مـوسى بـن عقبـة

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الأول: دراسة السيرة النبوية الشريفة ومزاياها وأهدافها
الفصـل الأول: التـأليـف الإنتقـائـي والعشـوائـي للسيـرة
المبحـث الثـانـي: التـأليـف فـي السيـرة عنـد التـابعيـن وتـابعيهـم
المطلـب الأول: رجـال الطبقـة الثـالثـة مـن كتَّـاب المغـازي والسيـر
مـوسى بـن عقبـة (ت 141 هـ) :

     هـو أبو محمد موسـى بـن عقبة بن أبي عياش الأسـدي ، و كان
موسي بن عقبه مولى لآل الزبير بن العوام ، و بالأخص مولى زوج
الزبيـر أم خـالـد ، ولـد بيـن عـام 55 هـ و عـام 60 هـ
(تهذيب التهذيب لشهاب الدين بن حجر العسقلاني)
و هـو مـن
صغـار التـابعيـن ، أدرك ابـن عمـر ، و أنـس بـن مـالك ، و سـهـل
بـن سـعـد ، و سـمـع مـن أم خـالـد بنت خـالـد الصحـابيـة ، و أخـذ
عـن جـمـاعـة مـن التـابعيـن ، منهـم : عـروة بـن الـزبيـر ، و
محمد بـن المنكـدر ، و سـالـم بـن عبـد الله بـن عمـر ، و الـزهـري
، و محمد بـن يحيـى بن حبان ، و غيـرهـم
(تهذيب الأسماء للنووي و تهذيب التهذيب لإبن
حجر)
. و قـد مـر بـنـا أن بـيـت الـزبـيـريـيـن كـان
حـافـلاً بـعـدد هـائـل مـن العلمـاء ، خاصـة فـي ميـدان المغـازي
و السيـر ، مثـل عـروة بـن الزبيـر ، و ابنيـه هشـام و يحيـى ، و
عمـر بـن عبد الله بن الزبيـر ، و يحيى بـن عبـاد بـن الـزبيـر ، و
قـد عـرفنـا الصلـة الـتـي كانت تـربـط الزبيريين ببيت النبي صلى
الله عليه و سلم عن طريق خالتهم السيـدة عائشـة رضي الله عنهـا ،
ممـا جعلهـم مصـدراً مـوثوقاً بـه عـن أخبـار سيـر و مغـازي رسول
الله ، و قد استفاد مواليهم من صلتهم بهم ؛ و من أبرزهم عالمنا هذا
الذي نحن بصدد الحديث عنه ، و هـو مـوسى بن عقبـة الـذي كـان لـه
أخـوان أكبـر منـه سنّـاً ، و همـا إبراهيـم ابـن عقبـة ، و محمد
بن عقبـة ، و كان الثلاثة من أبرز تلاميـذ مدرسة المدينة المنـورة
في الفقـه و الحـديث ، و كانت لهم حلقة في مسجد رسول الله صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ، و كانوا كلهم فقهاء و محدثين ، و
كان موسى يفتي فقد برع فـي الفقـه و فـي روايـة الحـديث ، و بـرز و
اشتهـر فـي علـم المغـازي ، و كـان ثقة عند العلماء حتى استحق أن
يقول عنه الإمـام مالك بـن أنـس : (عليكـم بمغـازي ابـن عقبـة ، و
هـي أصـح الـمـغـازي) (ضحـى الإسـلام لأحمـد
أميـن ، و السيـرة النبـوية للشيـخ محمد أبو شهبـة)
، و
يعتبـر مـوسى من صغـار التـابعيـن ، أدرك ابـن عمـر ، و أنـس بـن
مالك ، و سهـل بـن سعـد ، و سمع من أم خالـد بنت خالـد الصحـابية ،
و أخـذ عـن جمـاعـة مـن التـابعيـن ، منهـم : عـروة بـن الزبيـر ،
و محمد بن المنكـدر ، و سالـم بـن عبد الله بـن عمر ، و الزهري ، و
محمد بن يحيى بن حبان ، و غيرهم (تهـذيب
الأسمـاء و اللغـات لمحيـي الـديـن بـن شـرف النـووي و تهـذيب
التهـذيب لشهـاب الـديـن بـن حجر العسقلاني و مشاهير علماء الأمصار
و أعلام فقهاء الأقطار لأبو حاتم ابن حبان البستـي و تذكرة الحفاظ
لشمس الدين بن عثمان الذهبي)
.

