كتب طبقات أخرى

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة والمستقلة وتطورها
المبحث الثالث: السيرة النبوية المدمجة ضمن المصنفات التأريخية
المطلب الثاني: المناحي التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب الطبقات والتراجم

الفرع الثالث: كتب طبقات أخرى
بقـي أن نـذكـر أن كـتـب الطبقـات لـم تـكـن مقتصـرة عـلـى شـريحـة كبيـرة مـن النـاس متمثلـة بصحـابـة الـرسـول صلـى الله عـلـيـه وسـلّـم أو تـابعيهـم، بـل تـعـدت ذلك إلـى التخصـص فـي التـرجـمـة للأئـمـة الإثـنـي عشـر مـن أهـل الـبـيـت عليهـم السـلام، أو فـي التـرجمـة للأصـفـيـاء والصـالـحـيـن، أو فـي التـرجمـة للخلفـاء الـراشـديـن وخلفـاء بنـي أميـة وبنـي العبـاس، وكـتـب الطبقـات هـذه شـمـلـت:

أ . أئمة أهل البيت عليهم السلام:
والتـخـصـص فـي كتـابـة تـرجمـة للأئـمـة عليهـم السـلام، قـد شـمـل جمـاعـة مـن المصنفيـن جعلـوا سيـرة الرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم فـي بـدايـة كتبهـم، وقـد وصـلـت إلينـا مصنفـات عـدة كـتـبـت فـي هـذا الجـانـب هـي:

1 – إعلام الورى بأعلام الهدى للفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ):
كـانـت المصنفـات التـي سبقـت مصنـف الطبـرسـي هـذا والتـي شـاركتـه فـي الـمـوضـوع قـد أغـفـلـت كتـابـة سيـرة مستقلـة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (الإرشـاد إلـى مـعـرفـة حجـج الله عـلـى العبـاد للشيـخ المفيـد محمد بـن محمد النعمـان)، إذ استغـرب الطبـرسـي مـن ذلك حتـى أوضـحـت مـقـدمة كتـابـه هـذا الأمـر: (إذ كـان رسـول الله صلـى الله عليـه وسلـم هـو الشجـرة وهـم أغصـانهـا والـدوحـة وهـم افنـائهـا ومـنـبـع الـعـلـم وهـم عيبتـه ومعـدن الحكـم وهـم خـزانتـه … فهـو أولـى أن يقـدم فـي الـذكـر وتبييـن آيـاتـه النـاطـقـة بـرسـالاتـه وأعـلامـه الـدالـة علـى نـبـوتـه ومـعـاجـزه … )، ولأجـل ذلك افـتـتـح كتـابـه بعـرض مـوسـع لسيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم شـغـلـت حيـزاً كبيـراً منـه قيـاسـاً بحجـم بـاقـي الكتـاب الـذي خـصـص للحـديـث عـن حيـاة الأئمـة عليهـم السـلام، مـع العلـم إنـه قـد أراد اختـزالهـا إلـى أقـل حـد ممكـن كمـا أشـار إلـى ذلك فـي مـواطـن عـديـدة مـن هـذا الكتـاب.

أصبح منحى الطبرسي هذا سنة اتبعها كل من حاول الكتابة والتصنيف في حياة الأئمة وأحوالهم وذلك بالإفتتاح بذكر سيرة الرسول وأحوالـه.

ومـن هنـا نـرى أن الطبـرسـي بمنحـاه هـذا قـد إتجـه إلـى إدخـال السـيـرة النبـويـة فـي مصنفـات لـم يـسـبـقـه إليهـا أحـد، ونتيجـة لعمـل الـطـبـرسـي الـرائـد هـذا ظهـرت فـي السيـرة التـي كتبهـا مـلامـح تجـديـديـة نستطيـع عـدّها جـوانب تـطـوريـة فـي كـتـابـة الـسـيـرة ضـمـن مـصـنـفـات سـيـر الأئـمـة، وهـذه الـمـلامـح أو الـجـوانب الـتـطـوريـة هـي:

1 . الإعتمـاد علـى مـصـادر لـم يـعـتـمـد عليهـا سـابقـوه مـن كتـاب الـسـيـرة بعـامـة، وهـذه المصـادر تمثلـت بالمصنفـات الـتـي كـتـبـهـا إبـان بـن عـثـمـان البجلـي (ت 153 هـ)، عـن سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه، والتـي ذكـرتهـا المصـادر الـتـي تـرجـمـت لـهـم. فالـطـبـرسي بـهـذا الـعـمـل قـد حـفـظ لنـا نصـوصـاً مـن كتب أغفـل الـذيـن سـبـقـوه النقـل منهـا فـي السيـر التـي كـتـبـوهـا، وكـانـت هـذه الـنـقـول مـن الكثـرة بمكـان حتـى شـمـلـت معظـم أجـزاء السيـرة التـي افتتـح بهـا الطبـرسـي كتـابـه تيمنـاً بـرسـول الله صلـى الله عليـه وسلّـم.

