين سبقوه لم ترد عندهم هذه الحالة على هذه الهيأة من التخصـص والتفرد، هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت هذه الظاهرة تمهيـداً لما نهجه ابن الجوزي في كتابه المنتظم حين خصص عنوانات مستقلة في كل سنة يعرض حوادثهـا و يذكر فيها من توفي بها من الأعلام و لا سيما في قسم السيرة منه (المنتظم)، وإن لم يشر ضمناً إلى الحافز الذي دفعه إلى ذكر هؤلاء الأعلام مع كل سنة.

هذه هي الجوانب التي أكسبها البخاري لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب التراجم من جهة وكتب السيرة الأخرى من جهة ثانية.

2 . كتـاب الثقـات لابـن حبـان البستـي (ت 354 هـ):
هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي أحد الحفاظ الكبار وأحد المصنفين المجتهدين في الحديث وعلم الرجال والفقه، تولى القضاء في بلدته التي نسب إليها إلى أن توفاه الله سنـة 354 هـ ، بعد أن ترك مصنفات عدة في الحديث والرجال، كانت محط أنظار العلماء على مدى العصور التي تلته (الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي – البدايـة والنهاية لإِسْمَاعِيلُ ابن كثير – لسان الميزان لشهاب الدين بن حجر العسقلاني).

كان لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم مكان رحب في مصنف ابن حبان، إذ كتب سيرة متكاملة للرسول صلى الله عليه وسلّم الكريم من مولده إلى أن توفاه الله وذلك بإسهاب وتفصيل (الثقات) ، وخصص له في مصنف آخر من مصنفاته حيزاً بسيطاً عرضها فيه بإيجاز (مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار لأبو حاتم ابن حبان البستي).

كان لإسهاب ابن حبان في حديثه عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم ضمن كتابه هذا أثر فعال في وجود سمات تطورية في هذا الكتاب، وهذه السمات هي:

1 . اختيـار الـرواة الثقـات وإثبـات مـرويـاتهـم عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم مـن دون تسـامـح منهـم فـي جـمـع كـل مـا يتصـل بالسيـرة مـن أخبـار وإن كـانـت ضعيفـة علـى حـد قـول قسـم مـن مصنفيهـا (دلائـل النبـوة ومـعـرفـة أحـوال صـاحـب الشـريـعـة لأحمـد بـن الحسيـن البيهقـي – الـدرر السنيـة فـي سيـرة خـيـر البـريـة لعبـد الـرحيـم بـن الحسيـن العـراقـي)، وهـذا مـا أوضحتـه عبـارتـه التـي افتتـح بهـا كتـابـه هـذا والتـي يقـول فيهـا: (ولا أذكـر فـي هـذا الكتـاب … إلا الثقـات الذيـن يجـوز الإحتجـاج بخبـرهـم … فكـل مـا أذكـره فـي هـذا الكتـاب فهـو صـدوق يجـوز الإحتجـاج بخبـره).

كـان هـذا المنحـى مـن قـبـل ابـن حبـان فـي كـتـابـه هـذا يستهـدف أمـريـن: الأمـر الأول عـدّ شخـص الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم هـو ثقـة الـثـقـات لأنـه الـمـصـدر الثـانـي الـذي تـؤخـذ منـه الأحكـام وذلك بـوسـاطـة الأحـاديـث التـي يتحـدث بهـا أو الأفعـال التـي يقـوم بهـا، إذ وضـح هـذا الأمـر فـي قـولـه: (ولا سـبـب إلـى مـعـرفـة صـحـة الأخـبـار وسـقـيـهـا إلا بـمـعـرفـة تـأريـخ مـن ذكـر اسمـه مـن المحـدثيـن …)، والأمـر الـثـانـي: هـو جـعـل سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم نمـوذجـاً يطبـق عليـه الـروايـات التـي صـرح بهـا الثقـات مـن الـرواة.

