أهم كتب الطبقات

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة و المستقلة وتطورها
المبحث الثالث: السيرة النبوية المدمجة ضمن المصنفات التأريخية
المطلب الثاني: المناحي التطورية لكتابة السيرة النبوية ضمن كتب الطبقات والتراجم

الفـرع الثـانـي: أهـم كـتـب الطبقـات:
شـمـلـت هـذه الكتـب مصنفـات عـدة اختلفـت بينهـا مـن حيـث الأشخـاص الـذيـن تـرجمـت لهـم فـي طيـاتهـا والـذيـن تـشـابـهـوا واشـتـركـوا بـصـفـة معينـة أو أكثـر لـذا سميـت هـذه المصنفـات بكتـب الطبقـات، وأقـدم مـن صنـف فـي هـذا المجـال مـن العلمـاء المسلميـن هـو الـهـيـثـم بـن عـدي بـن عبـد الـرحمـن الثعلبـي (ت 206 هـ)، ولـد فـي الكـوفـة قبـل سنـة 130 هـ وعـاش فـي واسـط ونشـأ بهـا وكـان مـن المهتميـن والمطلعيـن علـى أنـسـاب الـعـرب وقـبـائـلـهـم فضـلاً عـن تـأريـخ المسلميـن وحـوادثهـم (الفهـرسـت لإبـن النـديـم)، وقـد صـنـف كـتـابـيـن: الأول أسـمـاه (طبقـات مـن روى عـن النبـي صلـى الله عليـه وسلّـم مـن الصحـابـة)، والثـانـي (تسميـة الفقهـاء و المحـدثيـن) (الفهرست لإبن النديم)، وشـاركـه فـي التصنيـف محمد بـن عـمـر الـواقـدي (ت 204 هـ) فـي كـتـابـه الـذي أسمـاه (الطبقـات) (الفهرست لإبن النديم)، وقـد بقيـت نـصـوص مـن هـذا الـكـتـاب عـنـد تـلـميـذه ابـن سعـد فـي كتـابـه الطبقـات (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفتـس).
وقـد وصـل إلـيـنـا قـسـم مـن هـذه الـمـصـنـفـات، وقـد تـنـوع فـيـها الـحـيـز الـذي شغلتـه سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم مـن حيث عـدد الأوراق، ومـع اخـتـلاف بـيّـن فـي الأسلـوب الـذي كتبت فيـه هـذه الـمـصـنـفـات، وهـي بـحـسـب الـتـرتـيـب الـتـأريـخـي لـهـا:

1 – الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (ت 230 هـ):
هـو محمد بـن سعـد بـن منيـع الـزهـري الهـاشمـي البصـري، ولـد فـي البصـرة سنـة (118 هـ)، ثـم انتقـل إلـى بغـداد ولازم دار شـيـخـه محمد بـن عـمـر الـواقـدي، وسـمـع منـه مـعـظـم كتبـه ودونهـا عنـه حتـى أطلـق عليـه كـاتـب الـواقـدي، وقـد نـال ابـن سعـد مـكـانـة سـاميـة فـي نفـوس العلمـاء وحصـل علـى ثقتهـم لـدقتـه العلميـة وحـرصـه الشـديـد علـى إتبـاع أسـاليـب المحـدثيـن فـي كتـابـاتـه وروايـاتـه، وتـوفـي ابـن سعـد فـي بغـداد سنـة (230 هـ) (تـأريـخ بغـداد للخطيـب البغـدادي – وفيـات الأعيـان لإبـن خـلـكـان).
خـصـص ابـن سـعـد حـيـزاً كبيـراً مـن كتـابـه الطبقـات لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه (الطبقـات الـكـبـرى) حـتـى عـدّت هـذه السيـرة الـتـي تـضـمـنـهـا هـذا الـكـتـاب مـن الأصـول الـمـهـمـة لـقـدمـهـا و قـرب عـهـدهـا مـن عـصـر الـرسـالـة (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفتـس).
شكـل هـذا الحيـز الكبيـر حافـزاً لابـن سعـد علـى تبنـي منهـج جـديـد ومتطـور يتنـاول فيـه سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسـلّـم بأسـلـوب مـغـايـر لـمـا ألفتـه مصنفـات عصـره، وهـذا المنهـج قـد تمثـل بـجـوانـب عـدة مهمـة أسهمـت فـي بلـوغ السيـرة مكـانـة بـارزة بيـن المصنفـات الأولـى لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفـتـس)، وهـذه الجـوانـب هي:

1 . إلـتـقـاء نـشـاط المحـدثيـن والإخـبـارييـن والنسـابـة فـي كتـابـة سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، وانصهـار تـجـاربـهـم فـي هـذا المجـال ضـمـن مصنـف ابـن سعـد هـذا (مقـدمـة تحقيـق كتـاب الطبقـات لابـن سعـد ، لعبـاس إحسـان)، ومـا ذلـك إلا لـورود تـراجـم عـديـدة للـذيـن شـاركـوا فـي حـوادث السيـرة أو الـذيـن رووا أخبـارهـا، إذ وصـف أحـد البـاحثيـن هـذا العـامـل فـي كتـابـه الطبقـات، بـأنـه: (محـور وفلسفـة جـديـدة تـدل علـى معيـار الشمـوليـة فـي فهـم التـأريـخ) (إسهامات مـؤرخـي البصـرة فـي الكتـابـة التـأريخيـة حتـى نهـايـة القـرن الـرابـع الهجـري لعبـد الجبـار نـاجـي).
عـلل الـدوري مـنـحـى ابـن سـعـد هـذا بـأنـه أراد تسليـط الـضـوء عـلـى تـراجـم مصنفـي كتـب الأيـام والمغـازي والفتـوح ومسـاعـدة المحـدثيـن فـي تحقيـق أسـانيـد الـروايـات التـي تـرد إليهـم بتقسيـم طبقـات المحـدثيـن علـى وفـق مـدنهـم، ممـا يتبيـن أن دراسـة الحـديـث فـي الـتـأريـخ قـد أخـذت فـي الـبـروز تـدريجيـاً عـنـد العلمـاء (بحـث فـي نشـأة علـم التـأريـخ عنـد العـرب لعبـد العـزيـز الـدوري).
أراد ابـن سعـد مـن وضعـه تـرجمـة مـوسعـة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم فـي بـدايـة كتـابـه هـذا لتبيـان عـلاقـة الرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم بصحـابتـه وأثـر هـؤلاء فـي أحـداث عصـرهـم، ومـن ثـم التعـرف إلـى مـن سـار علـى منـوالهـم مـن الـذيـن تتلمـذوا عليهـم وسمعـوا منهـم، وجـعـل سيـر هـؤلاء مجتمعـة مقيـاسـاً تعـرف بـه عـدالـة وثقـة كـل راو منهـم، وإلا فبمـاذا نعـلل ورود تلك القـوائـم الهـائلـة مـن الأعـلام عـلـى وفـق الـبـلـدان وأسـمـاء الصحـابـة الـذيـن نـزلـوا فـي تـلـك البلـدان وأسمـاء مـن رووا عنهـم مـن النـاس؛ غيـر تعـرف الخبـر الصـادق مـن الخبـر الكـاذب الـذي رواه الـرواة وذلك بالإطـلاع علـى عـلاقـة الصحـابـة واتصـالهـم بجمهـور المسلميـن ومعـرفـة مـن روى عنهـم، لتكـون السيـرة التـي شملهـا هـذا الكتـاب العـامـل المبـاشـر فـي ظهـور تـلك التـراجـم بأسمـاء الصحـابـة ومـن تـلاهـم.