ويعدّ اعتمـاد الـطـبـرسي عـلـى تلك المصنفات راجعـاً إلـى أنـه أخـذ مـن مـوارد تـوافـقـه في الميول والإتجاهات، فهـو بعملـه قـد اقتبـس مـن مصنفـات لـم تشتهـر عـنـد عمـوم المسلميـن كقـرينـاتهـا الأخـرى لتبـايـن وجهـات النظـر بيـن مصنفيهـا فـي بـعـض الـمـسـائـل الـتـي اخـتـلـفـت الآراء فـيـهـا، وقـد وجـدت هـذه الآراء بـعـض الـمـواطـن لـهـا بيـن طـيـات الـسـيـرة الـتـي تضمنهـا هـذا الكتـاب.

مـع هـذا كـلـه فالـطـبـرسـي لـم يـجـعـل مـن هـذه الـمـصـادر التـي اتفقت معـه فـي الآراء والمشـارب حكـراً علـى كـتـابـه بـل كـانـت هـنـاك نـقـول مـن مـصـادر أخـرى وجـدت لـهـا مـكـانـاً طـيـبـاً فـي هـذا الـكـتـاب.

2 . حـوى كتـابـه بعـض الـردود والمحـاججـات الـكـلاميـة مـع أصحـاب المـلل المنكـرة للنبـوة ولمعـاجز الـرسـول صلـى الله عليـه وسـلّـم، حـتـى اضـطـر إلـى قطـع هـذه المحـاججـات والـردود كمـا أشـار إلـى ذلك، خـوفـاً مـن الإطـالـة فـي إيـرادهـا إذ قـال: (ولـو ذهبنـا لضبـط مـا سطـره المتكلمـون فـي هـذا البـاب مـن كـلام ومـا فيـه مـن السـؤال والجـواب لطـال بـه الكتـاب وفـي مـا ذكـرنـاه هـا هنـا مـقـنـع وكـفـايـة لـذوي الألـبـاب).

هـذه هـي الجـوانـب التـي لاحـظ الـبـحـث أنـهـا إضـافـات أدخـلـهـا الـطـبـرسـي عـلـى كتـابـة السيـرة النبـويـة جـنـبـاً إلـى جـنـب سـيـر الأئـمـة عـلـيـهـم الـسـلام.

2. مناقب آل أبـي طـالب لأبـي جعفـر محمد بـن علـي بـن شهـر آشـوب (ت 588 هـ):
هـو أبـو جعفـر رشيـد الـديـن السـروي مـن كبـار أعـلام الشيعـة الإمـاميـة وعلمـائهـم، ومـن الـذيـن كـان لهـم البـاع الطـويـل فـي علـوم القـرآن والغـريب والنحـو حتـى قيـل فيـه: (ابـن شهـر آشـوب عنـد الشيعـة كالخطيـب البغـدادي عنـد أهـل الـسـنـة) (الكنى والألقاب لعباس بن أبي القاسم القمي).

صنـف ابـن شـهـر آشـوب كـتـابـه الـمـنـاقـب عـلـى غـرار كـتـاب الـطـبـرسـي آنـف الـذكـر بـل كـان الأخـيـر أحـد مـصـادره، إذ خـصـص قـسـمـاً كبيـراً مـن هـذا الكتـاب للحـديث عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه.

أسهمـت هـذه الـسـيـرة الـتـي تـضـمـنـهـا هـذا الـكـتـاب فـي تـطـور مـلـحـوظ بكتـابـة السيـرة ضـمـن كتـب سيـر الأئـمـة، وذلك للمنحـى المغـايـر الـذي إنتهجـه فـي عـرضهـا والـذي خـالـف فيـه سـابقـه الطبـرسـي عنـد عـرضـه لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، إذ تـمـثـل هـذا المنحـى بجـوانـب عـدة هـي:

1 . إن المقـاصـد والغـايـات التـي كـتـب بهـا ابـن شـهـر آشـوب السيـرة فـي كتـابـه هـذا هـي مقـاصـد وأهـداف كـان وراءهـا حـافـز عقـائـدي تمـثـل بـدحـض بـعـض الآراء والأفـكـار التـي أثـيـرت عـلـى طـائفتـه، فـضـلاً عـن تصحيـح بعـض الأخطـاء التـاريخيـة الشـائـعـة فـي نـظـره، كـمـا أشـار إلـى ذلك فـي مـقـدمـة كـتـابـه الـتـي افتتحهـا بالـقـول: (لـمـا رأيـت كـفـر العـداة والشـراة بـأميـر المـؤمنيـن ووجـدت الشيعـة والسنـة فـي إمـامـتـه مختلفيـن وأكـثـر الـنـاس عـن ولاء أهـل الـبـيـت نـاكـصـيـن وعـن ذكـرهـم هـاربـيـن وفـي عـلـومهـم طـاعنيـن ولمحبتهـم كـارهيـن انتبهـت مـن نـومـة الغـافليـن، فصـار لـي ذلك لطفـاً فـي كشف الأحـوال والنظـر فـي اختـلاف الأقـوال … فنظـرت بعيـن الأنـصـاف ورفـضـت مـذهـب التعصـب في الخـلاف وكـتـب علـى نفسـي أن أميـز الشبهـة مـن الحجـة والبـدعـة مـن السنـة وأفـرق بـيـن الصحيـح والسقيـم والحـديـث والقـديـم وأعـرف الحـق مـن البـاطـل والمفضـول مـن الفـاضـل وأنصـر الحـق وأتبعـه وأقهـر البـاطـل وأقمعـه وأظـهـر مـا كتمـوا، وأجمـع مـا فرقـوا، وأذكـر مـا أجمـع عليـه واختلفـوا فيـه علـى مـا أدتـه الـروايـة وأشيـر إلـى مـا رواه الخـاصـة … فاستصـوبـت مـن عيـون كـتـب العامـة والخاصـة معـاً لأنـه إذا أتـفـق المتضـادان فـي النقـل على خبـر فالخبـر حاكم عليهمـا، وشاهد للمحق فـي اعتقـاده منهما وإذا اعـتـقـدت فـرقـة خـلاف مـا روت ودانـت بـضـد مـا نـقـلـت وأخبـرت) (مـنـاقـب آل أبـي طـالـب)، فـضـلاً عـن وجـود بـعـد أخـلاقـي وديـنـي فـي الـكتـاب وذلك فـي قـولـه: (ونظمتـه للمعـادي لا للمعـاش، وأدخـرتـه للـديـن لا للـدنـيـا. فـأسـأل الله تـعـالـى أن يجعلـه سبـب نجـاتـي وحـط سيئـاتـي ورفـع درجـاتـي إنـه سميـع مجيـب) (مـنـاقـب آل أبـي طـالـب). أمـا الـطـبــرســي فـقــد كـانـت غـايـتــه أخـلاقـيــة بالـدرجــة الأولــى كـمـا وضـحـت ذلـك مـقـدمــة كـتـابـه (إعـلام الـورى).

2 . عقـد ابـن شهـر آشـوب فـي بـدايـة كتـابـه مبحثـاً مستقـلاً عـرض فيـه مصـادره التـي اعتمـد عليهـا فـي كتـابـه (منـاقـب آل أبـي طـالـب)، وهـذا يعـدّ تبـويبـاً منهجيـاً متطـوراً للكتـاب وفصـولـه بعكـس مـا نهجـه الطـبـرسـي حيـن أورد المصـادر جنبـاً إلـى جنـب مـع الـروايـات التـي أثبتهـا فـي كتـابـه (إعـلام الـورى)، علمـاً أن هنـاك ظـاهـرة وجـدت فـي بعـض المصنفـات التـأريخيـة التـي كتبـت فـي القـرنيـن الخـامـس والسـادس الهجـرييـن، وهـي كتـابـة ثبـت بـأسمـاء المصـادر المعتمـدة فـي بـداية الـكـتـب (التنبيـه والإشـراف لأبـي الحسـن عـلـي بـن الحسيـن المسعـودي – الإستيعـاب فـي مـعـرفـة الأصـحـاب ليـوسـف ابـن عبـد البـر – تـاريـخ العظيمـي الصغيـر لمحمـد بـن علـي العظيمـي الحلبـي)، واسـتـمـرت هـذه الظـاهـرة حـتـى وقـت مـتـأخـر (الاكتفـا فـي مغـازي رسـول الله و الثـلاثـة الخلفـا لسليمـان بـن مـوسـى الكـلاعـي – عيـون الأثـر في فنـون المغـازي والشمـائـل والسيـر لأبـو الفتـح محمد بـن سيـد النـاس – الـوافي بالوفيـات لصـلاح الديـن خليـل بـن أيبـك الصفـدي).

3 . عـرض ابـن شـهـر آشـوب فـي هـذه الـسـيـرة الأشـعـار الـتـي قيلـت فـي حـوادث السيـرة، إذ أشـار فـي بـدايـة كـتـابـه إلـى هـذا المـنـحـى قـائـلاً: (ثـم وشـمـت هـذه الأخبـار بشـواهـد الأشعـار) (مـنـاقـب آل أبـي طـالـب)، أمـا الطبـرسـي فقـد كـانـت الـشـواهـد الـشـعـريـة الـتـي ذكـرهـا فـي سـيـرتـه للـرسـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلّـم قليلـة إذا مـا قـورنـت بـالأشعـار الـتـي ذكـرها ابـن شـهـر آشـوب (إعـلام الـورى).

هذه هي أوجه الإختلاف بين منحى كل من ابن شهر آشوب والطبرسي في كتابة السيرة النبوية ضمن كتب سير أئمة أهل البيت عليهم السلام.

