السيرة النبوية المختصرة والمستقلة ومصنفوها – خلاصة

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة والمستقلة وتطورها
المبحث الثاني: السيـرة النبـويـة المختصـرة والمستقلـة

المطلب الرابع: خـلاصــة:
نـرى ممـا تقـدم أن هـذه الـسـيـر التـي صـنـفـهـا هـؤلاء العلمـاء سـواء أكانت بإسهـاب أم بإقتضـاب قـد حـركتهـا حـوافـز متعـددة فـي كتـابتهـا وأهـم هـذه الحـوافـز هـي:

1 – الحافز العلمي: وهـذا الحـافـز قـد تمـثـل فـي السيـر التـي صنفهـا كـل مـن محمد بـن إسحـاق وذلك عنـدمـا طلب مـنـه المنصـور تصنيف كتـاب لابنـه المهـدي منـذ خلـق الله تعالـى آدم عليـه السلام، إلـى يـومـه يكـون لـه مـرجعـاً يـرجـع إليـه لمعـرفـة أخبـار الأمـم السـالفـة وأحـداث تـأريـخ الإسـلام، ونلمسهـا أيضـاً فـي قيـام ابـن هـشـام بتهـذيب هـذه السـيـرة التـي صنفهـا ابـن إسحـاق مـن الأشـعـار والـروايـات التـي لا دخـل لهـا في سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم، وعلـى هـذا الحـافـز أيضـاً كتب أحمـد بـن فـارس سـيـرتـه الـمـوجـزة لكـي تكـون سهلـة المنـال والحفـظ أمـام طـلاب العلـم والمعـرفـة عـن نسب الـرسـول وحيـاتـه وأحـوالـه، وكـان ابـن الجـوزي ضـمـن مـسـار مـسـلـك هـؤلاء فـي إيجـاد مصنـف لسيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم وأحـوالـه بعـدمـا رأى خلقـاً كثيـراً مـن أعـلام معـاصـريـه لا يحيطـون علمـاً بحقيقـة فضيلـة الـرسـول ومكـانتـه.

هـذه هـي المصنفـات التـي كـان الحـافـز الـعلمـي هـو المحـرك لكتـابتهـا، مـع العلـم أن محققـي سيـرة ابـن حـزم قـد حـاولـوا عـدّ الغـايـات التـي مـن أجلهـا صنفت هـذه السيرة هي غايات علمية بالدرجة الأولى إذ صرحا بالقول: (لسنا نبعد عن الحق حين نفترض أن ابـن حـزم فـي كتـابـة سيـرة الـرسـول صلى الله عليه وسلم كـان يـرمـي إلـى وضـع مختصـر قـريب المـأخـذ سهـل المتنـاول فـي أيـدي طـلابـه كمـا فعـل فـي كثيـر مـن رسـائلـه التـأريخيـة … وأنـه كـان فـي هـذا المـخـتـصـر يضـع الأصـول التي لا يستغنـي عـن تـذكـرهـا أو اسـتـظـهـارهـا كـل مـن اشتغـل بالسيـرة النبـويـة مـن طـلاب العلـم وقـد تكـون هـذه الغـايـة التعليميـة بـاعـثـاً أكـيـداً يـحـدو عـالـمـاً مثـل ابـن حـزم إلـى كتـابـة السيـرة النبـويـة) (مـقـدمـة تحقيـق كـتـاب جـوامـع السيـرة لـعـبـاس الأسـد)، وقـد تبيـن لنـا فـي الـفـقـرة الـتـي أوضـحـنـا فيهـا إسهـام سـيـرة ابـن حـزم فـي تـطـور كـتـابـة الـسـيـرة إلـى قـصـور هـذه الـغـايـة أمـام الغـايـات الأخـلاقيـة التـي حفـزت ابـن حـزم فـي تصنيـف سيـرتـه هـذه.