2 . تخصيـص فصـول مستقلـة للجـوانـب الشخصيـة مـن حيـاة الرسـول الكـريـم صلـى الله عليـه وسلّـم، مثـل أسمـائـه وكنيتـه، ومقتنيـاته الخـاصـة، فـضـلاً عـن عـرض الـجـوانـب الـروحيـة لهـذه الشخصيـة المبـاركـة، مثـل دلائـل نبـوتـه والمعـاجـز التـي بـدرت منـه فضـلاً عـن ذكـر فضـائلـه والسمـات التـي أتصـف بهـا.
كـانـت هـذه الجـوانـب التـي ذكـرهـا فـي كتـابـه هـذا مجـرد روايات متنـاثـرة هنـا وهنـاك متبـاعـدة فـي بطـون الكتـب التـي تـعـرض سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم قبـل ابـن سعـد، ولا سيمـا عنـد شيخـه الـواقـدي، ولأجـل ذلك عـدّ عملـه هـذا مـن قبـل بـعـض الـبـاحـثـيـن الـركـيـزة الأولـى الـتـي وضـعـت لـنـشــوء المصنفـات التـي كـتـبـت عـن دلائـل وأعـلام النبـوة، وشمـائـل وأخـلاق النبـي (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفـتـس)، فـهـو بهـذا الأمـر قـد وضـع الخطـوط الأخيـرة لـهيـكـل الـسـيـرة، إذ ذهـب أبـعـد مـن سـابقيـه فـي تـنـظـيـم مـادتـه وتـبـويـبـهـا، وفـي إعطـاء مجمـوعـة أوفـى مـن الـوثـائـق مـع إفـراد أبـواب منفصلـة ومتعـددة لـم تـكـن معـروفـة سـابقـاً، ممـا حـدا التـواريـخ التـي تعـرض سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم بعـده علـى أن تتبـع الخطـة نفسهـا الـتـي سـار عليـهـا ابـن سـعـد فـي إثـبـات معلـومـاتـه (بحـث فـي نشـأة علـم التـأريـخ عنـد العـرب لعبـد العـزيـز الـدوري).

3 . التـركـيـز فـي حـوادث عـصـر الـرسـالـة وتـفـاصيلهـا عنـد عـرضـه حيـاة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم، وجـعـل أسبقيـات الـحـوادث عـلـى وفـق أهميتهـا، وهـذا مـا يفـسـر لنـا تقـديمـه الحـديـث عـن بعـض الحـوادث التـي حصلـت فـي السنـوات الأخيـرة مـن حيـاة الـرسـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلّـم عـلـى أخـرى حـصـلـت قبلهـا بسنـوات عـدة، والـذي سهـل عملـه هـذا وجعـل تـرابـط الحـوادث عنـده غيـر مبعثـر هـو انـتـهـاجـه الـمـنـهـج الـمـوضـوعـي فـي عـرض الـحـوادث مـن دون الـبـحـث عـن أسـبـقـيـة كـل حـادثـة عـن أخـرى.
عـلل أحـد البـاحثيـن منحـى ابـن سعـد هـذا بالقـول: (أنـه جعـل معلـومـاتـه متسلسلـة تـأريخيـاً بعـض الأحيـان وفـي أحيـان أخـرى دأب علـى تقـديـم هيكـل عـام للحـدث التـأريخـي) (إسهـامـات مـؤرخـي البصـرة فـي الكتـابـة التـأريخيـة حتـى نهـايـة القـرن الـرابـع الهجـري لعبـد الجبـار نـاجـي).