لـم تقتصـر السيـرة التـي كتبهـا ابـن شـهـر آشـوب عـلـى هـذه المحـاور التقليـديـة والمـألـوفـة فـي المصنفـات العـديـدة التـي سبقتـه فـي الكتـابـة عـن سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم سـواء أكـانـت مستقلـة أم مـدمـجـة، بـل وجـدنـا فـي طيـاتهـا منحـى تـطـوريـاً فـي كـتـابـة السيـرة بعـامـة نضيفـه إلـى أوجـه الإختـلاف التـي عـرضنـاهـا آنفـاً بيـن السيـرة التـي كتبهـا هـو والتـي كتبهـا الطبـرسـي وقـد تمثـل هـذا المنحـى التطـوري بجـوانـب عـدة:

1 . أورد قـصـائـد الـشـعـراء الـمـتـأخـريـن عـن عـصـر الـرسـالـة الـذيـن صـوروا فيهـا سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه بكثـرة مفـرطـة (مـنـاقـب آل أبـي طـالـب)، ويعـدّ هـذا الأمـر سـابقـة لـم تـألفهـا المصـادر التي سبقتـه، وإن دل هـذا علـى شـيء فإنمـا يـدل علـى الـرغبـة فـي إيـراد متـابعـات الحـوادث بالقصـائـد التـي عبـرت عـن عـواطـف وأحـاسـيـس قـائـلـيـهـا فـي مـا تضمنتـه تلك الحـوادث مـن أمـور حـركـت هـذه الـعـواطـف والأحـاسـيـس الـتـي كـانـت تـصـف مـجـريـاتهـا الـدقيقـة، وقـد تبـاينت تلك القصـائـد فـي الطـول والقصـر، فبعضهـا يتكـون مـن أربعـة أو خمسـة أبيـات، فـي حيـن تجـاوزت الأخـرى ذلك بكثيـر.

استمـر هـذا المنحـى عـنـد الـمـتـأخـريـن عـنـه إذ أخـذوا بتطعيـم حـوادث السيـرة بمـا قيـل فـي وصفهـا مـن شعـر لـدى الـمـتـأخـريـن عـن عـصـر الـرسـالـة (محـاضـرة الأبـرار ومسـامـرة الأخـيـار فـي الأدبيـات والنـوادر والأخـبـار لمحيـي الـديـن محمد ابـن عـربـي الحـاتـمـي – عيـون الأثـر فـي فـنـون المغـازي والشمـائـل والسيـر لمحمـد ابـن سيـد النـاس – الـوافـي بالـوفيـات لصـلاح الـديـن خليـل بـن أيبـك الصفدي)، وإن لم يكن بالضرورة تـأكيـد أن ابـن شهـر آشـوب هـو أول مـن اتجـه إلـى هـذا المنحـى مـع العلـم أن المصنفـات التـي وصلـت إلينـا عـن سيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم بمختلـف أنـمـاط كـتـابـتـهـا حـتـى عـصـر ابـن شـهـر آشـوب لـم يـكـن فـيـهـا مـثـل تـلـك الـقـصـائـد والأبـيـات الـشـعـريـة.

2 . عـقـد فـصـلاً مستقـلاً فـي هـذه السيـرة تحـدث فيـه عـن الخصـائـص التـي خـص الله بهـا نبيـه الكـريـم محمد بـن عـبـد الله صلـى الله عليـه وسلّـم مـن دون الأنبيـاء والبشـر أسمـاه (فـصـل فـي مـا خـصـه الله مـن اللـطـائـف)، وهـذه الـخـصـائـص أو اللـطـائـف لـم تـكـن موجـودة فـي المصنفـات التـي سبقتـه بهـذه الإستقـلاليـة، واللطـائـف تعنـي الإتحـافـات الـربـانيـة التـي حبـا بهـا الله سبحـانـه وتعـالـى نبيـه الكـريـم فـي الـرفـق والـعـمـل والـبـر والتكـرمـة والتحفـي (ابن منظور، لسان العرب).

وهذا الشروع الجديد من نوعه من قبل ابن شهر آشوب كان أحد العوامل التي ساعدت على ظهور كتابات مستقلة في خصائص الرسول.

3 . تقسيمـه لمعجـزات الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم علـى أقسـام متعـددة هـي مـعـجـزات أقـوال ومعجـزات أفـعـال ومـعـجـزات ذاتيـة فـي نفسـه. وهـذا التقسيـم لـم يكـن مـألـوفـاً عنـد مـن أحصـى تلك المعجـزات سـواء أكـان إحـصـاؤه فـي مـصـنـفـات الـسيـرة المستقلـة، أم المـدمـجـة فـي الـكـتـب الأخـرى، أم فـي أحـد جـوانبهـا المستقلـة، حـيـث كـانـت هـذه المصنفـات عنـد إيـرادهـا هـذه المعجـزات تحصيهـا علـى وفـق أسبقيتهـا الـزمـنـيـة مـدمـجـة مـع دلائـل وأعـلام نبـوتـه، أو تقسيـم هـذه الـدلائـل علـى وفـق الحـوادث، كمـا أشـارت إلـى ذلك المصنفـات التـي اخـتـصـت بهـذا الجـانـب مـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم.

