مصادر السيرة النبوية الأصلية

الكتاب الأول: مقدمات في دراسة السيرة النبوية الشريفة
الباب الأول: دراسة السيرة النبوية الشريفة ومزاياها وأهدافها
الفصل السادس: مصادر السيرة النبوية الأصلية

     إذا حـاولت أن تتعرف على الحبيب المصطفـى، فإنك لن تعـدم وسيلة لـوفرة الكتب التي تتحدث عنه وعن سيـرته صلى الله عليه وسلم. فإنك لـن تجد أمة خدمت نبيها وسجلت سيـرته، ولم تترك شاردة ولا واردة كان يفعلها إلا وسجلتها ونقلتها لبقية أفـرادها، ولـن تجـد أمة فعلت ذلك مثل أمة الإسـلام ! ودليـل ذلك الكم الهائل والتـراث الضخم من الكتب التي تنـاولت سيـرته صلى الله عليه وسلم أو تنـاولت جوانب من شخصيته أو أمور حياته صلى الله عليه وسلم !!

     والسيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام، لها مصادر شتى غير كتب السيرة المعتمدة المعروفة. لذا فلا بد لمـن أراد الإطـلاع على سيـرة النبي صلى الله عليه وسلم أو التبحـر فيها، لا بد له من الإعتنـاء بهذه الكتب والإنتفاع بتلك المصادر كلها ما أمكن.

     ومن الأخطـاء الشائعـة الإعتقـاد أن دراسة سيـرة الرسـول صلـى الله عليه وسلـم هـي متـابـعـة تاريخـه من المـولد إلى الوفـاة، وهـذا خطأ بـالغ !! لأنك لـن تفقـه السيـرة حقـاً إلا إذا درست القـرآن الكـريم، والسنة المطهـرة. وبقـدر ما تنـال من ذلك، تكـون صلتك بنبي الإسـلام صلى الله عليه وسلم أوثق.

     وسنستعـرض فيما يلي الكتب التي تنـاولت سيـرته صلى الله عليه وسلم أو جـوانب من حيـاتـه، حتـى يمكـن الإنتفـاع بهـا، ومعـرفة محتـوى كـل كتاب منهـا:

المبحث الأول: القرآن الكريم:

     لابد لأي باحث يريد أن يصنف في السيرة النبوية أو يكتب فيها أن يجعل من القرآن الكريم مصدراً أساسياً له. فقد ضم القرآن الكريم جزءاً كبيراً من أخبارها الصحيحة التي لا يتطرق إليها الشك أو الظن، وبهذا فقد وفر القرآن الكريم قدراً عظيماً من الأخبار الصحيحة للسيـرة وصاحبها عليه الصلاة والسلام. لهذا فإن القرآن يعدُّ في مقدمة مصادر السيرة في حالة أي مشروع موسوعي يتعلق بتدوينها، وروايتها، وحفظها، لأن القـرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه لفظاً بطريقة الوحي (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري) ولا يأتيه الباطـل، وقد وعـد الله تعالى بحفظـه فقال : {إِنَّا نَحْـنُ نَـزَّلْنَـا الـذِّكْـرَ وَإِنَّـا لَـهُ لَـحَـافِـظُـونَ} (سورة الحجر، الآيـة: 9).

     وعنـدما نقـول إن القـرآن الكـريم يعـد مصـدراً أصليـاً في سيـرة الرسـول صلى الله عليه وسلم فإننا نعني بذلك أن القـرآن الكـريم (تضمن بيان العقيـدة الإسـلامية، والشريعة الإسلامية، وتـرد فيه آيات الأحكام ذات الأهمية الكبيرة في بيان النظم الإسـلامية، ونشـأتها، فهـي تلقـي ضـوءاً على التشـريعـات الإجتمـاعية والإقتصـادية، والسيـاسية، التـي عمـل بمقتضـاها النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الدولـة الإسـلامية الأولـى) (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     فالناظر المـدقق في القـرآن الكـريم يرى إشاراته إلى سيرته صلى الله عليه وسلم، إما بتصريح العبارة، أو بطريق الإشـارة، أو بطـريق التضميـن، أو المـوازنة، فهـو في ذلك أصـل الأصـول، ومصدر النور، ليس وراء حجته حجة، ولا مع دليله دليل، ونصه هو القاطـع للخصـومة، وقـوله هـو الفصـل.

     ولأن الصـورة الـواضحة الصادقة لشخصية الرسـول الكـريم صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، هي أصدق ما وصلنا عنه من أخبار، وهي أصح وصفاً لحقيقة سيـرته، وشمائله، ودلائل نبـوته، وأخـلاقه، وخصائصه، وهي أوثق تقرير لما كان عليه صلى الله عليه وسلم في جميع حالاته.

     ففـي ثنـايـا القـرآن الكـريـم الكثيـر مـن الآيـات التـي تعـرضت لحيـاتـه صلـى الله عليـه وسلـم قـبـل بعثتـه وأثنـاءهـا وبعـدهـا. فحـديث القـرآن عـن يُتْمِـه ورد في قـوله تعـالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} (سورة الضحى، الآيـتان: 6 – 7). وحديثـه عـن لحظـة نـزول الـوحـي عليـه صلـى الله عليه وسلم، جاء في قوله سبحانه وتعـالى: {اقْـرَأْ بِاسْـمِ رَبِّكَ الَّـذِي خَلَقَ} (سورة العلق، الآيـة: 1).

     وحديثه عن حاله صلى الله عليه وسلم عند تلقيه الوحي، كما في قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (سورة القيامة، الآيـتان: 16 – 17).

     وحـديـث القـرآن عـن عـداوة الأعـداء وخـصـومـة الكـافـريـن لـه، واتـهـامه بـشـتـى أنـواع المـعـايـب فـي قـولـه تـعـالـى: {إِنَّهُـمْ كَانُـوا إِذَا قِيـلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} (سورة الصافات، الآيـتان: 35 – 36).

     كـذلك حـديث القـرآن عـن بشريتـه واضحـاً فـي قولـه تعالـى: {قُلْ إِنَّـمَـا أَنَـا بَشَـرٌ مِّثْلُكُـمْ يُـوحَـى إِلَـيَّ أَنَّمَـا إِلَهُكُـمْ إِلَـهٌ وَاحِـدٌ} (سورة فصلت، الآيــة: 6). وقولـه تعـالـى : {وَمَـا مَنَـعَ النَّـاسَ أَن يُـؤْمِنُـواْ إِذْ جَـاءهُـمُ الْهُـدَى إِلاَّ أَن قَـالُـواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَـرًا رَّسُـولاً} (سـورة الإسراء، الآيـة: 94).