4 . الإسـتـفـادة مـن تـجـارب شـيـخـه الـواقـدي فـي تـدويـن وكتـابـة حـوادث السيـرة، إذ انصهـرت معظـم مصنفـات شيخـه فـي كتـابـه، وهـذا مـا بينتـه كثـرة النقـول مـن الـواقـدي فـي كتـاب ابـن سـعـد هـذا. فـضـلاً عـن ذلك فـقـد أكـدت الـمـصـادر التـي تـرجـمـت لابـن سـعـد صـحـة هـذا الإحتمـال، إذ عـدّتـه أحـد الأشـخـاص الأربعـة الـذيـن اجتمعـت كـتـب الـواقـدي عـنـدهـم (تـاريـخ بغـداد لأحمـد بـن علـي الخطيـب البغـدادي – معجـم الأدبـاء إرشـاد الأريـب إلـى مـعـرفـة الأديـب ليـاقـوت بـن عـبـد الله الحمـوي – وفيـات الأعيـان و أنبـاء أبنـاء الـزمـان لقـاضـي القضـاة شمـس الـديـن ابـن خلكـان – شـذرات الـذهـب فـي أخبـار مـن ذهـب لعبـد الحـي ابـن العمـاد الحنبلـي).
أراد ابـن سـعـد بـعـمـلـه هـذا أن يتمثـل الـمصنـفـات الـتـي أثـارت علـى صـاحـبـهـا شكـوكـاً واتهـامـات كثيـرة (تـاريـخ بـغـداد لأحـمـد بـن عـلـي الخطيـب البغـدادي – عـيـون الأثـر فـي فـنـون المغـازي و الشمـائـل والسيـر لمحـمـد ابـن سيـد النـاس)، وذلك بإخـراجهـا فـي مصنـف يحـوي هـذه الكتـب ويطبـق فيـه قـواعـد المحـدثيـن بصـرامـة شـديـدة ليتـلافـى بـذلـك الأخطـاء التـي وقـع فـيـهـا شـيـخـه مـن حـيـث تسهلـه فـي بـعـض الأخـبـار، حـتـى وصـف لأجـل ذلك بـعـبـارات مـنـاقـضـة لـمـا وصـف بـه شـيـخـه الـواقـدي (وفـيـات الأعـيـان و أنبـاء أبنـاء الـزمـان لقـاضـي القضـاة شمـس الـديـن ابـن خلكـان – الـوافـي بالـوفيـات لـصـلاح الـديـن خليـل بـن أيبـك الصفـدي – تهـذيـب التهـذيـب لشهـاب الـديـن بـن حجـر العسقـلانـي)، فـمـن هـذه العبـارات مـا ذكـره الخـطيـب البغـدادي فـي تـرجمتـه لمحمـد بـن سـعـد حـيـن قـال: (محمد بـن سعـد عنـدنـا مـن أهـل العـدالـة، وحـديثـه يـدل عـلـى صـدقـه، فـإنـه كـان يـتـحـرى فـي كثيـر مـن روايـاتـه) (تـاريـخ بـغـداد لأحمـد بـن علـي الخطيـب البغـدادي).
أدت هـذه الصـرامـة الشـديـدة مـن قبـل ابـن سعـد فـي تطبيـق قـواعـد المحـدثيـن فـي الـروايـة وتقيـده بالإسنـاد إلـى أن جعـل كـتـابـه الطبقـات بـعـامـة، والسيـرة مـنـه بخـاصـة غـفـلاً مـن المـلاحظـات والآراء الشخصيـة علـى مـا يـورده مـن حـوادث وأسمـاء أشـخـاص شـاركـوا فيهـا أو رووهـا (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفتـس)، فكـان ابـن سعـد لأجـل ذلك مجـرد جـامـع للأخبـار وليـس نـاقـداً لهـا (المـدخـل إلـى التـاريـخ لنـور الـديـن حـاطـوم).
كـل هـذه الأمـور مجتمعـة جعلـت مـن السيـرة التـي ضمنهـا ابـن سـعـد كتـابـه الطبقـات مـحـل إعجـاب العلمـاء، وإعجـاب البـاحثيـن أيضـاً حينمـا جعلـوهـا مـن السيـر التـي أسهمـت إسهـامـاً فاعـلاَ فـي إرسـاء القـواعـد النهـائيـة لمـا كتـب بعـدهـا عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (المغـازي الأولـى ومـؤلفـوهـا ليـوسـف هـوروفتـس – بحـث فـي نشـأة علـم التـأريـخ عنـد العـرب لعـبـد العـزيـز الـدوري – إسـهـامـات مـؤرخـي البصـرة فـي الكتـابـة التـأريخيـة حـتـى نـهـايـة القـرن الـرابـع الهجـري لعبـد الجبـار نـاجـي).