2 – الحافـز الأخلاقي: إذ تـمـثـل هـذا الـحـافـز بـكـتـابـة بـعـض مـؤرخـي السيـرة لمصنفـات الغـرض منهـا التبـرك بـذكـر سيـرة الـرسـول صلـى الله عليه وسلّـم وأحـوالـه والتقـرب بهـا إلـى الله فـي الحصـول علـى المغفـرة والمـثـوبـة والشـفاعـة له مـن قبـل نبيـه الكـريـم، إذ تمثـل هـذا الحـافـز فـي كـل مـن السيـرة التـي كتبهـا ابـن عبـد البـر للـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم حـيـث افتتحهـا بالقـول: (فـذكـرت مـغـازيـه وسـيـره علـى التقـريب والإختصـار والإقتصـار علـى العيـون مـن ذلـك دون الـحـشـد والتخليـط وإلـى الله أرغـب علـى الأمـل فـيـه والتـوفيـق لمـا يـرضيـه فهـو حسبـي لا شـريك لـه) (الـدرر فـي اختصـار المغـازي والسيـر)، وأوضـحـت مقـالـة ابـن حـزم الـتـي مـفـادهـا: (مـن أراد خـيـر الآخـرة وحـكـمـة الـدنـيـا وعـدل الـسـيـرة واحـتـواء عـلـى مـحـاسـن الأخـلاق كـلـهـا واسـتـحـقـاق الـفـضـائـل بأسـرهـا فليقتـد بمحمـد رسـول الله صـلـى الله عليـه وسـلـم وليعتمـد أخلاقـه وسيـره مـا أمكـن) (مـداواة النفـوس وتهـذيـب الأخـلاق والـزهـد فـي الـرذائـل)، هـذه هـي الأمـور التي أوضـحـت مـكـانـة سـيـرة الـرسـول وأثـرهـا فـي تهـذيـب النفـوس والأخـلاق حتـى أوضحـت مـكـانـة سيـرة الرسـول وأثـرهـا فـي تـهـذيـب الـنـفـوس والأخـلاق حتى كانت السيـرة التـي صنفهـا قـد حملـت فـي جنبـاتهـا بعـض الأقـوال التـي بينـت أثـر هـذا الحـافـز فـي كتـابتهـا.

كـان لهـذا الحـافـز أثـر مبـاشـر فـي كـثـرة المصنفـات الـتـي كتبت عـن سـيـرة الـرسـول وأحـوالـه فـي العصـور اللاحقـة، إذ أشـار أحـد البـاحـثـيـن الـذيـن أحصـوا هـذه المصنفـات إلـى دور هـذا الحـافـز فـي وفـرة المصنفـات التـي كتبت عـن سيـرة الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم (الرسالة المحمدية لسليمان الندوي)، وإن كـان هـذا الحـافـز مـوجـوداً أسـاسـاً فـي نفـس كـل مصنف كتـب سيـرة الـرسـول صـلـى الله عليـه وسـلّـم لأغـراض علميـة لأنـه فـي قـرارة نفسـه يعتقـد اعتقـاداً قـاطعـاً أنـه بعلمـه هـذا يـؤرخ سـيـرة نبـيـه الكـريـم الـذي اخـرج النـاس مـن الـظـلـمـات إلـى النـور، ومـن ثـم فقـد اشتـرك هـذان الحـافـزان فـي كتـابـة هـذه المصنفات مـع هيمنـة واحـد منهمـا علـى الآخـر.

هـذان هـمـا الحـافـزان المهـمـان اللـذان كـانـا وراء كتـابـة هـذه السيـر للـرسـول صلى الله عليه وسلّم واللـذان أثـرا تأثيـراً مبـاشـراً فـي طبيعـة كـل مصنف مـن حيث المنهج الـذي كتب فيـه الكتـاب أو الأسلـوب الـذي عـرضت فيه الـروايـات.

                                                     

عن المدير