شكـل نهـج ابـن حبـان هـذا إنعطـافـة كبيـرة فـي كتـابـة السيـرة النبـويـة، وذلك باستحـداث منهـج فـي اختيـار الـروايـات التـي تكتـب فـي سـيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، مـن قبـل رواة ثقـات لا تـرقـى إليهـم الشبهـات وهـو نهـج لـم يكـن مـألـوفـاً عنـد مـن سبقـه مـن الـذيـن عـرضـوا سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه مـن المـؤرخيـن.

2 . الإهتمـام بإيـراد الأعـمـال العسكـريـة للـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم وعـدم الإكتـراث بالجـوانـب الشخصيـة والـروحيـة مـن حيـاتـه صلـى الله عليـه وسلّـم، وهـذا الأمـر راجـع إلـى إتبـاع ابـن حبـان المنهـج الحـولـي فـي كتـابـة حـوادث السيـرة ولا سيمـا الحـوادث التـي وقعت بعـد الهجـرة مبـاشـرة، إذ لـم يـرد فـي حـوادث هـذه السنـوات التـي تلت هجـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم أي ذكـر لهـذه الجـوانب التـي طـالمـا خـصـص لهـا المصنفـون الـذيـن سبقـوه قسمـاً مـن مصنفـاتهـم التـي تحـدثـوا فيهـا عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (الطبقـات الـكـبـرى لمحمـد ابـن سـعـد – أنـسـاب الأشـراف لأحمـد بـن يحيـى البَـلَاذُري – تـاريـخ الـرسـل والـمـلـوك لمحمـد بـن جـريـر الطبـري)، ولأجـل ذلك انحصـرت الجـوانب الشخصيـة لسيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم فـي القسـم الخـاص مـن حيـاتـه الشـريفـة قبـل الهجـرة وذلك فـي أمـاكـن متفـرقـة مـن هـذا القسـم، ومتـداخلـة مـع الـروايـات الـتـي وردت فـيـه.

3 . تضميـن سـيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم سلسلـة نسبـه الشـريـف مشفـوعـة بـذكـر أمـهـاتـه وجـداتـه مـن قبـل أمـه وأبيـه، مـع ذكـر تـضـارب بـعـض الآراء فـي هـذا الأمـر مـن حـيـث صحـة هـذه الأسمـاء ودقتهـا، مبينـاً ذلك بالقـول: (نسبـة رسـول الله صلـى الله عليـه وسلـم تصـح إلـى عـدنـان ومـا وراء عـدنـان فليـس عـنـدي منـه شـيء صحيـح اعـتـمـد عليـه غيـر أنـي أذكـر اختـلافـه فيـه بعضهـم لبعـض مـن ليـس ذلك مـن صنـاعتـه).

مـع كـل هـذه الإضـافـات التـي أوجـدهـا ابـن حبـان لكتـابـة السيـرة ضمـن كتـب التـراجـم بخـاصـة وكتـب السيـرة بعـامـة فإنهـا بـقـيـت رهينـة هـذا الكتـاب إذ لـم تتعـد إلـى غـيـره، إذ لـم نجـد فـي مصنفـات السيـرة التـي تلتـه أي اقتبـاس منـه أو سلـوك نهـج مـقـارب لنهـج ابـن حـبـان فـي كتـابـة السيـرة وليـس هـذا فـحـسـب، بـل أغفـل هـذا الأمـر أيضـاً مـن اتبـع خطـى ابـن حبـان فـي كـتـابـة مـصـنـف يـخـصـص لـذكـر الـثـقـاة مـن الـرواة، إذ وجـدنـا ابـن شـاهـيـن (ت 385 هـ) قـد أغـفـل كـتـابـه ذكـر سيـرة لـرسـول الله صلـى الله عليـه وسـلّـم فـي بـدايتـه عـنـدمـا سـرد أسـمـاء الـثـقـاة الـذيـن نقـل عنهـم العلـم (تـأريـخ أسمـاء الثقـات لأبـي حفـص عمـر ابـن شـاهيـن)، وإن هـذا الأمـر قـد يكـون نـاشئـاً مـن طغيـان كتب السيـرة التـي سبقتـه ورواجهـا بيـن النـاس حتـى قيـل فـي وصـف أحـدهـا: مـن أراد كتـابـة السيـرة فهـو عيـال علـى ابـن إسحـاق (تـاريـخ بغـداد لأحمـد بـن علـي الخطيـب البغـدادي)، فـضـلاً عـن ذلك فـقـد كـان لإنصـهـار هـذه السيـرة فـي مـصـنـف خـصـص لـعـرض أسـمـاء الـثـقـاة مـن الـرواة أثـر ملمـوس فـي عـدم الإقتبـاس مـن هـذه السيـرة، إذ انصبت جهـود العلمـاء علـى تتبـع آراء وأسمـاء الـذيـن أوردهـم ابـن حبـان فـي كتـابـه مـن الثقـاة الـذيـن يجـوز الإحتجـاج بـروايتهـم مـن دون النظـر إلـى مـا سبقهـا وهـي سيـرة الـرسـول، إذ كـان لـديهـم شعـور يعـدّ ذكـر ابـن حبـان لسيـرة الـرسـول فـي بـدايـة كتـابـه تبـركـاً وتيمنـاً بالإستفتـاح بـذكـر الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّـم وأحـوالـه.