شـكـل هـذا الإهتمـام بالـجـانب الـروحي والإعـجـازي فـي سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلّـم عـنـد ابـن شهر آشـوب حيـزاً كبيـراً فـي كتـابـه هـذا و لا سيمـا فـي قسـم السيـرة منـه (مـنـاقـب آل أبـي طـالـب)، مـمـا يـبـيـن أثـر هـذا الجـانـب ومكـانتـه عنـد ابـن شـهـر آشـوب وطبيعـة نظـرتـه إلـى شخصيـة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه.

هـذه هـي الجـوانب التـي أضفـاهـا ابـن شـهـر آشـوب عـلـى كـتـابـة الـسيـرة ضمـن كتب الـطـبـقـات متمـا شـكـلـت نقطـة تحـول بـارزة فـي كتـابـة السيـرة النبـويـة ضمـن هـذه الـكـتـب.

ب . طبقـة الأصفيـاء والصـالحيـن والـزهـاد:
كـان للدافع الأخلاقي الدور الفعال عند العلماء بعامة، والمؤرخين بخاصة ولا سيما في الإتجاه إلى الكتابة في توثيق حياة الأصفياء والصالحين في مصنف يحوي تراجمهم، وهـذا ما وضحته مقدمات هذه المصنفات التي سنتناولها على وفق أسبقيتها الزمنية، مع تبيان أثر هذا الحافز في كتابتها وابتداء بعضها بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم، وذلك لكون شخصية الرسول صلى الله عليه وسلّم القدوة والمثال لجميع شخصيات المسلمين بوصفه الأسوة الحسنة إمتثالاً لما أمرهم الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} سورة الأحزاب، الآيـة: 21)، ولأجل هذا الدافـع كانت هذه المصنفات فاقدة لأي طابع تطوري عند كتابتها لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم ضمن صحائفها التي شملت مصنفات عدة هي:

1 . صفـة الصفـوة لعبـد الـرحمـن بـن الجـوزي (ت 597 هـ):
أوضـحـت مـقـدمـة ابـن الـجـوزي لـهـذا الـكـتـاب أثـر العـامـل الأخـلاقـي فـي كتـابتهـا، حـيـن بيـن فيهـا سـبـب إدخـالـه السيـرة ضـمـن هـذه الكتب، إذ خـص هـذا الكتـاب منهـا بحيـز كبيـر افتتحـه بهـا (صفـوة الصفـوة)، إذ وضـح هـذا العـامـل بالقـول: (ولـمـا سـمـيـت كـتـابـي هـذا صـفـة الـصـفـوة رأيت أن افتتحـه بـذكـر نبينـا محمد صـلـى الله عليـه وسـلّـم فـإنـه صـفـوة الخلـق وقـدوة العـالـم)، ثـم يـؤكـد دافعـه الأخـلاقـي فـي مـكـان آخـر بالقـول: (إن كتـابنـا هـذا إنمـا وضـع لمـداواة القلـوب وإصـلاحـهـا).

لـم يكـن فـي هـذه السيـرة التـي تضمنهـا هـذا الكتـاب أي تطـور ملحـوظ، إذ كـانـت الجـوانـب التـي تـطـرق لـهـا مـألـوفـة فـي معظـم المصنفـات التـي عـرضـت سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، ومـن ثـم فـقـد كـانـت هـذه السيـرة مـجـرد إعـادة وتـكـرار لمـا كـتـب سـابـقـاً.

2 . أنباء نجباء الأنباء لمحمد بن ظفر الصقلي (ت 565 هـ):
ضـمـن ابـن ظـفـر كـتـابـه هـذا سيـرة مـوجـزة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم فـي بـدايتـه، مـعـللاً ذلك بالقـول: (افتتحتـه بـذكـر سيـدنـا المصطفـى صلـى الله عليـه وسـلـم بالتيمـن بـذكـره والتشـرف بالإيـمـاء إلـى شـرف قـدره … إذ هـو الـواسـطـة الثمينـة والفـريـدة الكـريمـة التـي أقـر الله بهـا عيـن ابـن آدم والصفـوة مـن بعـده).

بينـت هـذه الـمـقـدمـة الـدور الـذي لـعـبـه الحـافـز الأخـلاقـي فـي مفتتـح كـتـابـه هـذا، حيـن كـانـت سيـرتـه هـي الأخـرى مجـرد عـرض بسيـط لبعـض الحـوادث الـرئيسـة.

لم يقتصر هذا الحافز على المصنفـات التي كتبت في المدة قيد الدراسة بل وجدنا أحد المتأخرين وهو علي بن صدقة السرميني (ت 821 هـ) قد حفزه هذا العامل الأخلاقي على تضميـن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في مصنفه الذي تحدث فيه عن أخلاق العباد وذكر الأعلام الذين تساموا في أخلاقهم وتصرفاتهم (درة الأبكار في وصف الصفوة الأخيار)، حيث وضح أثر هذا العامل بقوله: (استخرت الله … العليم في جمع أوراق أذكر فيها طرفاً من أخبار السلف الصالحين وابتدأ فيه بذكر النبي العربي وهو أولى من غيره بالذكر ومن بعده … فلعل الله برحمته ومنة فضله يشركني لذلك في الأجر معهم ويدخلني بينهم و إن لم أكن منهم ولا سيمـا وأني أحبهم والمرء مع من أحبه) (درة الأبكـار فـي وصـف الصفـوة الأخيـار).