     كما تحـدث القـرآن عن أمته الأمية في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَـاتِهِ وَيُـزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَـةَ وَإِن كَـانُـوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَـلَالٍ مُّبِينٍ} (سورة الجمعة، الآيـة: 2).

     وتحدث القرآن الكريم عن أمِّيَّته، في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} (سورة الأعراف، الآيـة: 157).

     أما الحـديث عن غـزواته فقد ورد في ما يقارب (280) آية من القرآن الكريم، وهي ما يناهز نسبة 4،65% من كتاب الله تعالى جاء بعضها صريحاً كالغزوات الكبرى: بدر، وأحد، والخندق، والحديبية، وخيبر، وحنين، وفتح مكة العظيم.

     وقـد خـصـص القـرآن الكـريـم قـدراً وافيـاً للحـديـث عـن أسـاليب دعـوتـه للنـاس كـمـا فـي قـولـه تـعـالـى: {ادْعُ إِلِـى سَبِيـلِ رَبِّـكَ بِالْـحِـكْـمَـةِ وَالْمَـوْعِـظَـةِ الْحَـسَـنَـةِ} (سورة النحل، الآيـة: 125). وقـولـه تعـالـى: {فَـاصْـدَعْ بِـمَـا تُـؤْمَـرُ وَأَعْـرِضْ عَـنِ الْـمُـشْـرِكِـيـنَ * إِنَّـا كَـفَيْـنَـاكَ الْمُسْتَهْـزِئيـنَ * الَّذِيـنَ يَجْعَلُـونَ مَـعَ اللَّهِ إِلَـهـاً آخَـرَ فَـسَـوْفَ يَـعْـلَـمُـونَ} (سـورة الـحـجـر، الآيـات: 94 – 96). وكذلك قـولـه جـل جـلالـه : {يَا أَيُّهَـا النَّبِـيُّ جَـاهِـدِ الْكُفَّـارَ وَالْمُنَـافِـقِيـنَ وَاغْلُـظْ عَلَيْهِـمْ} (سورة التحـريم، الآيـة: 9). وقـولـه تعـالـى: {فَاصْبِـرْ كَـمَـا صَبَـرَ أُوْلُـوا الْعَـزْمِ مِـنَ الـرُّسُـلِ وَلا تَسْتَعْجِـل لَّـهُـمْ كَـأَنَّهُـمْ يَـوْمَ يَـرَوْنَ مَـا يُـوعَـدُونَ لَـمْ يَلْبَثُـوا إِلاَّ سَـاعَـةً مِّـن نَّـهَـارٍ بَـلاغٌ فَـهَـلْ يُهْلَـكُ إِلاَّ الْقَـوْمُ الْفَـاسِـقُـونَ} (سـورة الأحقـاف، الآيـة: 35).

     ولـم يقف القـرآن عنـد ذلك، بـل تعـدى إلـى أمـر فـي غـاية الأهميـة، وهـو تـأييـد المـولـى تعـالى لنبيـه ورعـايته لـه فـي دعـوتـه وجـهـاده، كمـا فـي قـولـه تـعـالـى فـي الآيـات الآتيـة: {وَإِن يُـرِيـدُواْ أَن يَـخْـدَعُـوكَ فَـإِنَّ حَـسْـبَـكَ اللهُ هُـوَ الَّـذِيَ أَيَّـدَكَ بِنَـصْـرِهِ وَبِالْمُـؤْمِـنِـيـنَ} (سـورة الأنفـال، الآيـة: 62). و قـولـه سبـحـانـه وتـعـالـى كـذلـك: {إِلاَّ تَـنـصُـرُوهُ فَـقَـدْ نَصَـرَهُ اللهُ إِذْ أَخْـرَجَـهُ الَّـذِيـنَ كَـفَـرُواْ ثَـانِـيَ اثْـنَيْـنِ إِذْ هُمَـا فِـي الْغَـارِ إِذْ يَقُـولُ لِـصَـاحِبِـهِ لاَ تَـحْـزَنْ إِنَّ اللهَ مَـعَـنَـا} (سـورة التـوبـة، الآيـة: 40).

     كما أوضـح القـرآن علـى أن دين الإسـلام نـاسـخ للأديـان كلهـا كمـا فـي قـولـه تعـالـى: {وَمَـن يَبْتَـغِ غَيْـرَ الإِسْـلاَمِ دِينـاً فَلَـن يُقْبَـلَ مِنْـهُ وَهُـوَ فِـي الآخِـرَةِ مِـنَ الْخَـاسِـرِيـنَ} (سـورة آل عمـران، الآيـة: 85)، وقـولـه تعـالـى: {إِنَّ الـدِّيـنَ عِندَ اللهِ الإِسْـلاَمُ} (سورة آل عمران، الآيـة: 19).

     أمَّا إذا نظـرنا إلى المسـاحة والحيز الذي أفرده القـرآن الكريم لعلاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمشـركيـن، وأهـل الكتـاب، والمنـافقين، فإننا سـوف نقف على قـدر كبير من الآيات القـرآنية تتجـاوز المئات بل قد تفوق الألف آية عن هـذه الجماعات، ويكفي أن نـذكـر بعضـاً منها علـى سبيـل المثـال، لا الحصـر؛ فعـن عـلاقـة الـرسـول صلى الله عليه وسلـم بالمشـركيـن، كمـا فـي قـولـه تعـالى: { وَإِذَا تُتْلَـى عَلَيْهِـمْ آيَـاتُنَـا بَيِّنَاتٍ قَـالَ الَّذِيـنَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} (سورة يونس، الآيـة: 15). وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَـرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيـدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (سورة الرعد، الآيـة: 43). وقـولـه عـن أهل الكتـاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَـابِ تَعَالَـوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَـوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْـرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِـذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (سورة آل عمران، الآيـة: 64).

     لـقـد تـحـدَّث الـقـرآن الـكـريـم عـن حـيـاتـه وسـيـرتـه، وفـضـائـلـه وأخـلاقـه، ورحمتـه، وصـلاتـه، وتـهـجـده، ودعـائـه وذكـره وتـسـبـيـحـه، وقبلَتِـهِ، ومـا أوحـي إليـه، وعـلاقتـه بـأصحـابـه مـن المهـاجـريـن والأنصـار، كمـا تحـدث الـقـرآن الـكـريـم عـن هـجـرتـه، وقـضـائـه، وعـن حـيـاتـه الـعـائـلـيـة حـتـى عـن بـعـض الـجـوانب الخـاصـة فـي حيـاتـه صلـى الله عليـه وسلـم.