     كـان لهـذه الشخصية دور بارز فـي توثيـق أحـداث السيـرة و
المغازي بخاصة ، حيث ذكرت بعض المصنفات قيام هذا الرجل بتصنيف
كتـاب في مغـازي الـرسـول صلـى الله عليـه و سلّم
(الدرر في اختصار المغازي و السير ليوسف إبن عبد البر)
، و
هـي سيـرة مختصـرة موجـزة ، لم تصل إلينا كاملة ، و إنما وصلتنا
منها مقتطفات في طبقات ابن سعـد ، و تاريخ الطبـري ، و يروي موسى
بن عقبة أن أحد مـوالي عبد الله بن عبـاس و هـو كريب بـن أبـي
مسلـم ، وضـع عنـده حمـل بعيـر من كتب ابن عباس ، مما يدل على أن
التدوين قد بدأ مبكراً ، غير أن معظم مدونات الفترة الأولى قد ضاعت
.

     و قد حصلت هـذه المـدونة عن سيرة الرسول صلى الله عليه و سلّم
و مغازيه على احترام معاصريها حتى أوصى الإمام مالك ابن أنس (ت 179
هـ) أصحـابه باعتمـادها بقوله : (عليكم بمغـازي الشيخ الصـالح
مـوسـى ابن عقبة فأنها أصح المغازي عندنا) (ضحى
الإسـلام لأحمـد أميـن ، و السيـرة النبـوية للشيخ محمد أبـو شهبة
، و تذكـرة الحفاظ لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي)

و فـي رواية : (عليكـم بمغـازي مـوسـى بـن عقبـة فإنـه رجـل ثقـة
طلبها علـى كبـر السـن ليقيـد مـن شهـد مع رسول الله صلي الله عليه
و سلم ، و لم يكثر كما كثر غيره)
(الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع للخطيب
البغدادي)
.

     و يبقـى رأي الإمـام مالك فـي مغـازي موسـى بن عقبة محل تحفظ
و تدبر ، إذ إنه لم يطلق كلامه هذا جزافاً بل أراد منه إيجـاد مصنف
فـي سيـرة الرسـول صلى الله عليه و سلّم و مغـازيـه يقف نداً
للسيـرة التي كتبهـا محمد بن إسحاق لرسـول الله محمد صلى الله عليه
و سلّم ، و ما ذلك إلا لتعـاظم العداء الشخصي بين الإمام مالك و
ابن إسحاق الذي وصل حداً أن تقاذف الإثنان التهم بينهما
(تقدمة المعرفة في كتاب الجرح و التعديل لإبن أبي حاتم)
،
فأراد الإمـام مالك في مقـالته هذه أن يسقط المغـازي التي كتبها
ابن إسحـاق مـن أعين النـاس و يجعل مغازي موسى بن عقبة أفضل منها
بشحذ همم الناس على قراءتها .

     لـم نـرد فـي هـذا الإستـدراك أن نحـطّ مـن مكـانـة المغـازي
التي كتبهـا مـوسـى بن عقبة بل أردنا التنبيه فقط إلى المـلابسـات
التي كانت وراء إصـدار مالك مثل هـذا الحكـم على هـذه المغـازي ،
إذا ما علمنا أن الإمـام أحمد بن حنبـل (ت 241 هـ) قد وافق على
مقالة مالك و لكنـه لـم يطعـن ببـاقـي المصنفـات التـي عـاصـرت
مغـازي ابن عقبـة ، إذ قال : (عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة)
(تذكرة الحفاظ لشمس الدين بن عثمان الذهبي)
.

