أبـان بـن عثمـان

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الأول: دراسة السيرة النبوية الشريفة ومزاياها وأهدافها
الفصـل الأول: التـأليـف فـي للسيـرة قبـل التصنيـف والتبـويـب
المبحـث الثـانـي: التـأليـف فـي السيـرة عنـد التـابعيـن وتـابعيهـم
المطلـب الأول: رجـال الطبقـة الأولـى مـن كتَّـاب المغـازي والسيـر
الفرع الأول: أبـان بـن عثمـان

     هو ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولد في المدينة المنورة حوالي سنة عشرين للهجرة، وتوفي فيها في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان 101 – 105 على أرجح الأقوال، وقد نشأ أبان في كنف أبيه، الخليفة الراشد، أحد السابقين إلى الإسلام والمبشرين بالجنة والذي كانت تستحيي منه الملائكة كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. فهو من كبار الصحابة وفضلائهم، وبيته من أصلح وأطهر البيوت، في أصلح وأطهر بيئة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وهي بيئة المدينة المنورة، في هذا الجو وتلك البيئة وذلك البيت حيث الصلاح والتقى، نشأ أبان وتعلم، حتى أصبح من كبار فقهاء المدينة المعدودين والمشهورين. ومن أعلام رواة الحديث الشريف. فقد روى عن أبيه رضي الله عنه وغيره من كبار الصحابة. كما تتلمذ على يديه كثيرون من كبار المحدثين والفقهـاء، أمثال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أستاذ إمام المؤلفين في السيرة النبوية وعمدتهم، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي.

     والظاهر أن سيرته التي جمعت لم تكن إلا صحفاً فيها أحاديث عن حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأيامه ومغازيه، وقد فقدت فيما فقد من كتب المسلمين وكانت وفاته في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان ما بين 99 و 105 هـ. وهو في عِداد المحدثين الذين كان لهم ميل إلى دراسة المغازي وذكره ابن سعد مع وفيات سنة 105 هـ (بحث في نشأة علم التأريخ عند العرب لعبد العزيز الدوري والطبقات الكبرى لابن سعد والعبر في خبر من غبر لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي).

     ولقد اشتهر أبان بن عثمان بالمغازي والسير فوق شهرته في الفقه والحديث، حتى أصبح من أساتذة هذا الفن الحائزين على ثقة العلماء، فقد قال ابن سعد في الطبقات، وهو يترجم للمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيـرة، قال عنـه: (كان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذها عن أبان بن عثمان) (الطبقات الكبرى لابن سعد).

     فهذا الخبر على وجازته يؤكد أستاذية أبان بن عثمان في المغازي والسير، فقد كان الحديث والمغازي والسير من أحب الأشياء إلى أهل المدينة، ولعل ابتعاد أبان عن الاشتغال بالسياسة باستثناء الفترة التي عمل فيها والياً على المدينة من سنة 75 هـ إلـى سنة 83 هـ (في خلافة عبد الملك بن مروان) أقول: لعل ابتعاده عن السياسة وقد عمر طويلاً حيث نيف على الثمانين عاماً قلته من التفرغ للعلم، درساً وتدريساً، وتذكر إحدى الروايات أنه قد قام بتدوين السيرة في زمن مبكر، وذلك حين سأله سليمان بن عبد الملك عند زيارته المدينة في موسم الحج عن مشاهد الرسول صلى الله عليه وسلّم، إذ أجابه أبان: (هي محفوظة عندي)، فسرعان ما أحضرها له فلما قرأها أمر بتمزيقها ورميها بالنبل؛ وذلك لما رأى فيها من إبراز أبان لدور الأنصار في هذه المشاهد، على الرغم من موقفهم المتخاذل في نصرة الخليفة عثمان بعدما حوصر وقتل في داره (الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري).

     تعطينا هذه الرواية إن صحت، الجواب عن التساؤل الذي يتبادر إلى الذهن حول مصير هذه المدونة عند المعاصرين والمتأخرين عن عصر أبان، وقد قطع الدوري بعدم وصول أي شيء من هذه المدونة في المصنفات التي اعتمدت مرويات أقرانه من التابعين عند حديثها عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم وأحواله (بحث في نشأة علم التأريخ لعبد العزيز الدوري).

     من هذا كله نخرج بمحصلة نهائية هي أننا لا نستطيع إيضاح الأسس والثوابت التي عرض بها أبان سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في مدونته تلك، وذلك لاندثارها، وعدم وجود نقول منها في الكتب المتأخرة عنها، فضلاً عن إسقاط أحد الباحثين أبان من ممثلي بدايات كتابة السيرة النبوية.

 

                                                       

عن المدير