الدرر في اختصار المغازي والسير ليوسف بن عبد البر

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الثاني: تطور الكتابة في السيرة النبوية الشريفة وتأريخها
الفصل الثاني: كتابة السيرة الشاملة والمستقلة وتطورها
المبحث الثاني: السيرة النبوية المختصرة المستقلة ومصنفوها

المطلب الثاني: الدرر في اختصار المغازي والسير ليوسف بن عبد البر (ت 463 هـ):
مصنف هـذا الكتـاب هـو أبـو عمـر يـوسـف بـن عبد الله بـن محمد بـن عبد الـبـر بـن عـاصـم النمـري، ولـد فـي قـرطبة وبـرع فـي مختلف العلـوم وصنف فـي مـواضيعهـا، كـانت لـه الأنـدلـس خيـر مـوطـن فقد عـاش ونشـأ بها وتـرعـرع فيها إلـى أن أصبح إمـام عصـره وواحـد دهـره (تذكرة الحفاظ لشمس الدين بن عثمان الذهبي).
يعـد ابن عبد البـر مـن أوائـل المصنفيـن لسيـرة الـرسـول صلى الله عليه وسلّم مـن الأندلسييـن، والـذي جعلنا نطلق هـذا الحكـم عليه ما قطـع بـه أحـد البـاحثيـن بعـدم وجـود كتب لسيـرة الـرسـول صلى الله عليه وسلّم ألفها علمـاء أندلسيـون فـي القـرن الثـانـي والثـالث والـرابـع الهجـري، بعـد أن تـفـحـص جميـع الكتـب التـي تحـدثت عـن النتـاج الفكـري للعلمـاء الأنـدلسييـن فـي هـذه المـدة، إذ أبـرز عـوامـل عـدة كانت وراء هـذا العـزوف مـن قبل العلمـاء الأنـدلسييـن عـن الكتابـة عـن سيـرة الـرسـول وأحـوالـه فـي هـذه القـرون آنفـة الـذكـر وتـأخرهـا إلى عصـر ابـن عبد البـر النمـري، وهـذه العـوامل هـي:

1 – أن الأنـدلسييـن أنتـابهـم شعـور مفـاده أن التـأليف فـي السيـرة النبـويـة وفـي مغـازي الـرسـول صلى الله عليه وسلّم هـو من اختصـاص أهـل المشـرق وبالـذات أهـل المدينـة المنـورة، ففيها نشـأ الإسـلام وتـرعـرع ونمـا وأن أبنـاء الصحـابـة والتـابعيـن هـم الأجـدر بالتـأليف بالسيـرة مـن غيـرهـم.

2 – اطلـع الأنـدلسيـون فـي رحـلاتهـم إلـى المـدينـة علـى مـا تـم تـأليفـه فـي السيـرة ممـا أدى إلـى حصـول حـدس لديهـم بعـدم جـدوى تكـرار ما كتبـه سابقـوهـم.

3 – أن الأنـدلـس لـم يـكـن لـهـا نصيب وافـر مـن الصحـابـة والتـابعيـن الذيـن كانـوا يـروون على مسـامـع الناس سيـرة الـرسـول صلى الله عليه وسلّم والحـوادث التي مـرت بـه وبصحـابتـه.

4 – لـم تـكـن ظـروف الـمـسـلـمـيـن فـي الأنـدلـس وفـي الـنـصـف الأول مـن الـقـرن الـثـانـي الـهـجـري مـواتيـة بالإتـجـاه للـتـدويـن الـتـأريـخـي، فـقـد كـانـت عـقـوده حـافـلـة بالـجـهـاد داخـل وخـارج شـبـه الـجـزيـرة الإيـبـيـريـة.

5 – عنـدمـا استقـرت الظـروف فـي الأنـدلـس بعهـد الإمـارة فـي منتصف القـرن الثانـي الهجـري اتجـه المسلمـون فيها إلـى العنـايـة بعلـوم اللغة العـربية والعلـوم الشـرعيـة.

مـع تـأكيـد مـا سـبـق أن السـيـرة النبـويـة لـم تكـن غـافلـة روايـاتهـا ومصنفـاتهـا عـن مسـامعهـم وأعينهـم طـوال تلك المـدة، بـل أنـهـا كانت تـدرس فـي محـافلهـم وأنـديتهـم العلميـة، فضـلاً عـن رحلـة بعض علمـاء الأنـدلـس إلـى المشـرق فـي طلبهـا، إذ بينت كتب الإجـازات العلميـة هـذا الأمـر مـن حصـول هـؤلاء العلمـاء علـى قسـم مـن تلك المصنفـات سـواء بالإجـازة من قبل مؤلفيها أم الذين حصلوا علـى روايتهـا أم اقتنـاء نسـخ منهـا يقـرؤونهـا عـلـى مـن حـصـل إجـازة روايتهـا ويـقـومـون بـدورهـم بمنـح هـذه الإجـازة إلـى أبنـاء بلـدهـم (فهرست ما رواه عن شيوخه لابن خير الأشبيلي).
تتضـح لنا مـن هـذا العـرض لهـذه العـوامـل الأسبـاب الكامنـة وراء تأخـر قيـام الأندلسييـن بتصنيف سيـرة للـرسـول صلى الله عليه وسلّم إلـى أن جـاء ابـن عبد البـر ليكسـر هـذا الحكـر الـذي قـام بـه المشـرقيـون لكتـابـة السيـرة، إذ صنف كتابـاً أسمـاه (الـدرر فـي اختصـار المغـازي والسيـر).
شـكـل هـذا الكتـاب نقطـة تحـول جـادة في كتـابـة السيـرة النبـويـة، وذلك لمـا نهجـه فيـه ابـن عبد البـر مـن منهـج، إذ تمثـل نهجـه بمحـاور عـدة هـي:

1 – غلبـة الـوازع الأخـلاقـي فـي تصنيف هـذا الكـتـاب علـى الـوازع العلمـي ممـا شكـل هـذا الأمـر انعطـافـة مهمـة بكتـابـة مصنفـات الـهـدف منهـا الحصـول عـلـى الثـواب مـن الله فـي تصنيـف هـذا الكتـاب بالـدرجـة الأسـاس وجـعـل الـغـايـة العلميـة فـي تصنيفـه مسـألة ثـانـويـة، إذ نلمـس ذلك فـي مقـدمتـه التـي قـال فيهـا: (هـذا كتـاب اختصـرت فيـه ذكـر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وابتـداء نبـوته وأول أمـره فـي رسـالـتـه ومـغـازيـه وسـيـرتـه فـيـهـا … وإلـى الله أرغب علـى الأمـل فيـه والتـوفيق لمـا يـرضيـه فهـو حسبـي لا شـريك لـه) (الدرر في اختصار المغازي والسير).
2 – استعمـال أسلـوب الإحـالـة إلـى مصنفـات أخـرى، وهـذا الأمـر راجـع إلـى أمـور عـدة هـي:
   أ . تجنب تـكـرار الـروايـات التـي يحتـم عليه مطلب الكتـاب إيـرادهـا، وذلك للمـراعـاة فـي اختصـار الكتـاب وضغطـه إلـى أقـل حـد ممكـن وهـذا مـا صـورتـه مقـالتـه التـي مفـادهـا: (وأفـردت سـائـر خبـره فـي مبعثـه وأوقـاتـه … لأنـي ذكـرت مـولـده وحـالـه فـي نشـأتـه وعيـونـاً مـن أخبـاره فـي صـدر كتـاب الصحـابـة) (الدرر في اختصار المغازي والسير).

   ب . تعريف الجمهـور للنـاس بكتبـه التـي صنفهـا حتـى يشتهـر أمـرهـا بيـن النـاس، وهـذا عـامـل نفسـي لأن قـارئ هـذا الـكـتـاب يسـبـب لـه نـوعـاً مـن الجـوع المعـرفـي إذا وجـد فيـه مـوضـوعـاً لـم يشبعـه كـاتبـه بحثـاً أو أغفلـه وأحـال قـارئيـه إلـى كتب أخـرى وسـع الحـديث فيهـا عـن هـذا المـوضـوع الـذي أغفلـه، ممـا يحفـزه ذلك علـى طلب تلك الكتب لإشبـاع ذلك الجـوع، إذ لـم نجـد فـي إحـالاتـه تلك أي أسـم لكتـاب صنفـه غيـره.

3 – إجـراء الـمـفـاضـلـة بيـن الـروايـات المتعـارضـة وإبـداء الآراء فيهـا لمـا يـراها أصـح، فمـن الـروايـات المتعـارضـة التـي فـاضـل بينهـا الـروايـات التـي أشـارت إلـى قـدم السبق فـي الإسـلام بيـن الإمـام علـي عليـه السـلام وأبـي بكـر الصـديـق رضـي الله عـنـه، كـذلك فـاضـل بـيـن الـروايـات التـي ذكـرت حـول مـن آخـاه الـرسـول صلى الله عليه وسلّم مـن الصحـابـة، إذ انتهـى مـن هـذه المفـاضلـة بالـقـول: (والصحيـح عنـد أهـل السيـر والعلـم بالآثـار والخبـر فـي المـؤاخـاة التـي عقـدهـا رسـول الله صلى الله عليه وسلم بيـن المهـاجـريـن والأنـصـار فـي حـيـن قـدومـه للـمـديـنـة أنـه آخـى بـيـن علـي بـن أبـي طـالب وبيـن نفسـه صلى الله عليه وسلم فقـال لـه أنت أخـي فـي الـدنيـا والآخـرة) (الدرر في اختصار المغازي والسير).

دفعت هـذه المـحـاور التـي أكسبهـا ابـن عبد البـر لكتـابـة السيـرة فـي مصنفـه هـذا العلمـاء إلـى اعتمـاد هـذا الـكـتـاب فـي مصنفـاتهـم والإجتهـاد فـي الحصـول علـى إجـازة بـروايتـه، هـذا مـن جـانب ومن جانب آخـر فقد اقتبس العـديـد مـن الذيـن صنفـوا فـي سـيـرة الـرسـول صلى الله عليه وسلّـم نصـوصـه ولا سيما ابـن حـزم الظـاهـري الـذي عـدّ محققـو كتـابـه (جوامع السيرة) صـورة مهـذبـة مـن كتـاب الـدرر عـنـد مقـارنتهـم للـروايـات المـوجـودة فـي هـذيـن الكتـابيـن (مقدمة تحقيق كتاب جوامع السيرة لعباس الأسد)، وهـذه النتيجـة تـوصـل إليهـا أيضـاً محقق كتـاب الـدرر نفسـه (مقدمة تحقيق كتاب الدرر لشوقي ضيف).

لم تكـن هـذه المحـاولـة مـن قبل ابـن عبد البـر الأولـى مـن نـوعهـا فـي كتـابـة السيـرة بـل سبقتهـا محـاولـة، وذلك بـكـتـابـة مـوجـز بسيط فـي سيـرة الـرسـول افتتح بـه كتـابـه (الإستيعـاب فـي معـرفـة الأصحـاب)، إذ بجمع الـروايـات الـواردة فـي هـذيـن الكتـابيـن عـن سيـرة الـرسـول وبـدمجهمـا مـع بعضهما ببعض يتشكـل لنـا كتـاب مـوسـع عـن سيـرة الـرسـول وأحـوالـه.

                                                     

عن المدير