2 – الإستيعـاب فـي معـرفـة الأصحـاب لابـن عبـد البـر الأنـدلسـي :
خصـص ابن عبـد البـر حـديثـه فـي هـذا الكتـاب كمـا هـو واضـح فـي عنـوانـه، عـن تـراجـم صحـابـة الـرسـول صلـى الله علـيـه وسـلّـم، ولـكـنـه قـدم قـبـل الـحـديث عنهـم عـرضـاً مـوجـزاً لحيـاة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، إذ بيـن ذلك فـي مقـدمتـه التـي افتتـح بـهـا كتـابـه قـائـلاً: (ونبـدأ بـذكـر رسـول الله صلـى الله عليـه وسـلّـم، ونقتصـر مـن خـبـره وسيـرتـه علـى النـكـت التـي يجـب الـوقـوف عليهـا ولا يليـق بـذي علـم جهلهـا وتحسـن المـذاكـرة بـهـا لتتسـم الـفـائـدة للعـالـم الـراغـب والمتعلـم الطـالـب فـي التعـرف بالمصحـوب والمصـاحـب مختصـراً ذلك أيضـاً مغنيـاً عـمـا سـواه كـافـيـاً).
كـانـت السيـرة التـي حـواهـا كـتـاب الإستيعـاب بمثـابـة مـدخـل لكتـابـه عـرض فيـه سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسـلّـم، للتبـرك بـهـا وعـدّهـا غـايـة عـلـيـا يـطـمـح جميـع المسلميـن إلـى الإستنـان بهـا، إذ وضحت عبـارتـه التـي ختـم بهـا ذكـره لسيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم هـذا الأمـر، إذ يقـول: (وقـد أكثـر النـاس فـي ذكـر مـن أدخلـه فـي قبـره وفـي هيـأة كفنـه وفـي صفـة خلقـه وخلقـه وغـزواتـه وسيـرة ممـا لا سـبيـل فـي كتـابنـا هـذا إلـى ذكـره، وإنمـا أجـرينـا مـن ذكـره صلـى الله عليـه وسلّـم هـاهنـا لمعـاً يحسـن الـوقـوف عليهـا والمـذاكـرة بهـا تبـركـاً بـذكـره فـي أول الكتـاب).
كـان للحـافـز الأخـلاقـي الـذي كـتـبـت بـه هـذه الـسـيـرة التـي تضمنهـا هـذا الكتـاب أثـر ملمـوس فـي جعـل هـذه السيـرة سـيـرة تقليـديـة، إذ لـم تـظـهـر فيهـا أي سمـة تطـوريـة ضمـن كـتـب الطبقـات، ولكـن الـذي سـاعـد علـى ديمـومـة هـذه السيـرة ضمـن مثـل هـذه المصنفـات هـو اتبـاعـه أسـلـوبـاً مبسطـاً ومنهجـاً مـوضـوعـيـاً فـي الكتـابـة كـان مـن نتـائجـه أن وضـع مصـادره فـي بـدايـة كتـابـه هـذا، إذ حـاكـى بذلك الـمسعـودي الـذي وضـع هـو الآخـر قـائـمـة بـأسـمـاء مـصـادره الـتـي اعتمـد عليهـا فـي أول كتبـه (مـروج الـذهـب)، مـع الإحـالـة إلـى مصنفـاتـه الـتـي تـوسـع فـي الـحـديـث بـهـا عـن سـيـرة الـرسـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلّـم فـي أكثـر مـن مكـان مـن هـذا الكتـاب (الإسـتـيـعـاب).
كـان هـذا الكتـاب مكمـلاً لكتـابه الآخـر (الـدرر فـي اختصـار المغـازي والسيـر) الـذي صنفـه بعـده، إذ وضـح ذلك بقـولـه: (وهـذا كتـاب اختصـرت فيـه ذكـر مبعث النبـي وابتـداء دعـوتـه وأول الأمـر فـي رسـالتـه ومغـازيـه وسيـرتـه، لأنـي ذكـرت مـولـده وحـالـه فـي نشـأتـه وعيـونـاً مـن أخبـاره فـي كتـاب الصحـابـة).
ولأجـل هـذا كـلـه كـانـت الـسـيـرة الـتـي تضمنهـا كتـاب الإستيعـاب مجـرد مختصـر بسيـط لبعـض جـوانـب السيـرة والـهـدف مـنـه الـحـصـول عـلـى الـمـثـوبـة والـذكـر الـطـيـب والـصـدقـة الـجـاريـة.