     بـل إن القـرآن الكـريـم انفـرد بشيء مهـم دون المصـادر كلها ألا وهـو الحـديث عن حـالته النفسيـة والشعورية (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة)، كما صَوَّرَ حسرته الباطنية، وحرقته على مَن لم يؤمن مِن قومه، وهم يتساقطون في طريق جهنم واحداً بعد الآخر (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة).

     ولعل الصـورة تكون أوضح إذا عرفنا أن القرآن الكريم أشار إلى مجمل السيرة النبوية من غير تفصيل، عندما تحدث حـتـى عـن العـرب قـبـل بعثتـه فـي كثيـر مـن منـاحـي حيـاتهـم الإقتصـاديـة، والسيـاسيـة، والإجتمـاعيـة والتـركيبيـة، والعقـائديـة، كمـا حـدثنـا عـن الحضـارات الغـائـرة، والأقـوام الغـابـرة فـي الجـزيـرة العـربيـة، مـمـا يعطينـا فكـرة صحيـحـة عـن المجتمـع الإنسـانـي قبيـل ظهـور الإسـلام (مصـادر السيـرة النبـوية وتقـويمهـا لفاروق حمـادة).

     إن كـل هـذه الصـور، والمـواقف، والإرشـادات، عـن سيـرته، وعـن شمـائله، وأخبـاره لتـدل دلالـة واضحـة فـي الجملـة والتفصيـل علـى أن القـرآن هـو المعجـزة الخـالـدة التـي وَضَّحت وأظهـرت نبـوته صلـى الله عليـه وسلـم (الصحيـح المسنـد مـن دلائـل النبـوة لمقبـل بـن هـادي الـوادعـي)، وأنـه خـاتـم الأنبيـاء والمـرسليـن وسيـد العـالميـن.

المبحث الثاني: مكاتبات الرسول صلى الله عليه وسلّم:

     تشمـل هـذه الـوثـائق الـرسـائل والمعـاهـدات والـوصـايا التي كتبت بـأمـر من الرسـول صلـى الله عليه وسلّـم ودونت في حياته الشـريفة وفي المـرحلة المـدنية من الدعـوة الإسلامية حصـراً لأن هذه الوثائق لم تكتب إلا عنـدمـا هـاجـر الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم إلـى المـدينة وأصبح قـائـداً دينيـاً ودنيـويـاً للمسلمين، وعلل أحـد البـاحثين افتقـار العصـر المكـي لمثل هذه الوثائق بكون: (عصـر النبـي صلـى الله عليـه وسلّـم قبـل الهجـرة عهـد تمهيـد وتجـربـة ولا يصـح أن يقـال إن الجمـاعة الإسـلامية بمكة كانت حينئذ دولـة مـن الـدول، فـإنـه لـم يكـن لهـا كيـان سيـاسي ولا نظـام إداري. ولا تصـادف فـي هـذا العصـر ما يطلـق عليه اسـم السيـاسة الخـارجية سوى بيعتـي العقبـة والـرضـوان اللتيـن أسـسـتـا بنـيـان الـدولـة الإسـلامـيـة وكـان لهـمـا أثـر عظيـم فـي مـا بعـد، إلا أنهمـا لـم تكتبـا فـي قـرطـاس ولـم تـؤخـذا إلا سـراً) (مجمـوعـة الـوثـائـق السيـاسيـة العـائـدة للعهـد النبـوي والخـلافـة الـراشـدة لمحمـد حميـد الله الحيـدر آبادي).

     وقـد استفـاد العلمـاء المسلمـون مـن هـذه الـوثـائـق، واعتمـدوهـا فـي مصنفـاتهـم بحـسـب اختصـاصـاتهـم واهتمـامـاتهم، وذلك لأنها شملت جـوانب عـدة من حـوادث عصـر الرسـالة، إذ ضمت بحسب ما صنفهـا الحيـدر آبادي:

     أ . المعاهدات الجديدة أو تجديد ما سبق من المعاهدات.
     ب . الدعوة إلى الإسلام.
     ج . تولية العمال وذكر واجباتهم وكيف ينبغي لهم أن يتصرفوا في أمر من الأمور.
     د . العطايا من الأراضي أو الغلات وغيرها.
     هـ . كتب الأمان والتوصية.
     و . استثناء بعض الأوامر في حق أناس معينين.
     ز . المتفرقات مثل المكاتيب التي جاءت جواباً عما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم.

     ومع كـل ذلك فـإن هـذه الوثـائق يجب أن لا تؤخـذ جميعهـا على كـونها من المسلمات الأكيـدة مـن حيث إن الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّم قـد أمـر بكتـابتهـا، إذ إن هـذه الـوثـائـق بحسب ما أشار الحيـدر آبادي قد لعبت بها بعـض الأيـدي، وظهرت من جـراء ذلك بعض الـوثـائـق المنحـولة والمـزيفة والمـوضـوعة التي كتبت لأغراض متعددة. إذ وضع لأجل ذلك معيـاراً يبين فيـه مقـاييس الـوضـع والصحـة فـي هذه الـوثـائق قـال فيـه: (ونظـن أن كتب الأمـان التي كتبهـا النبـي صلـى الله عليـه وسلـم للقبـائـل المسلمـة أو الخـاضعـة لـه أو التـي لـم تتضمـن إلا مطـالبتهـم بـأداء الفـرائـض الـدينيـة صحيحـة لأنه لا يـوجـد فيهـا ما عسـى أن يكـون مـوضـوعـاً إذ لا حـاجـة لأحـد إلى وضعهـا، ولو كـانت بعـض هـذه الكتب وضعت لتكون مفخرة لقبيلة على أخـرى، فان مثل هذا الـوضع كان يتـرك طابعة في أسلـوبها، ولكن هذه الـوثـائق لا تحتـوي إلا على إعطـاء الأمان والأمـر بإقـامة الفـرائـض، أما الـوثـائق التي لا تشمل إلا على الحقـوق والـواجبات أو التي تذكر أشياء لم توجد في عصـر النبـي صلـى الله عليـه وسلـم فنعـدهـا مـوضـوعـة كبعـض العهـود التـي زعمـوا أن النبـي صلى الله عليه وسلـم كتبها للنصارى واليهود والمجـوس. وفـوق هـذا نجـد أن الـوثـائق الطـويلة أكثـر تعرضـاً للتحريف، إذ كان المعتمد في الرواية على السماع، ولذلك نجد أن أطول النصوص أكثـرهـا إختـلافـاً) (مجمـوعة الـوثـائق السيـاسية العـائـدة للعهـد النبـوي والخـلافـة الـراشـدة لمحمد حميد الله لحيدر آبادي).