هـذه هـي الجـوانـب الـتـي لمسنـاهـا فـي هـذا الكتـاب والتـي بينت المسلك الـذي انتهجـه ابـن حبـان فـي عـرضـه سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم ضمـن كـتـب التـراجـم.

3 . تهذيب الأسماء و اللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (ت 676 هـ):
هو الفقيه المحدث يحيى بن شرف بن مرسي بن حسن النووي الدمشقي الشافعي الحافظ اللغوي المشارك بالعلوم الأخرى، ومن الذين لهم الباع الطويل في الكتابة والتصنيـف (تـذكـرة الحفـاظ لشمـس الـديـن بـن عثمـان الـذهبـي – طبقـات الشـافعيـة الكبـرى لتـاج الـديـن عبـد الـوهـاب بـن تـقـي الـديتن السبكـي – مـرآة الجنـان وعبـرة اليقظـان فتي معـرفتة متا يعتبـر مـن حـوادث الـزمـان لأبـي محمد عفيـف الـديـن عبـد الله بـن أسعـد اليـافعـي).

خصـص النـووي فـي بـدايـة كتـابـه هـذا حـيـزاً ذكـر فـيـه عـرضـاً مـوجـزاً لـسـيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (تهـذيـب الأسمـاء واللغـات لمحيـي الـديـن يحيـى بـن شـرف النـووي)، مقتفيـاً بـذلـك أثـر مـن سبقـه تيمنـاً وتبـركـاً بـذكـر سيـرة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم يفتتـح بهـا كتـابـه، إذ بيـن هـذا الأمـر فـي مقـالتـه: (ومقصـودي فـي تشـريف الكتـاب بـتـصـديـر لبعـض أحـوال الـمـصطـفـى صلـى الله عليـه وسلـم والحبيـب المجتبـى لأنـه خـيـرة العـالـم وخـاتـم النبييـن وإمـام المتقيـن وسـيـد المـرسليـن هـادي الأمـة ونبـي الـرحمـة وزاده فضـلاً وشـرفاً لـديـه).

انتهـج النـووي كسـابقيـه مـنـحـى الإختصـار فـي ذكـر تفـاصيـل السيـرة التـي كـان الهـدف مـن كتـابتهـا التبـرك والتيمـن، الأمـر الـذي جـعـلـه يختصـرهـا إلـى هـذا المقـدار، إذ أوضـح هـذا الأمـر بالقـول: (واعلـم أن أحـوال رسـول الله صلـى الله عليـه وسلـم وسـيـره ومـا أكـرمـه الله بـه ومـا أفـاضـه علـى العـالميـن مـن آثـاره صلـى الله عليـه وسلـم غيـر محصـور ولا يمكـن استقصـائهـا لا سيمـا فـي هـذا الكـتـاب المـوضـوع بالإشـارة إلـى نـبـذ مـن عيـون الأسمـاء ومـا يتعلـق بهـا وفيمـا ذكـرتـه تنبيهـاً علـى مـا تـركتـه).