3 – أسـد الغـابـة فـي معـرفـة الصحـابـة لابـن الأثيـر الجـزري (ت 630 هـ) :
ثبـت ابـن الأثـيـر سـيـرة مـوجـزة للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم افتتـح بهـا هـذا الكتـاب، إذ سـار علـى منـوال مـن سـبقـه فـي إيـراد سـيـرة مـوجـزة للـرسـول صـلـى الله عليـه وسلّـم فـي صـدر الـكـتـب التـي تـرجـمـت صحـابـة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وذلـك لإكـمـال الـحـلـقـة فـي الـتـعـرض للـصـاحـب والمصحـوب، وهـذا مـا أوضحـه ابـن الأثيـر فـي كتـابـه هـذا الـذي يقـول فـي مقـدمتـه التـي افتتحهـا بالقـول: (ونـبـدأ بـذكـر سـيـدنـا رسـول الله صـلـى الله عـليـه وسلّـم تبـركـاً بـاسمـه وتشـريفـاً بـذكـره المبـارك لأن معـرفـة المصحـوب ينبغـي أن تـقـدم علـى مـعـرفـة الصـاحـب وإن كـان أظـهـر مـن أن يـعـرف …)، ويختـم هـذه السيـرة قـائـلاً: (فهـذا القـدر كـاف ولـو ربمـا شـرح أحـوالـه علـى الإستقصـاء لكـان عـدة مجلـدات وفـي هـذا كفـايـة للمـذاكـرة والتبـرك فـلا نطـول فيـه والسـلام).
كـانـت هـذه السيـرة مـثـل سـابـقـتـهـا الـتـي وردت فـي الإسـتيـعـاب والـتـي انعـدم فيهـا التطـور والتجـديـد في الكتابـة لأن الطـابـع الـذي كتبت فـيـه ليـس طـابعـاً علميـاً بـل كـان طـابعـاً عـاطفيـاً وهـذا الطـابـع يكـون تقليـديـاً صـرفـاً لأن المـوضـوع لا نلمـس فيـه جهـداً ملـحـوظـاً سـوى تطبيـق أسـاليب ومنـاهـج سـابقـة علـى مـوضـوع كثـرت فيـه الكتـابـات وهـو سيـرة الـرسـول، حتـى وصلت حـد الـتـخـمـة فـي عـصـره، ولـكـن الـذي لمـسـنـاه فـي هـذه السيـرة الـتـي ضمنهـا ابـن الأثـيـر فـي كتـابـه هـذا مخـالفـة واضحـة لمـا نهجـه مـن أسلـوب فـي عـرض مضـاميـن كتـابـه الكـامـل فـي التـأريـخ ولا سيمـا قسـم السيـرة منـه، إذ وضـح هـذا الإختـلاف بنقـاط عـدة هـي:

1 . إن السيـرة الـتـي تضمنهـا كـتـاب أسـد الـغـابـة قـد كـان الـهـدف مـن إثـبـاتهـا هـو هـدف أخـلاقـي الـقـصـد منه التبـرك بعكـس مـا أراده فـي كتـابـه الكـامـل الـذي خصـص فيـه حيـزاً كبيـراً لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (الكـامـل فـي التـأريـخ) وذلك لأنهـا شـغـلـت حـقـبـة تـأريخيـة مهمـة مـن تـأريـخ العـالـم، ولكنـه اعتمـد فـي ذلك علـى مـا كتبـه الطبـري عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم فكـانـت السيـرة التـي حـواهـا هـذا الكتـاب مجـرد تهـذيـب لـهـا.