     هـذا وقد اهتم المسلمـون منـذ عصـر الرسـالة بهـذه الوثـائق فقاموا بحفظ نسخ منها، إذ أكدت إحـدى الدراسـات الحـديثة هذا المنحى بالقـول: (إن الصحـابة والتابعين كانوا ينسخون صوراً من خطابات النبي صلى الله عليه وسلم المـرسلة إلى مختلف الجهـات … لأنـه لـم يكن ممكنـاً لأحـد أن يجمع مكـاتيب الرسـول صلى الله عليه وسلم المـرسلة إلى الجهات الأخرى ما لم تكن هناك صور محفوظة منها لدى الصحابة) (كتاب النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور محمد مصطفى الأعظمي).

     واتفقت هـذه النتيجـة آنفـة الذكـر مـع مـا أوردتـه المصـادر المتقـدمة أن بعض الصحابة كانوا يحفظون شيئاً من هـذه المكـاتبـات عنـدهـم، إذ أوضـح القـاسم بن سـلام (ت 224 هـ) أنه قد اطلع على الكتـاب الذي كتبه الرسـول صلى الله عليه وسلّم إلى أهل دومـة الجنـدل إذ أتـاه به شيخ مـن أهـل تلك المدينة وكان الكتـاب مكتـوباً في قضيم صحيفة بيضاء فنسخه بتمامه (كتاب الأموال لأبـي عبيـد القاسم بن سلاّم).

     وأضاف محمـد بـن عبـد الله الأزرقـي (ت 232 هـ) إلـى أن أسـرتـه قد احتفظت بالكتـاب الـذي كتبه الـرسـول لجـدهـم الأزرق بـن عمـر وولـده إلـى أن ذهب هـذا الكتـاب فـي أحـد السيـول الـذي اجتـاح مكـة سنة (80 هـ) (أخبـار مكـة ومـا جاء فيها مـن الآثـار لمـحـمـد بن عـبـد الله الأزرقـي).

     وأكـد عبد الله بـن يـوسـف الـزيلعي (ت 762 هـ) أن عكرمة مولى عبد الله ابن عباس قد نسخ الكتاب الذي بعثه الـرسـول صلـى الله عليـه وسلّـم إلـى الـمـنـذر بـن سـاوى أميـر البحـريـن يـدعـوه فيـه إلـى الإسـلام (نصب الـرايـة لأحـاديث الهـدايـة وبغية الألمعي في تخريج الزيلعي لجمال الدين بن يوسف الزيلعي).

     لاقـت هـذه الوثـائق تـرحيبـاً واستجـابة من قبل الناس لسماعها وتنفيذ ما جاء فيها من أوامر وذلك في الأجيـال التـي تلت الجيـل الأول مـن المسلميـن، وهـذا مـا أوضحـه محمد بن سعد (ت 230 هـ) فـي روايته التـي أورد فيها مكـانـة هـذه الوثـائق ومـا كانت تلقـاه من قبل المسلمين وأن أمـرها لنافذ ولا يحتاج إلى مراجعة (الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد).

     لـم يصلنـا من أصـول هـذه الـوثـائـق سـوى أصليـن أو ثـلاثـة كمـا ذكـر ذلك الحيـدر آبـادي (مجمـوعة الـوثـائق السيـاسية العـائـدة للعهـد النبـوي والخـلافـة الـراشـدة لمحمد حميد الله الحيدر آبادي) وهـذا راجع إلـى كـون هـذه الوثائق قد كتبت على مواد قابلة للتلـف والتحلل بسرعـة (كـالأعشـاب والبـردي والـرق)، فضـلاً عـن ذلك كله فـإن بقيـة الـوثـائـق قـد حوتهـا المجاميع الحديثية وكتب السيرة والفقه، إذ بينت دراسة الحيـدر آبـادي أماكن هـذه الوثـائق من تلك المصنفـات.

المبحث الثالث: كتب الحديث الشريف:

     لقد شغلت السيـرة النبـوية حيزاً كبيراً من كتب الحديث الشـريف، وكل من ألف في الحديث لم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثته، ودعـوته، وجهـاده وهجـرته، ومغـازيه، بل حتى عن صحـابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين (السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة لمحمد بن محمد أبو شهبة).

     وتأتي أهمية كتب الحديث في دراسة السيـرة النبوية المطهرة لأنها توضح العقائد، والآداب الإسلامية، وكثيراً من الأحكام التعبدية، والتشريعية، والأخلاقية (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     كما أن كثيـراً من كتب الحـديث تخصص أقسـامـاً، وأبواباً وكتباً لجهاده، ومغازيه، وجوانب كثيرة من سيرته وحيـاتـه صلى الله عليه وسلم وليس ثمة كتاب في الحـديث إلا وقد خصص باباً أو كتاباً، أو ضمن الأبـواب المختلفة مادة عن السيرة النبوية وحوادثها المختلفـة (السيـرة النبـويـة الصحيحـة لأكـرم ضيـاء العمـري) ، غيـر أنهـا غيـر مرتبـة حسب التتابع الـزمني للأحداث (فقه السيرة لمحمد سعيد رمضان البوطي).

     وقـد استمـر هـذا المنهـج عنـد المحـدثيـن حتـى بعـد انفصـال السيـرة عـن الحـديث، وجعلها علماً مستقـلاً عنه (السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة لمحمد بن محمد أبو شهبة) ؛ ذلك لأن كتب الحـديث مـوثقـة، ومنهجهـا أدق، لـذا يجب الإعتماد عليها، وتقـديمها على غيرها من الكتب، حتى على روايات كتب المغازي والسير (السيرة النبـوية الصحيحة لأكـرم ضياء العمري).