     كانت لهـذه الآراء و الأحكـام التـي أطلقها هـؤلاء العلمـاء
على هذه المغـازي التي كتبها ابن عقبة ، صدى عند من جاء بـعـدهـا
مـن العلمـاء ، إذ حـرصـوا على الـحـصـول عـلـى إجـازة بـروايتهـا
(فهرست ما رواه عن شيوخه لإبن خير الأشبيلي)

، و أهتـم آخـرون بتضمين اقتباسات منها في مصنفـاتهم و اختصـار بعض
رواياتها (الدرر في اختصار المغازي و السير
ليوسف إبن عبد البر)
.

     و قـد كـان وراء كتـابـة ابـن عقبـة لمغـازي الـرسـول صلـى
الله عليـه و سلّـم مـوقـف ذكـره ابـن حـجـر و هـو أن ابـن عقبـة
قـد رأى النـاس يطعنـون شُـرَحبيـل بـن سعـد و يـذمـونـه و
يتهمـونـه بالكـذب ، و اتهمـوه أن يكـون يجعـل لمـن لا سابقـة لـه
سـابقـة ، كـأن يُـدْخِـلُ فـي الـصـحـابـة مـن لـم يـشـهـد بـدراً
، و مَـنْ قُتـل يـوم أحـد ، و الهجـرة ، و كـان يُدْخِـلُ مـن لـم
يكـن منهم ، و كان قد احتاج فسقط عند الناس ، فأسقطوا مغازيه ، و
علمه . فلما سمـع بذلك مـوسـى بن عقبة قال : (و إن الناس قد
اجتـرؤوا على هذا ؟) . فدبّ على كبر السن و شرع في كتابة مغـازي
الرسول صلى الله عليه و سلّم حتـى لا يتـرك مجـالاً للطعـن لمـن
تسـول لـه نفسـه ذلك . فقيـد مـن شهـد بـدراً ، و أحـداً ، و مـن
هـاجـر إلـى أرض الحبشـة ، و المـدينة و كتب ذلك
(تهذيب التهذيب لشهاب الدين ابن حجر العسقلاني)
.

     و بالرغـم مـن أن النسخـة الكاملـة من مغـازي موسي بن عقبة لم
تصل إلينا كاملة بعد ، إلا أن كتابه قد لقي اهتماماً كبيـراً مـن
المـؤرخيـن ، و كتاب السيـر ؛ نظراً لدقتـه . فجمع قطعة منه ابن
قـاضـي شهبة الدمشقي المتـوفي سنة 789 هـ ، و احتفظ ابن حجر في
كتابه (الإصابة) بقطع منـه . و قد اختصـرهـا قبل ذلك ابـن عبد
البـر في (الدُّرر في اختصار المغازي و السيـر) . و اقتبس منها
ابـن سيد النـاس الكثيـر فـي كتابـه (عيون الأثـر) ، و جعله ابن
سعـد أحد مصـادره الأسـاسيـة في (الطبقات الكبـرى) ، و الطبري و
ابن كثير و غيرهم ، كما وصلتنا أجزاء من مغازي ابـن عقبة ، و هـي
القطعـة المخطـوطـة التي وجـدهـا ادوارد سخـاو في مكتبة بـرليـن
بألمـانيـا ، و نشرهـا مع ترجمة ألمانية له سنة 1904 م بعنوان
(المنتقـى مـن مغازي موسـي بـن عقبـة) ، كمـا تـوجد قطعـة منه ضمن
أمالي ابن الصاعد . و قد استطعنا أن نتعرف من هذه الآثار على طبيعة
تلك المغازي و أثـرها في تطـور كتابة السيرة النبوية التي تركزت في
عدة محاور أضفتها على كتابة السيرة ، إذ تمثلت في :

     1 . ربط أحداث السيرة بالأحداث التي سبقتها قبل الإسلام و ما
جاء بعدها إلى العصر الذي عاش فيه ابن عقبة ، و إن كان الذيـن
سبقـوه قـد بـرز فيهم هـذا المنحى و لكنهـم لم يماثلوا ابن عقبة في
عرضه هذه الأحداث ، إذ أعطى نقلة لمؤلفي الموسوعات التأريخية مثـل
ابن إسحاق و الـواقدي و ابن سعـد و البـلاذري و غيـرهـم ، و منه
بدأت ملامح المدرسة التأريخية تتضح أكثر من السابق
(التأريخ العربي و المؤرخون لمصطفى شاكر)
.

