بـدايـة التـأليـف فـي السيـرة عنـد الصحـابـة

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الأول: دراسة السيرة النبوية الشريفة ومزاياها وأهدافها
الفصـل الأول: التـأليـف فـي السيـرة قبـل التصنيـف والتبـويـب
المبحث الثاني: بـدايـة التـأليـف فـي السيـرة عنـد الصحـابـة

     اشتهر عدد من الصحابة بكتابة مدونات لها علاقة بالسيرة النبوية منهم:

1 – سعيـد بـن سعـد بـن عبـادة الخـزرجـي:

     ولد سعيـد رضي الله عنه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 3 هـ وتوفي سنة 123 هـ، لقب بالكامل، ويعده أكثر المؤلفين صحابياً كأبيه، ويعـد مـن أوائـل الـذيـن دونـوا أشـيـاء عـن حـيـاة الـرسـول صلـى الله عليه وسلم، وهو والد شرحبيل بن سعيد، ولي اليمن في زمن الإمام علي عليه السّلام (35 – 39 هـ) وكان أبوه وأخوه قيس من رؤساء الخزرج وأعيانهم، فضلاً عن شهادة من كتب عن تراجم الصحابة بأنه ممن تأكدت صحبته للرسول صلى الله عليه وسلّم (الإستيعاب في معرفة الصحاب ليوسف ابن عبد البر).

     دون هذا الصحابي بعضاً من الحوادث التي مرت عليه في عصر الرسالة حتى عدته إحدى الدراسات من أوائل الذين دونوا أشياء عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم (تأريخ التراث العربي لفؤاد سزكين)، إذ أورد ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) رواية مفادها أن حفيده سعيد بن عمر قد روى عن جده وجادة (تهذيب التهذيب لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني)، مع العلم أن مصطلح الوجادة يعني عند المحدثين ما يقف عليه الراوي في كتاب شخص يروي بدوره عنه من دون أن يلقاه أو يسمع الحديث منه أو يجيزه برواية الكتاب ونشره (مقدمة في علوم الحديث لعثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح).

     اندثرت هذه المدونة بالروايات التي كتبت فيها، إذ لم يصل منها سوى بعض الروايات المتناثرة في بطون الكتب التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا تصور سوى بعض الأحداث البسيطة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم (المسند لأحمد ابن حنبل وتأريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري).

2 – سهـل بـن أبـي حثمـة الأنصـاري:

     صحابي من بني ساعدة بن عامر من قبيلة الأوس كان يبلغ من العمر سبعاً أو ثماني سنين حين توفي الرسول، ومات في أول خلافة معاوية بين سنتي 41 و 60 هـ وعده ابن حجر صحابياً صغيراً (الإصابة في تمييز الصحابة لشهاب الدين بن حجر العسقلاني والإستيعاب في معرفة الأصحاب ليوسف ابن عبدالبر).

     اهتم بـتدوين بعض حوادث السيرة، إذ أشار إلى هذا الأمر حفيده محمد بن يحيى بن سهل إلى أنه كان يعتمد على ما كتبه آباؤه في حوادث السيرة، ومما يؤكد هذا الأمر أنه كان يقول في معرض حديثه عن بعض المغازي التي نقلها منه الواقدي في كتابه (المغازي): (وجدت في كتاب آبائي) (تأريخ التراث العربي لفؤاد سزگين).

     فضلاً عن ذلك فإن إحدى الدراسات الحديثة قد أكدت أن هذه المدونة قد كانت أحد المصادر المهمة المكتوبة التي اعتمدها الواقدي في كتابه المغازي (محمد فضيل الكبيسي، منهج الواقدي وموارده في كتاب المـغازي)، ووجدت هذه المدونة مكاناً آخر لها عند البلاذري (ت 279 هـ) إذ نقل منها رواية واحدة (أنساب الأشراف لأحمد بن يحيى البَلَاذُري).

     كانت هذه المدونة أوفر حظاً من سابقتها لوجود شخص قد روى بعض متضمناتها من الروايات التي وثقت بعض حوادث السيرة.

3 – عبـد الله بـن عبـاس (ت 68 هـ):

     وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومن الذين أخذ عنه العلم الكثير بمختلف صنوفه حتى لقب بحبر الأمة (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد). وترجمان القرآن، كان يترجم لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلاميذه وحواريه في مجلس علمه، قال الواقدي: (حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله، قال: كان ابن عباس … ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي) (سير أعلام النبلاء لشمس الدين بن عثمان الذهبي).

     أشارت العديد من المصادر إلى دور هذا الرجل بتوثيـق أخبار السيرة والسؤال عن الأحداث التي حصلت فيها ممن شاهدها أو سمعها من الصحابة الذين هم أكبر سناً منه، إذ يشير إلى هذا الأمر: (كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلّم وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سر بـإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلّم) (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد)، ويضيف أيضاً: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم قلت لرجل من الأنصار هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنهم اليوم كثر، قال واعجباً لك يا ابن عباس أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله من فيهم قال فتركت ذلك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الحديث فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فأتي وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت علي فآتيك فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني)(الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد).

     بينت هذه الرواية أن الناس قد لزموا ابن عباس وأخذوا يسألونه ويستفسرون عن الحوادث التي جرت في عصر الرسالة على الرغم من وجود صحابة عدة للرسول أكبر سناً بكثير منه حتى قال واحد من الذين لازموا عبد الله بن عباس وسمعوا منه: (إني رأيت سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا تداروا في شيء صاروا إلى قول ابن عباس) (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد).