     غـيـر أن هـذه الـكـتـب وهـي كـتـب الـحـديـث اعـتـنـت بـجـمـع أقـوال الـنـبـي صلـى الله عـلـيـه وسـلـم، وأفـعـالـه ، وتقـريـراتـه، وأحكـامـه، وقـضـايـاه … ، وأفـردت فـي الـوقـت نفسـه أبـوابـاً لـمـولـده، وبـعـثـتـه، وهـجـرتـه، ومـغـازيـه … إلا أن مـقـصـد مـؤلـفـي هـذه الـكـتـب كـان مـنـصَـبًّـا عـلـى قـضـيـة الأحـكـام الـفـقـهـيـة (مصـادر السيـرة النبـويـة وتقـويمهـا لفـاروق حمـادة).

     وكانت مشاهد السيرة تأتي في ثناياها ليستدل بها على الحكم الشـرعي، كما في أبواب حجته صلى الله عليه وسلم، وبعض ما وقع له من المعجـزات والخوارق (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة) وهـذا علـى سبيـل المثـال لا الحصر.

     وهـنـا يجب أن نشـيـر إلى قضيـة مهمـة، وهـي أن كتب الحـديث بحكـم عـدم تخصصهـا، لا تـورد التفـاصيل، عـن مـولـده، ونشـأتـه، وبعثتـه، وهجـرتـه، وغـزواتـه، وجهـاده، … وبقيـة أخبار حيـاته (السيرة النبوية الصحيحة لأكـرم ضيـاء العمري) بل كانت تقتصر على بعض تلك الأخبار وفق منهج أهل الحديث في الرواية.

     لكننا نستطيـع ومـن خلالها أن نكـوِّن فكـرة شاملة، وإن كانت غير متكاملة أحياناً عن سيرته صلى الله عليه وسلم، لأنها رويت بالسنـد المتصـل إلى صحـابته رضوان الله عليهم، وهـم أكمل وأصـدق أجيال هذا التاريـخ العظيـم عن حيـاته وسيـرته صلى الله عليه وسلم (السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي).

     كما يمكننا استكمال هذه الأخبار بتفاصيلها من كتب السيـرة المتخصصة؛ التي نثق بها والتي كتبها الأوائل، لنقف على الصور الكاملة الواضحة عن أحداث السيرة النبوية (السيـرة النبـوية الصحيحـة لأكـرم ضيـاء العمـري).

     لقد اتفق العلماء على أن أشهر وأقدم كتب الحديث التي زخرت بأخبار السيرة النبوية، وحياة صاحبها عليه الصلاة والسـلام، هو الكتاب العظيم موطأ الإمـام مالك (ت 179 هـ)، حيث أورد جملة من الأحـاديث تتعلق بسيـرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصـافه، وأسمـائـه، وذكـر مـا يتعلق بالجهاد (السيـرة النبـوية في ضـوء الكتـاب والسنـة لمحمـد بـن محمد أبـو شهبة – السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري – الموطأ للإمام مالك بن أنس).

     كذلك فعل صاحب أعظم كتاب في الحديث بعد القـرآن الكريم الإمام الشهير أبو عبد الله البخاري (ت 256 هـ) في صحيحه، حيث ذكـر جـوانب من حياته صلى الله عليه وسلم قبـل البعثـة، وبعدهـا، وخصص كتابـاً في المغـازي وآخـر في الجهـاد(صحيـح البخاري) كمـا ذكـر كثيـراً من خصائصه، ودلائل معجـزاته، وشمائله العطرة، بما يوازي عُشْرَ الجامع الصحيح (السيـرة النبـوية في ضوء الكتاب و السنة لمحمد بن محمد أبو شهبة).

     وهكـذا سار من بعده الإمام مسلم بن الحجاج (ت 261 هـ) صاحب الصحيح، وهـو الكتاب الثاني بعد البخـاري بلا خلاف بيـن المسلمين، حيث اشتمـل على جزء كبير من سيرته، وفضائله، وجهاده، وأفرد كتاباً سماه كتاب الجهاد والسير (السيـرة النبـوية في ضوء الكتاب والسنة لمحمد بن محمد أبو شهبة وصحيح مسلم).

     وكـان كـل مـن جـاء بعـدهـم مـن أئـمـة هـذا العلـم يسيـر عـلـى المنهـج نفسـه مـع اخـتـلاف فـي الـتـبـويب والتـرتيب، كـأصحـاب السنـن: الإمـام أبـي داود (ت 275 هـ)، والتـرمـذي (ت 279 هـ)، وابـن مـاجـه (ت 273 هـ)، والـدارمـي (ت 255 هـ)، والإمام أحمـد فـي المسـنـد (ت 241 هـ) (السيـرة النبـوية دروس وعبـر – فقه السيـرة لمحمد سعيد رمضـان البـوطـي)، وهكـذا بقيـة كتب الحـديث، فالطبراني في كتبه الثلاثة، وصاحب المجمع، والحاكم في المستدرك.

     بـل إن أغلب كتب المتـون المعتمدة، لم تَخْلُ مِنْ ذكر لسيرة هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي يجعل الـدارس المتعمق فـي السيـرة النبـويـة، وتـاريـخ تطـورهـا عبـر العصـور، أن يجـزم بأن السيـرة ومـرويـاتهـا، تجـاوزت كتب الحـديث إلـى كـتـب الـرجـال والـطـبـقـات، وبـخـاصـة طـبـقـة الصحـابـة رضـي الله عنهـم الذيـن شـاركـوا فـي الغـزوات النبـويـة، والسـرايـا والبعـوث الـمـخـتـلـفـة.

المبحث الرابع: كتب الشمائل المحمدية:

     وهي الكتب التي قصد أصحابها العناية بذكر أخلاقه، وعاداته وفضائله، وسلوكه القويم في الليل والنهار (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة)، كما تنـاولت آداب النبـي صلـى الله عليـه وسلـم وصفـاته الخَلْقية والخُلُقية (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     والشمائـل فـن يشتمل على صفاته السَّنيِة، ونعـوته البهيَّة، وأخلاقـه الزكية، التي هي وسيلةٌ إلى امتلاء القلب بتعظيمه ومحبته صلى الله عليه وسلم، وذلك سبب لاتبـاع هـديه وسنته، ووسيلةٌ إلى تعظيم شرعه وملته، وتعظيم الشريعة واحترامها وسيلة إلى العمل بها والوقـوف عند حـدودها، والعمل بها وسيلة إلى السعـادة الأبـدية، والفـوز برضا رب العالمين (منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول لمحمد عبادي اللحجي).

     وإذا كان من تمام الإيمـان أن يكـون الله ورسـولـه أحب إلى الناس من نفوسهم التي بين جنوبهم، فقد ملأ حبه صلى الله عليه وسلم شغـاف قلـوب المـؤمنين، مما جعلهم يسيرون على هداه متـرسمين خطاه، يصفون شمائله وأحواله، ويسجلون خلجات ذاته، وملامح صفاته صلى الله عليه وسلم (أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه لعبد الله بن حيان الأصبهاني).