لأجـل ذلك كـانـت هـذه الـسـيـرة التـي تضمنهـا كتـاب النـووي هـذا تقليـديـة ومفتقـرة للتـجـديـد والـتـطـور، باستثنـاء عــقـده فـصـلاً مستقـلاً للحـديـث عـن خـصـائـص الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم فـي الأحـكـام وغيـرهـا، إذ عـدّ النـووي نفسـه عملـه هـذا قـفـزة نـوعـيـة فـي كـتـابـة السيـرة، إذ يـقـول مبينـاً هـذا الأمـر: (وهـذا فصـل نفيـس وعـادة أصحـابنـا يـذكـرونـه فـي أول كتـاب النكـاح لأن خصـائـصـه صلـى الله عليـه وسـلـم فـي الـنـكـاح أكـثـر مـن غـيـره وقـد جمعتهـا فـي الـروضـة مستقصيـاً لهـا ولله الـحـمـد، وهـذا الكتـاب لا يحتمـل بسطهـا وأشيـر فيـه إلـى مـقـاصـدهـا مـخـتـصـرة إن شـاء الله)، وبـعـمـلـه هـذا أسـهـم إسـهـامـاً جـاداً فـي إيجـاد منحـى تـوثيقـي بيـن كـتـب الـفـقـه والحـديـث مـن جـهـة وكـتـب المـؤرخيـن مـن جـهـة أخـرى فـي مـا يخـص سـيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه خـلالهـا.

كـانـت هـذه السيـرة التـي كتبهـا النـووي مـشـابهـة لمثيـلاتـهـا مـن السيـر التـي كـتـبـت فـي مصنفـات التـراجـم مـن حـيـث عـدم اعـتـمـاد المهتميـن بالسيـرة عـلـى مثـل هـذه الـكـتـب، إذ لـم يقتبسـوا أي نـص مـن نصـوصهـا ولـم ينـاقشـوا أيـة روايـة وردت فيهـا، باستثنـاء تعليـق السخـاوي (ت 902 هـ) عـمّـا أورده النـووي مـن ذكـر لأعـداد خـدام النبـي ومـواليـه، إذ عـدّد مـوالـي النبـي وخـدامـه بنحـو (130) نفـس مـن الأرقـاء: مـن الـرجـال (70) ومـن النسـاء (30) ومـن الخـدم الأحـرار نحـو (30) نفسـاً.

وفـي خـتـام الحـديـث عـن تـطـور كتـابـة السيـرة ضمـن كتب الطبقـات والتـراجـم نـرى أن المصنفـات التـي كتبـت فـي هـذه الـمـحـاور قـد إنـعـدم فـي معظمهـا الـتـجـديـد والتطـويـر، بسبب مـن الأهـداف والدوافـع التـي مـن أجلهـا صنفت هـذه الكتب والتـي تـركـزت فـي مجـرد عـرض سيـرة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم مفتتحة إيـاهـا مـن أجـل التبـرك والتيمـن بـذكـر اسمـه الشـريـف عنـد ذكـر أسمـاء الأعـلام الـذيـن يتـرجـم لهـم فـي هـذه الـكـتـب.

ولأجـل ذلك نـرى أن أثـر هـذه المصنفـات مـحـدود فـي تطـور كتـابـة السيـرة، لا مـن نـاحيـة جعـل سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم ضمـن هـذه المصنفـات الـذي هـو تطـور بحـد ذاتـه، بـل مـن نـاحيـة عـدم وجـود لمسـات تجـديد فـي وجهـة نظـر كـل واحـد مـن هـؤلاء المصنفيـن، لأنهـم فـي أثـنـاء عـرضهـم سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم ضمـن مصنفـاتهـم لـم يكـونـوا يـريـدون أن يثبتـوا حجـة مـا، أو ينـاقـشـوا الـروايـات، أو أن يضيفـوا أسـلـوبـاً مغـايـراً لمـا اعتـادوه، بـل كـان عـرضهـم سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم مجـرد عـرض أولـي وبسيـط لا يتجـاوز تكـرار مـا ذكـرتـه المصنفـات السـابقـة؛ وهـذا الأمـر قـد أشـار إليـه أحـد البـاحثيـن فـي قـولـه: (وإذا كـان مـن الحـق أن نقـول إن كتـاب التـراجـم لـم يعنـوا بالنقـد والتحليـل والتعليـل فـي تـرجمـة الـرجـال أكثـر ممـا عنـوا فـي سـرد أخبـارهـم وذكـر آثـارهـم ونقلهـم بعضهـم عـن بـعـض حتـى تـشـابـهـت العبـارات فـي مـصـادر التـرجمـة) (حسـن التـراجـم والسيـر لمحمـد عبـد الغنـي). وإذا كـان ثمـة تـطـور يـذكـر فهـو فـي إدخـال السيـرة النبـويـة الشـريفـة ضمـن كتـب تخصصـت فـي مجـال الطبقـات والتـراجـم للصحـابـة والتـابعيـن والأصفيـاء والصـالحيـن والخلفـاء و … الخ لا غير.