هذه هي المصنفـات التي جعلت من الحافز أو الدافع الأخلاقي مقصداً لها في إدخال السيرة النبوية ضمن كتب الأصفياء والصالحيـن والتي لـم نجد فيهـا أي تطور لكتابـة السيرة لأن هدفهـا قد أنصب على تهذيب النفـوس التـي انغمست فـي المعاصـي وتركـت العلم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلّم وصحابته وطريقـة عيشهـم.

ج . طبقة الخلفاء:
هذه طبقة أخرى خصهـا المؤرخون بالتصنيف في مصنفـات مستقلـة يتحدثـون فيهـا عن كل واحد منهم، إذ أسمـى حاجي خليفـة هـذا النـوع مـن التصنيـف بعلـم تأريـخ الخلفـاء، وعرفه بقولـه: (وهـو من فروع التواريخ وقـد أفـرد بعـض العلماء تأريخ الخلفـاء الأربعة وبعضهم ضم معهم الأمويون والعباسيون للإشتمال على مزيـد الإعتبـار وقد سبق ما صنفـوا منه) (كشف الظنون عن أسامي الفنون لحاجي خليفة).

أدخل معظم مصنفـي هذه الكتب سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في بدايتهـا وذلك لإكمال الحلقة المفقـودة بوجود الخليفـة وغياب المستخلف، وكانت السير التي تضمنتهـا مصنفـات طبقـة الخلفـاء عبـارة عن تكـرار وإعادة لما ذكر في مصنفـات سابقـة عن سيرة الرسـول صلى الله عليه وسلّم، ومن المصنفات التي وصلت إلينـا:

1 . تأريخ الخلفاء لأبي عبد الله محمد بـن ماجه (ت 273 هـ):
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني مصنف السنن والتأريخ والتفسير والتراجم (تذكرة الحفاظ لشمس الدين بن عثمان الذهبي – تهذيب التهذيب لشهاب الدين بن حجر العسقلاني).

صنف ابن ماجه كتابه هذا ابتداء بعصر الرسول صلى الله عليه وسلّم وانتهاء بعصر المستكفي العباسي، وأمتاز هذا الكتاب بالإقتضاب والإختصار باستعـراض الحوادث التي ذكرهـا بين هذين العصرين ومن ضمنهـا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم التي لم تشغل منه سوى ورقات قليلة جداً أشار فيهـا إلى الحوادث المهمـة التي وقعت في عصـر الرسالة، وهذا الإختصـار الشديد لم يدع ابن ماجه أن يظهـر أي أثـر أو منحـى تطوري في هذا الكتاب ولا سيما في قسم السيـرة منه، بل كان مجرد عـرض سريـع لأسماء الخلفاء الذين تولوا إمرة المسلميـن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

2 . مختصر تأريخ الخلفاء لأبي محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطي (ت 350 هـ) :
كان هذا المصنّف من العلماء البارزين في عصره الذين سكنوا بغداد ودرسوا فيها، برع في معرفـة أيام الناس وأخبار الخلفاء، وكان يتحرى الصدق في إيراد أخبارهم كما أشارت إلى ذلك الكتب التي ترجمت له (الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي – التأريخ العربي والمؤرخون لمصطفى شاكر).

عرض الخطي في كتابه هذا سيرة موجزة للرسول صلى الله عليه وسلّم في ورقات يسيرة، كان الهدف من إيجازها تسهيل مهمة حفظها وكتابه المختصر الذي يقول في مقدمته: (هذا كتاب مختصر من كتاب تأريخ الخلفاء وتـأريـخ إقـامـتـهـم و أعمـارهـم و صـفـاتهـم … فـإن ذلـك في الكتاب الكبير مرسوم وأسقطته ها هنا ليقرب متناولـه ويسهل حفظه)، إذ بينت هذه المقدمة أن هذا الكتاب مختصر لكتاب أوسع صنفه في هذا المجـال مما يدل على أن السيرة التي حوته كانت أوسع بكثير من هذه السيرة التي تضمنها كتابه المختصر، ومع هذا الإختصار فإن هذه السيرة قد حوت في طياتها بعض الجوانب التي بينت شخصية الخطي في كتابه، وهذه الجوانب هي:

1 . التصريح بالقول إن الهدف من تصنيف هذا الكتاب هو إيجاد مجموع بسيط يسهل حفظه، فكان الحافز على تصنيف هذا الكتاب حافزاً علمياً خالف به معظم المصنفات السابقة التي عرضت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم ضمنها.