     لقد حفظ لنا الصحـابة رضي الله عنهم أجمعين صـوراً كاملةً شاملةً تامةَ المبنى والمعنى، جامعةً لكل لمحةٍ وخلجةٍ، وحـركةٍ، وإشـارة لسيـدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مولده الشـريف إلى اختياره إلى الرفيق الأعلى (أخـلاق النبـي صلـى الله عليه وسلم وآدابه لعبد الله بن حيان الأصبهاني).

     ومـوضـوع الشمـائـل اهتـم بـه علمـاء المسلميـن منـذ القـدم، وكـان أحـد أغـراض كتب الحـديث، التـي تهتـم بـأحـوال الـرسـول صلـى الله عليـه وسلـم، فـي عـبـادتـه وخـلقـه، وهـديـه، ومعـاملتـه (مـن مقـدمـة شمـائـل الـرسـول صلـى الله عليـه وسلـم لأبـي الفـداء الحـافـظ ابـن كثيـر) مـع كـل شـيء حـوله في الطعام، والشراب، واللباس، والأدوات، والدواب، والسـلاح، والكبيـر، والصغيـر، وعلـى عـدّ صـفـاتـه وأحـوالـه جـانبـاً مـن جـوانـب سـنـتـه الشـريـفـة (مـن مقـدمـة شمـائـل الـرسـول صلـى الله عليـه وسلـم لأبـي الفـداء الحـافـظ ابـن كثيـر).

     ثـم أفـرد المحـدثون والعلماء موضوع الشمائل في كتب مستقلة، كان في مقدمتهم أبو البختـري وهب بن وهب الأسـدي (ت 200 هـ) في مـؤلفه (صفة النبي صلى الله عليه وسلم) ثم أبو الحسـن علي بن محمد المـدائني (ت 224 هـ) في كتـابه (صفة النبي)، ثم كتـاب الشمـائل المحمدية للإمام الترمذي (ت 279 هـ)، ثم داود بن علي الأصبهـاني (ت 270 هـ) في كتابه (الشمـائل المحمـدية) (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري)، ثـم إسمـاعيـل القـاضي المالكـي (ت 282 هـ) في كتـابه (الأخـلاق النبـوية)، كذلك أبو الحسـن أحمد بن فارس اللغوي (ت 295 هـ) في كتابه (أخلاق النبي) (مصـادر السيـرة النبـوية وتقـويمها لفاروق حمادة). ثم جـاء بعدهـم فـي القرون التالية خلق كثيرٌ.

     كمـا نجـد أن كتب الصحـاح (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة) والسنن والمسـانيـد ضمت كثيـراً مـن أبـواب الشمـائـل، فقـد جـاءت منثـورةً بيـن أبـواب العبـادات والمعـامـلات والأخلاق، والآداب والزهد، والرقاق (من مقدمة شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي الفداء الحافظ ابن كثير).

     ولهـذا فـإن كتب الشمـائل تعد من المصـادر الأسـاسية في سيرة الرسـول الكريـم صلى الله عليه وسلم ولا يمكـن لمَنْ يؤلف في السيـرة أو يـؤرخ لبـدايتها من الـرواية أو التـدوين إلا أن يقف على هذه الكتب، لينهـل منها ما يتعلق بأوصـافه صلى الله عليـه وسلـم، وصفـاتـه، وتصـرفـاتـه في كل حيـاتـه ودقـائقـه أثناء الليل وأطـراف النهـار لنتعرف على خُلُقِهِ (الخُلق بضم الخاء: المراد الصورة الباطنة كالحلـم، والعلـم والصبـر وغيـرها) وخَلْقِهِ (الخَلق بفتح الخاء: الصـورة الظـاهـرة للإنسان كالبيـاض والطـول ولـون البشـرة وغيـرها) في الظـاهـر والبـاطـن، فـي الخـاص والعـام، والتـي تعـد كلها من دلائـل نبـوتـه صلى الله عليه و سلم.

المبحث الخامس: كتب الدلائل النبوية (المعجزات المحمدية):

     يُعـرِّف العلمـاء الـدلائـل النبـوية بأنها الحجج البالغـة القاطعـة، والبـراهين الواضحة الساطعة، الدالة على صـدق وصحـة نبـوة سيـدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى شمـول وعمـوم رسالتـه، بـدلالات واضحـة لا جدل فيها (منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول لمحمد عبادي اللحجي).

     وهـي أيـضـاً المعجـزات الـدالـة عـلـى صـدقـه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، المبيـنـة لفضلـه، النـافيـة لـشـك المرتابين، المطمـئنـة لقلـوب المـؤمنيـن، الفـاضـحـة لقـلـوب المنـافقيـن، القـاهـرة للـكـافـريـن (أعـلام الـنـبـوة، لأبـي الحـسـن عـلـي بـن مـحـمـد الـمـاوردي)، وفيها الأدلـة عـلـى مـعـجـزاتـه وظـهـور آيـاتـه، والرد على من أنكر ذلك (تثبيت دلائل النبوة لعبد الجبار بن أحمد الهمذاني).

     وموضوع علم الـدلائـل: واسع المعنى والمضمون، يـندرج تحته جُلّ علوم السيرة النبوية، كالشمائل، والخصائص، والمعجزات المعنوية والمادية، وجميع أبواب المغازي، وكل ما ورد عنه في القـرآن الكـريـم، مما يثبت بالنص الواضح القاطع نبوته، ورسالته (دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكـر أحمد بن الحسيـن الـبيـهقي).

     بـل قـيـل إن القـرآن الـكـريـم بـإعـجـازه، وبيـانـه، وفصـاحتـه، وقصصـه، وأخبـاره عـن الأنـبـيـاء، وأقـوامـهـم، ومـا ذكـر عـن الـجـنـة، والـنـار، والبعث والحسـاب، وعـن مشـاهـداتـه فـي الإسـراء والمعراج، هو كله من دلائل نبوته بالنـصـوص الـقـطـعـيـة، الـتـي لا يـأتـيـهـا الـبـاطـل، ولا الـشـك تـصـديـقـاً لـقـولـه تـعـالـى: {إِنَّـا نَـحْـنُ نَـزَّلْـنَـا الـذِّكْـرَ وَإِنَّـا لَـهُ لَـحَـافِـظُـونَ} (سـورة الحـجـر، الآيـة: 9).