وكـانـت هنـالك مصنفـات أخـرى أدمـجـت السيـرة النبـويـة ضمـن مبـاحـث كتبهـا، ولكـن هـذه المصنفـات لـم تكـن مـصـنـفـات تـأريخـيـة بـالـدرجـة الأولـى بـل كـانـت علـى قسميـن:
القسـم الأول: كـتـب الحـديـث، إذ خـصـص بـعـض المحـدثيـن قسمـاً مـن كتبهـم للحـديـث عـن سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عـليـه وسـلّـم وأحـوالـه (الصحيـح للإمـام الحـافظ محمد بـن إسمـاعيـل البخـاري – الصحيـح للإمـام أبـو الحسيـن مسلـم النيسـابـوري – الجـامـع المختصـر مـن السنـن عـن رسـول الله ومعـرفـة الصحيـح والمعلـول ومـا عليـه الـعـمـل لمحمـد بـن عيسـى السلمـي البـوغـي التـرمـذي).
والـقـسـم الثـانـي: كـتـب الثقـافـة الـعـامـة وهـي الكـتـب التـي تعنـى بتسجيـل الأخـبـار والحكـايـات التـي تصلـح للأسـمـار وتحقق المتعـة للـقـراء فـهـي تعنـى بكـل غـريـب وطـريـف مـن الـروايـات وتـمـتـاز بتنـاولـهـا للـمـواضـيـع بالسطحيـة والإستطـراد بحيـث أن المـؤلـف ينتقـل فـي كتـابـه مـن حـديـث إلـى مقطـوعـة شعـريـة إلـى حكمـة أو خطبـة ومـن نبـذة تـاريخيـة إلـى بحـث للحيـوان أو النبـات (نظـرة فـي حـركـة التـأليـف عنـد العـرب لأمجـد الطـرابيشـي – تـاريـخ العلمـاء وفهـارس المصنفـات فـي المصـادر العـربيـة لصـالـح أحمـد العلـي). وهـذه الكتـب تعـد مـن ضمـن كـتـب الأدب، وقـد حـوت بـعـض هـذه الكتـب سـيـرة للـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم متـبـايـنـة مـن حـيـث الحجـم والكـم (المعـارف لعبـد الله بـن مسلـم ابـن قتيبـة – العقـد الفـريـد لأحمـد بـن علـي ابـن عبـد ربـه الأنـدلسـي).

وهـذا مـا بيـن أن الـمـؤرخيـن لـم يـكـونـوا وحـدهـم هـم الـذيـن أدخـلـوا سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم فـي مصنفـاتـهـم بـل تبعهـم فـي ذلك بعـض العلمـاء الـذيـن حـوت كتبهـم هـي الأخـرى عـرضـاً لـسـيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، الأمـر الـذي شـكـل تـطـوراً مـلـحـوظـاً فـي كـتـابتهـا مـن جـانـب، وتعـريـف الأجيـال بالتـرابـط الصميمـي بيـن كتـب السيـرة والنتـاجـات الفكـريـة الأخـرى للمسلميـن مـن حيـث إن السيـرة النبـويـة الشـريفـة تمثـل الإنعطـافـة المهمـة فـي تـأريخهـم الحضـاري مـن جـانـب آخـر.

                                                     

عن المدير