2 . استعمال الإسناد في ذكر حوادث السيرة ومتعلقاتها، وذلك حرصاً منه على تدقيق الروايات ونقلها وتسهيل مهمة من يأتي بعده ويطلع على كتابه في أن يتبين مواطن الضعف والقوة في ذكر الأسانيد، ولا سيما قسم السيرة منه، إذ غفل باقي كتابه عن أي سلسلة للسند، وقد صرح في مقدمة كتابه مبيناً ذلك بالقول: (ولا أكرر من الأسانيد في ذلك ما يطول عليّ به الكتاب ولا أدع تقييده منها بما لابد منه)، وأردف بعدمـا انتهى من عرض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في كتابه قائلاً: (كل ما أذكره الآن في هذا الكتاب بغير إسناد إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان … ثم يتغير الإسناد … وما أذكره عن أبي معشر بغير إسناد كله).

وهذا ما افتقدتـه المصنفات التي كتبت في ضوء منحاه نفسـه، إذ أغفلت معظمهـا أسانيـد الروايـات التي وردت فيهـا، وكما لاحظنا وسنلاحظ من عرضنا لهذه المصنفات التي كتبت في هذا الجانب.

أعطانا هذا الأمر عرضاً للمصادر المكتوبة التي اعتمد عليها الخطي في كتابه هذا ولا سيما في قسم السيرة منه فضلاً عن اعتماده على روايات شفوية لم يعتمـد في نقلها على كتاب.

3 . الإهتمام بالتوثيـق التأريخـي للحوادث باليوم والشهـر والسنـة.

هذه هي الجوانب التي اتصفت بهـا السيـرة النبويـة في هذا الكتاب عن باقي الكتب التي تناولت تأريخ الخلفاء باستقلالية، وإن كانت الحوادث التي عرضها قد اتصفت بهـا مصنفـات قبلـه، ولكن هذه المصنفـات كما لاحظنا اختلفت معـه في الموضـوع الذي طرحتـه، ممـا نستدل به على أن الخطي كان له دور في تطور كتابة السيرة ضمن كتب تواريـخ الخلفاء حصراً، وذلك حين أدخل المناهـج المتبعـة في المصنفـات التي تمتـاز بالشموليـة والتفصيـل في ذكر الحوادث، مع العلم أن هذا الكتاب كما أشار مصنفه في مقدمته عبارة عن مختصـر لكتاب أشمل وأكبر من هذا الذي بين أيدينا.

3 . عنـوان المعـارف وذكـر الخـلائـف للصـاحـب بـن عبـاد (ت 385 هـ):
هو الصاحب كافي الكفاة إسماعيـل بن عباد الشاعر الأديب والنحوي البارع الذي كان أعجوبـة زمانـه تولـى الوزارة لأمراء البويهيين واجتمع بحضرته من العلماء والشعراء ما لم يجتمع لغيره (معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت بن عبد الله الحموي)، صـنف الصاحب بن عباد هذا الكتاب وضم فيه عرضـاً مبسطـاً للخلفاء الذيـن خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى عصره، مع تخصيص حيز بسيط فيـه لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم.

كان الدافع من تصنيف هذا الكتاب دافعاً علمياً، تمثل بجواب عن أحد الأسئلة التي طرحها أحد تلاميذه عليه في معرفة نسب الرسول صلى الله عليه وسلّم وأحواله، وهذا ما بينته مقدمته التي يقول فيها: (قـد اسعفتك بالمجموع الذي التمسته في نسب النبي صلى الله عليه وآلـه وبنيه وبناته وأعمامه وعماته وجمل من غزواته، وسائر ما يتصل بذلك من مولده ومدفنه وهجرته وتسمية أفراسه ونوقه وسيفه ودرعه، واثبت ذلك من خوطب بالخلافة على النسق وغير مرتب للمفضول على الفاضل … بعد أن آثرت الإختصار الذي طلبته والإيجاز الذي حاولته).

من هذا نرى أن السيرة التي تضمنهـا هذا المصنف قد كتبت لغايات علمية ولكنها من الإختصار بمكان إذ لـم تظهر فيها أي ملامح تطورية في كتابة السيرة تختلف في مضمونهـا ونسقهـا وأسلوبها عن مصنفات عرضت سيرة الرسول قبله، فكانت الأخبار التي وردت فيهـا معدومة من ذكر أي نقد أو تحليـل أو منـاقشة مما يبين أن الصاحب بن عباد قد ذكرها على أنها من المسلمات التي لم يختلف عليها أحد، فلم يكن عرضها إلا للتذكير بهـا.

4 . الأنبـاء فـي تـأريـخ الخلفـاء لمحمـد بـن علـي بـن محمد العمـراني (ت 580 هـ):
سار العمراني في كتابه هذا على نهج من سبقه في كتابة سيرة موجزة للرسول صلى الله عليه وسلّم يفتتح بها مصنفاً يحوي أسماء الخلفاء الذين تولوا خلافة المسلميـن بعد الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى عصر المؤلـف.