     وفي هذا يقول الإمام النـووي رحمـه الله: (محمـد عبـده ورسوله، وحبيـبـه وخليلـه، خاتم النبييـن، صـاحب الشفـاعة العظمـى، ولـواء الحمـد، والمقـام المحمـود، سيـد المـرسليـن، المخصـوص بالمعجـزات البـاهـرة المستمـرة علـى تكـرار السنيـن؛ التي تحـدى بهـا أفصـح القـرون، وأفحـم بهـا المنـازعيـن، وظهـر بهـا خـزيُ مَـنْ لـم يَـنْقَـدْ لهـا مـن المعانديـن، المحفـوظـة مـن أن يتطـرق إليهـا تغيير الملحـديـن، أعنـي بهـا القـرآن العـزيـز، كلام ربنـا الـذي نزل بـه الـروح الأميـن؛ علـى قلبه ليكـون من المنذريـن ، بلسـان عربـي مبيـن) (حـق اليقيـن فـي معجـزات خـاتـم الأنبيـاء و المـرسليـن صلـى الله عليـه وسلـم لإبـراهيــم بـن عـايش الحمـد).

     بـل عـدَّ بعضـهـم صفـاتـه الخَلقيـة والخُلقيـة الظـاهـرة والبـاطنـة وجميـع شمـائلـه هـي بـاب الـدلائـل علـى نبـوتـه، لأن جميـع الصفـات الإنسـانيـة جـاءت فيـه علـى الوجـه الأكمـل والمثـال الأجمـل، ولهـذا فقـد عـدَّ بعضهـم، وبخـاصـة الإمـام البيهقـي رحمـه الله (ت 458 هـ) فـي موسوعتـه العظيمـة (دلائـل النـبـوة)، كتب الدلائـل هي أشمـل وأعظـم كتب السيـرة، لمـا تضمنتـه من أخبـار، ومرويـات، وقصص، وحوادث، ومعجزات، وخصائص، وطبائع، وصفـات خَلقية وخُلقية.

     بل إنَّ ما يتعلق بـه من بشـارات، وإرهاصات، ومقدمـات وكل ما يتعلق بقومه، وعشيرته، وحسبه، ونسبه، واصطفاء الله تعالى له، وفضله في الدنيـا والآخرة، وما أعطـاه الله فيهما لنفسه ولأمته، هي كلها دلائل واضحة على صدق نبوته وعموم رسالته المؤيدة بالمعجزات الحسية والمعنوية.

     وتنقسم الدلائـل النبـوية إلى قسميـن: دلائـل معنـوية ودلائـل حسيـة، أما الدلائل المعنوية فيأتي في مقدمتها القـرآن الكريـم الذي هو أعظـم المعجـزات، وأبهـر الآيـات وأبيـن الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدَّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك (البداية والنهاية لأبي الفداء الحافظ ابن كثير).

     كذلك من المعجزات المعنوية أخلاقـه الطاهرة الكاملة مثل، حلمـه، وكرمـه، وشجـاعتـه، وزهـده، وقنـاعتـه، وإيثـاره، وجميـل صحبتـه، وصدقـه وأمـانتـه (البداية و النهاية لأبي الفداء الحافظ ابن كثيـر).

     أمـا الدلائـل الحسيـة فهي المعجـزات الواضحـات، الباهـرات، كانشقـاق القمـر (البداية والنهاية لأبي الفداء الحافظ ابن كثير)، ونبع المـاء، وتكثيـر الطعـام، وتسليـم الشجـر والحجـر عليـه، وحنيـن الجذع ، ونبع المـاء مـن بيـن أصابعـه، وتسبيـح الحصى في كفِّـه، واستجـابـة الشجـر لدعوته صلى الله عليه وسلـم (منتهـى السـول علـى وسـائـل الـوصـول إلـى شمـائـل الـرسـول لمحمد عبـادي اللحجـي).

     وكتكثير الطعام، لأبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبي طلحة، وإطعام مائة وثلاثين رجلاً من شاة واحدة، وما وجدته عائشة رضي الله عنها من بركة الشعير …

     وكإبرائـه للمرضـى، كدعائـه لأبي هريرة، وعبد الله بن عتيك، وسلمة بن الأكوع، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

     وكإجابة دعائه صلى الله عليه وسلم، بهطـول المطـر، وبرفع الوبـاء عن المدينة، وبالنصر يوم بدر، ويوم الأحزاب، ودعائه صلى الله عليه وسلم على من أكل بشماله، وعلى كسرى، ودعائه لعكاشة بأن يكون ممن يدخل الجنة من غير حساب ولا عقاب.

     وكإخباره صلـى الله عليـه وسلم عن وقائـع وأحـداث خـارج المدينـة، كإخبـاره بمـوت النجاشـي، واستشهـاد زيد، وجعفـر وابن رواحة في غزوة مؤتة، وإخباره برسالة حاطب وبهـلاك كسرى وقيصـر، وعن مصارع المشركين يوم بـدر …

     وكإخباره صلى الله عليه وسلم عَمَّن قبله من الأنبيـاء، كآدم عليه السلام، وإخباره عن إبراهيم عليه السلام، وقصة موسى مع قومه، وإخباره عن أيوب عليه السلام وداود وسليمان عليهما السلام …

     وكإخبـاره صلى الله عليه وسلم عن الأمـم السابقـة، كإخبـاره بقصة الثـلاثة الذين حُبسوا في الغار، وقصة جريج، ومن تكلم في المهد، وقصة أصحاب الأخدود، ووصف هلاك الأمم السابقة …

     وكإخبـاره صلى الله عليه وسلم عن الأحـداث التي ستقع بعد وفاته، وإخباره عن الملاحم وأشراط الساعة الصغرى، وكذلك إخباره عن أشراطها الكبرى.

     أما كتب الـدلائـل فهـي تلك التـي ألفهـا أصحـابهـا بقصـد جـمـع المعـجـزات النبـويـة التـي ظـهـرت عـلـى يـدي النبـي صلى الله عليـه وسلـم، ممـا يـدل علـى صـدق نبـوته كمـا تقـدم فـي التعـريف.