     2 . لم تقتصـر مدونته تلك على أخبار المغـازي فقط بل تعدتها
إلى ذكـر أسمـاء من هاجـر إلى الحبشـة ، و المشتركين ببيعـة
العقبـة و حادثة الهجرة (تهذيب التهذيب لشهاب
الدين ابن حجر العسقلاني و نشأة التدوين التأريخي عند العرب لحسين
نصار)
.

     3 . الإهتمـام بالسنـد و إيـراده مـع الـروايـة
(المغازي الأولى و مؤلفوها ليوسف هوروفتس)
، و كانت معظـم مـرويـاتـه عـن الزهـري حتـى عـدّ
المحدثـون كتاب موسـى بن عقبة عن الزهري من أصح الكتب
(تهذيب التهذيب لشهاب الدين ابن حجر العسقلاني)
.

     4 . إيـراد الـوثـائق العـائدة إلى عصـر الـرسـالـة ضمـن
مدونتـه هـذه (التأريخ العربي و المؤرخون لمصطفى
شاكر)
، و مما يـدل على أنه أطلـع على أصـولها ما ذكره موسى
نفسه من أن كريباً مولى عبد الله بن عباس قد وضع عنده حمل بعير من
كتب مولاه (الطبقات الكبرى لإبن سعد و تهذيب
التهذيب لإبن حجر)
، و هـذا يبين لنا أن ابـن عباس كـان ممن
يجمعون أصولاً من هذه الوثائق .

     5 . إغفال مـدونته هذه الأشعـار التي ذكـرت في الحوادث التي
تطرق لذكرها (المغازي الأولى و مؤلفوها ليوسف
هوروفتس)
، إذ لـم يتطـرق لهـذه الأشعـار سوى في أماكن
محدودة جداً و في مصنفين فقط (الأغاني لأبو
الفرج الأصفهاني و تأريخ الرسل و الملوك للطبري)
.

     هـذا هـو مـنـهـج مـوسـى بـن عـقـبـة فـي كتـابـة السيـرة
الـذي تمثـل فـي تسجيـل الأحـداث التـاريخيـة وفق تسلسـل زمنـي
حـولـي يعتنـي بتـرتيب السنيـن ، و رغـم أن عبد الله بـن أبي بكـر
ابـن حـزم قـد سبقه إلى اتخاذ هذا المنهج ، إلا أن موسـى بن عقبة
(تميز بفكر تاريخـي منهجـي منظـم سمـح لـه و هو يبحث مغازي الرسـول
و أخبار الخلفاء الراشـدين و الأموييـن أن يفكر في وضع قوائـم
بأسمـاء الصحابة المهاجـرين إلى الحبشة ، أو المشاركين في بيعة
العقبة و غيـرهـم) (الموسوعة العربية العالمية)
، و هـي خطوة مهمة في تطـور تـدويـن السيرة ، و التدوين التاريخي
إجمـالاً ، فهـو تارة يروي بإسناده موصـولاً ، و تارة يروي عن
شيـوخه و خاصة الزهـري مرسـلاً ، و تارة يسوق الخبر دون أن ينسبه
إلى أحد بعبارته حسب ما استقى مـن مصـادره في الـوسط الـذي عـاش
فيه ألا و هـو المدينـة المنورة . و هكذا فإن كتابة السيرة أخذت
بالإستقرار عنده شيئـاً فشيئـاً ، وصـولاً إلى كتابة أول سيـرة
شاملة للرسـول صلى الله عليه و سلّـم مـن قبـل محمد بـن إسحـاق
(تذكـرة الحفـاظ لشمس الدين بن عثمان الذهبي)
. و قد توفي
موسى بن عقبة سنة 141 هـ .

 

                                                       

عن المدير