كانت هذه السيرة التي حواها هذا الكتاب كمثيلاتها من السير النبوية التي استعرضتها المصنفات التي سبقته في هذا الجانب إذ امتـازت بالإختصـار في عرض المعلومات، وهذا ما بينته مقدمة الكتاب التي تقول : (فإني ذاكر في كتابي هذا طرفـاً من أخبار الدولة القاهرة العباسية … وأبتدأ بذكر سيد البشر والشفيع يـوم العرض الأكبر ثم بعده للأئمة الأربعة ثم من أفضى إليه الأمر بعدهم … ونبدأ بمن بدأ الله بذكره وفضله على سائر خلقه وهو سيد المرسلين وخاتم النبيين أبو القاسم محمد صلوات الله عليه وسلامه، وأنا أذكر نسبه ومولده وأزواجه وحواريه ومواليه وخدمه وعماله).

هذه هي مضامين السيرة التي ضمنها العمراني كتابه والتي لم نلمس فيها أي تطور وتجديد في كتابة السيرة النبوية ضمن هذا النوع من المصنفات، بل كانت مجرد عرض لحوادث وروايات تتفق في منحاها وفحواها مع المصادر التي سبقتها.

5 . بلغـة الظـرفـاء فـي ذكـرى تـواريـخ الخلفـاء لعلـي بـن محمد بـن أبـي السـرور الـروحـي:
كان هذا الكتاب كسابقيه يعرض في بدايته سيرة موجزة للرسول صلى الله عليه وسلّم تناول فيها جوانب من حياته الشريفة (الإنباء في تاريخ الخلفاء)، ولكن الميزة التي امتازت بها هذه السيرة المقتضبة هي أنها كانت أكثر عمقاً ودقةً في ترتيب وتوثيق الحوادث من التي سبقتها، فمع الإهتمام بالتوثيق التأريخي للحوادث بالشهر والسنة، وذكـره لمصادره التي اعتمد عليهـا في إيراده لأخباره، قسم مراحل السيرة على وفق الحوادث الكبرى التي حصلت فيها، إذ كانت المرحلة الأولى متضمنة حياة الرسول من مولده إلى أن هاجر إلى المدينة، والمرحلة الثانية تضمنت حياة الرسول من مقدمه إلى المدينة حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وبتقسيمه السيرة النبوية إلى هاتين المرحلتين حرزت هذه السيرة الموجزة ضمن هذه المصنفات السبق والريادة في هذا المجال وإن كان هذا التقسيم معمولاً به عند من سبقه ولكن ليس في مثل هذه المصنفات.

هذه هي الميزة الوحيدة التي امتازت بها هذه السيرة التي تضمنها هذا الكتاب والتي كانت بمجملها مشابهة لما ورد في المصنفات التي سبقتها من حيث الحوادث التي عرضت فيها.

وبهذا الكتاب ينتهي عرضنا للمصنفات التي كتبت في تواريخ الخلفاء أو طبقتهم والتي تضمنت سيرة موجزة للرسول صلى الله عليه وسلّم، مع اتصاف هذه المصنفات بعوامل مشتركة بينها، وهي:

1 . الإقتضاب والإختصار في عرض حوادث السيرة ومتعلقاتها.

2 . عدم وجود طابع تجديدي وتطوري في كتابة هذه السير ضمن هذه الكتب عدى التطور الذي اشتركت كلها فيه والذي تضمن ابتداء مصنفاتهـم بعرض موجز لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم استكمالاً لمناحي الكتـاب بالتعرض للخليفـة والمستخلف.

3 . أغفل المصنفون المتأخرون مرويـات أصحاب كتب تواريخ الخلفـاء عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم ولـم يدرجوهـا ضمن مصنفاتهم، وذلك لأنهـا لا تمثل سوى تكرار وإعادة لما ذكرته مصادر أخرى، ولأجل ذلك لم نجد نقولاً عنها في المصادر التي عرضت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم للذين تأخروا عن كتابة هذه المصنفـات.

4 . إن الغاية التي من أجلها أدخلت السيرة النبوية في معظم هذه المصنفـات غاية منهجيـة فرضتهـا طبيعة تلك الكتب ومضامينهـا، ومن دون هذه الغاية تعدّ هذه الكتب أو المصنفـات ناقصـة لو أغفلت إيراد سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم أو شيئاً منهـا حتى لو كان عرضاً موجزاً ومقتضباً، لأن الكتاب سيصبح مفتقراً للسبب أو الحجة التي من أجلهـا استخلف أي واحد من الخلفـاء الذين ترجمت لهـم هذه الكتب؛ فكيف يذكـر الخليفـة من دون أن يذكر شخص المستخلف وهو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم؟

هذه هي العوامل المشتركة التي اتصفت بهـا السير التي كتبت في المصنفات التي تتحدث عن طبقة الخلفاء وسني حكمهم، والتي كان إدخالها في هذه المصنفات جانباً تطورياً في كتابة السيرة النبوية عنـد المؤرخيـن المسلميـن.

                                                     

عن المدير