     لم يقتصر ابن عباس على السؤال وحده في حفظ أخبار السيرة بل كان يكتب ما يسمعه من أجوبة عن الأسئلة والإستفسارات التي كان يطرحها على الصحابة، حتـى رآه بعض الناس وقد حمل ألواحاً يكتب عليها عن أبي رافعة شيئاً من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد)، حتى كانت حصيلة هذا المجهود المضني أن ترك مجموعة كبيرة من المدونات أو الصحائف في مختلف صنوف العلم وصفها من شاهدها بأنها تقدر بحمل بعير (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد).

     ومن اطلاعنا على الروايات التي تحدثت عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم في مختلف المصادر وجدنا قسماً كبيراً منها ينتهي بطرق إسنادها إلى ابن عباس (ابن هشام عبد الملك، السيرة النبوية)، وهذا راجع إلى أن ابن عباس كان ممن يحدث الناس بمغازي الرسول صلى الله عليه وسلّم في مجلس كبير يعقده في المدينة، إذ روى من شاهده أنه كان يجلس يوماً لا يذكر فيه إلا الفقه ويوماً التأويل ويوماً المغازي ويوماً أيام العرب (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد).

     تبين لنا هذه الروايات المنقولة عن ابن عباس أنه لم يفصل بين الروايات التي تخص حياة الرسول والروايات التي تخص ما نطق به من أحكام شرعية وما سنه من أفعال وأقوال، حتى كانت هذه السمة التي امتازت بها مدونات ابن عباس عن أحوال الرسول صلى الله عليه وسلّم وسيرته.

4 – عبـد الله بـن عمـرو بـن العـاص (ت 65 هـ):

     ولد بمكة قبل البعثة بسنتين، وكان من صغار الصحابة الذين دونوا بعضاً من أحاديث الرسول في صحيفة أسماها (الصحيفة الصادقة). وظل هذا الرجل محايداً في اتجاهاته وميوله للأحداث التي عاصرها إلى أن توفي بمصر سنة (65هـ) في أرجح الأقوال (الطبقات الكبرى لمحمد ابن سعد).

     كانت اهتمامات هذا الصحابي منصبة على تدوين أقوال الرسول صلى الله عليه وسلّم، إذ أكد ابن الأثير (ت 630 هـ) هذا الأمر حين وصف مدونة عبد الله بن عمرو بأنها قد ضمت ألف حديث (أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير الجزري)، حفظ الزمن لنا منها 436 حديثاً بحسب احصائية أحد الباحثين (السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب) وأورد الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، أكثر من نصفها في مسنده (المسند لأحمد بن محمد الشيباني).

     تناقل أحفاد عبد الله هذه الصحيفة أو المدونة، ومن الذين وصلت إليهم حفيده عمر بن شعيب، إذ أشار ابن حجر إلى هذا الأمر بقوله: (إذا حدث عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده فهو كتاب) (تهذيب التهذيب لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني).

     كانت هذه المدونـة إلى الحديث أقرب منها إلى السيرة ولكن محتوياتها من بعض الأحاديث التي وثقت بعض المواقف والأحداث التي حصلت في عصر الرسالة جعلتنا نوردها ضمن هذه المدونات، حيث وجدنا الطبري قد اعتمد على روايـة متن هذه الصحيفة بطريق عمر بن شعيب في كتابه (تأريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري).

خـاتمـة :

     هذه هي المدونات التي تناولت بعض أحداث السيرة والتي اتفقت المصادر القديمة على قيام الصحابة بتدوينها، وإن لم تكن هي نهاية جهود الصحابة في توثيق أخبار الرسول صلى الله عليه وسلّم بل توجد هنالك مدونات أخرى لا ترتقي إلى مصاف سابقتها، إذ لم يتعد توثيقها حادثة محددة أو كتابة بعض الأحاديث النبوية (بحوث في تأريخ السنة المشرفة لأكرم العمري).

     لم تقتصر تلك المدونات على الجوانب التأريخية لحياة الرسول صلى الله عليه وسلّم بل كانت تتضمن أحكاماً تشريعيةً؛ وهذه الأحكام هي السنة النبوية، ولذلك نجد أن هذه المدونات قد تلقفتها كتب الحديث والأخبار والسيرة على حد سواء (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي).

     إن هذا التداخل بين هذه المواضيع في هذه المدونات مرجعه إلى أن الإستقلالية في التصنيف بالعلوم والمعارف آنذاك ولا سيما عند المؤرخين والمحدثين لم تكن قد نشأت بعد؛ فضلاً عن اشتراكها بآليات البحث لكل منهما وهي (الرواية) (مقدمـات العلوم والمناهج لأنور الجندي).

     ولّد هذا الأمر ترابطاً وثيقاً جداً بين الحديث والتأريخ في بداية تدوينهما عند المسلمين، إذ أسهما في رفد السيرة النبوية بالروايات التي تدخل ضمن اختصاص كل منهما (مظاهر تأثير علم الحديث في علم التأريخ عند المسلمين لبشار عواد معروف).

     تجدر الإشارة الى أن معظم أصول هذه المدونات قد فقد، مما حدا بالباحثين على الإعتماد في دراستها على المصادر التي نقلت منها والتي وصلت إلينا، فضلاً عن أن بعضها قد تضاربت فيه الآراء من حيث إنها روايات منقولة شفاهاً أم مدونةً.

 

                                                       

عن المدير