2 . الإعـتـمـاد عـلـى مـوارد لـم يعتمـد عليهـا فـي كتـابـه الكـامـل، إذ كـان الطبـري ومـا كتبـه فـي تـأريخـه هـو المعـول عليـه عنـده كـمـا وضحتـه مقـالتـه التـي افتتـح بهـا كتـابـه هـذا، أمـا فـي كتـابـه أسـد الغـابـة فقـد عـرض مصـادره فـي بدايـة كتـابـه والتـي لـم يظهـر فيهـا أي ذكـر لتـأريـخ الطبـري الـذي اعتمـد عليـه فـي كـتـابـه الكـامـل، إذ شـمـلـت علـى الصحـاح والمسـانيـد والسنـن وكـتـب المغـازي وغيـرهـا، واعتمـد أيضـاً علـى روايـات شفـويـة لبعـض مشـايخـه وذلك فـي مـواطـن عـدة مـن هـذه السيـرة، فضـلاً عـن اعتمـاده علـى طـريـق مـخـالـف للـطـريـق الـذي سلكـه فـي كتـابـه الكـامـل للـوصـول إلـى سيـرة ابـن إسحـاق، إذ كـان طـريـق الطبـري المشهـور إلـى سيـرة ابـن إسحـاق بـوسـاطـة شيخـه سلمـة بـن الـفـضـل، أمـا الطـريـق الـذي سـلـكـه ابـن الأثيـر فـقـد كـان بـوسـاطـة يـونـس بـن بـكـيـر.
بيـن هـذا الأمـر اسـتـقـلاليـة ابـن الأثيـر فـي تصنيفـه لكتـابـه أسـد الغـابـة مـن حـيـث المـوارد والمنهـج عـن كتـابـه الـكـامـل فـي الـتـأريـخ ولا سيمـا قسـم السيـرة منـه، وإن لـم يـأت بشـيء جـديـد فيـه، ولكـن الطـريقـة التـي عـرض فيهـا السيـرة ضـمـن مصنفيـن مـن مصنفـاتـه جـعـلنـا نـعـقـد مقـارنـة بيـن مـا كتبـه فـي كـل واحـد منهمـا عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم.
كـل هـذه الأمـور أدت بطبيعـة الحـال إلـى أن تـكـون مـلامـح الـسـيـرة المثبتـة فـي كـل مـن هـذيـن الـكـتـابـيـن مـغـايـرة للأخـرى، وجـاءت بعـض الـروايـات مـخـتـصـرة عـن سـابـقـتـهـا الـتـي وردت فـي كـتـاب الـكـامـل فـي الـتـأريـخ.
بعـد هـذه المقـارنـة بيـن هـذيـن الكتـابيـن نـرى أن كـلاً منـهـمـا لـم يـرتبـط بالآخـر ولـم يكـن مكمـلاً لـه بـل كـان كـل واحـد مـن هـذيـن الـكـتـابـيـن ولا سيمـا فـي قـسـم الـسـيـرة منهمـا مستقـلاً عـن الآخـر، ومـن ثـم فـإن ابـن الأثـيـر بتضمينـه سيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم فـي كتـابه هـذا قـد كـان آخـر مـن حـاول تضميـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم ضمـن كـتـب الطبقـات، حتـى أن المصـادر الـتـي تـأخـرت عـنـه والـتـي كـتـبـت فـي مـوضـوع الـطـبـقـات، قـد أغـفـلـت إيـراد سـيـرة للـرسـول صـلـى الله عـلـيـه وسـلّـم فـي بـدايـتـهــا (الإصـابـة فـي تمييـز الصحـابـة لشهـاب الـديـن بـن حجـر العسقـلانـي).

هـذه هـي ثـلاثـة نمـاذج من كتـب الطبقـات التـي استعـرضـت سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم مصحـوبـة بتـراجـم الأشخـاص الـذيـن صـاحبـوه و الـذيـن أتـوا بعـده، مـع الإشـارة إلـى أن هـذه الـكـتـب لـم تـكـسـب السيـرة تـطـوراً يـذكـر إلا إذا عـددنـا سـحـب الـسـيـرة مـن كـونهـا مـسـتـقلـة أو ضـمـن كـتـب الـتـاريـخ الـعـام، ودمـجـهـا فـي كـتـب تـراجـم الـصـحـابـة نـوعـاً مـن الـتـطـور.

                                                     

عن المدير