     وقد ضمت كتب الحـديث كثيـراً من ذلك، وقد شملت المعجـزات وهذه الدلائـل كتبـاً كثيـرة وأبوابـاً عديـدة في كتب السنـة المطهـرة، إلا أن هنـاك كتبـاً عـدة تخصصت في التـأليف فـي دلائـل النبـوة، أو ما يعـرف بالمعجـزات النبـويـة، فلا يخلـو عصـر مـن مصنف فيهـا ما بيـن مطنب وموجز، ومكثـر ومقـل. ومن أبرز المصنفـات في هذا المجـال دلائـل النبـوة لمحمـد بـن يـوسف الفريابي (212 هـ) وأعلام النبـوة للمـأمـون العبـاسـي (218 هـ) ودلائل النبـوة للحميـدي عبـد الله بـن الـزبيـر المكـي (219 هـ) وآيات النبـي لعلـي بـن محمد المـدائنـي (225 هـ) ودلائـل النبـوة لأبـي زرعـة عبيـد الله بـن عبـد الكـريـم (264 هـ) وأعـلام النبـوة لـداود بـن علـي الأصفهـانـي (270 هـ) وأعـلام النبـوة لأبـي داود السجستـانـي (275 هـ) ودلائـل النبـوة لابـن قتيبـة عبـد الله بـن مسلـم (276 هـ) و دلائـل النبـوة لأبي حاتـم محمد بن إدريـس الرازي (277 هـ) ودلائل النبوة لإبراهيم بن الهيثم البلـدي (277 هـ) ودلائـل النبـوة لابن أبي الدنيـا عبـد الله بـن محمد (281 هـ) ودلائـل النبـوة لإبـراهيـم بن إسحاق الحربي (285 هـ) وأمارات النبوة لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (295 هـ) ودلائـل النبـوة لأبي بكر الفريـابي جعفـر بـن محمد (301 هـ).

المبحث السادس : كتب الخصائص المحمدية:

     يُعـرِّف العلمـاء الخصـائـص بأنها الأمـور التي اختـصَّ بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن غيـره من الأنبيـاء، والأمـة، وقد يشترك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معه في شيء قليل من تلك الخصائص، لكنها في مجموعها لم تكن لأحد سوى سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم (مرشد المحتار إلى خصائص المختار لمحمد بن علي بن طولون).

     والخصـائص نوعـان الأول ما اختص به صلى الله عليـه وسلم عـن جميـع الأنبيـاء عليهـم السـلام، وهذا لا يشاركه فيه أحد. والنوع الثاني ما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأمة، وهذا قد يشاركه فيه أو في بعضه الرسل عليهم السلام.

     وتشمـل هـذه الخصـائـص كـل مـا يتعلق بـذاتـه الشـريفـة فـي الدنيـا والآخـرة مـن الواجبات، والمباحات، والمحرمات، والفضـائل والكرامات، ومـا اختص بـه فـي أمتـه فـي الدنيـا والآخـرة أيضاً من الفضـائل والكرامات والدرجات والخصوصيات (مرشد المحتار إلى خصائص المختـار لمحمد بن علي بن طولون، وأنموذج اللبيب في خصائص الحبيب لجلال الدين السيوطي).

     هـذه الخصـائص فـي مجمـوعها مـادة عظيمة مـن موسوعة علم السيـرة النبـوية فهي إحدى علومها المختلفة التي لا يستغنى عنها عند دراسة السيرة النبوية.

     وللخصائص كتب كثيـرة تتنـاول فـي مضمـونها جملة من الأحكام و الفضائل التي اختص بها نبي الإسلام صلـى الله عليـه وسلـم وأمته في الدنيـا والآخرة. ويأتي في مقدمة مَنْ ألَّف في هذا العلم الإمام الشافعي يرحمه الله تعالى حيث تناول جملة من الخصـائص النبـوية باختصـار فـي كتـابيه أحكـام القـرآن، وكتاب النكاح، وتبع الإمام الشافعي عدد كبير من العلماء ألفوا كتباً خاصةً في الخصائص النبوية في الفترات الزمنية اللاحقة، وهي كثيرة جداً.

المبحث السابع: كتب المغازي والسير المتخصصة:

     وهي الكتب التي تعنى بصفة أساسية بمغـازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحروبه، ولا تخلو من التمهيد لذلك بالحديث عن أشياء أخرى (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة).

     لقد كانت المغـازي النبـوية محط عناية المسلمين منذ الصدر الأول، وظهـرت هذه العناية واضحـة عند أبنـاء الصحابة الكـرام رضي الله عنهـم، وهـم يسألون آباءهم عن مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرياتهم عنها، لأن هؤلاء الأبناء كانوا يعتـزون بسـابقـة آبـائهـم أو بمـواقفهـم المشـرفـة إلـى جـانب النبـي صلى الله عليـه وسلم (مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة).

     نشـأت هـذه المـرويات أول ما نشـأت أحـاديث في مجـالس الخـاصة، وكانت تـدار حول مغـازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسـأل بعض الـولاة، أو الأعيـان في الأمصـار الكبـرى، عالمـاً ممن اشتهـر بالحفظ والـروايـة: كيف كانت غزوة بدر؟ ومن هم الذين استشهـدوا فـي هـذه الغـزوة؟ أو ما عددهم؟ فيحدثُ القوم بما يعلم من ذلك، مسنداً الحديث إلى من أفاده إياه من الصحابة (المغازي الأولى ومؤلفوها ليوسف هوروفتس).

     وفي الحقيقة كانت تلك الأحاديث أحياناً تفسيـراً لبعـض الآيات مـن تاريـخ تلك الوقـائع والغزوات النبوية، مثل بـدر، وأحد، والخندق، وحنين، وكان بعض الرواة يزيد ما عنده على ما عند الآخرين وذلك بحسب المصادر التي أمدته (المغازي الأولى ومؤلفوها ليوسف هوروفتس).

     لقد شغلت هذه المرويات حيزاً غير قليل من الأحاديث، والذين ألفوا في الأحاديث لم تَخْلُ كتبهم غالباً من ذكر ما يتعلق بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه. وقـد استمـر هذا المنهج حتى بعد انفصال المغازي والسيرة عن الحديث في التأليف، وأصبحت علماً مستقلاً (السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة لمحمد بن محمد أبو شهبة).

     وتأتي هذه الكتب من حيث الدقة بعد القرآن الكريم، وكتب الحديث الشريف. ومما يعطيها قيمة علمية كبيرة، أن أوائلها كتب في وقت مبكر جداً، على يد جيل كبار التابعين، حيث كان جيل الصحابة موجودين، ولم ينكروا عليهم كتابة مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني إقراراً لما كتب (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     فالصحابة رضي الله عنهم على علم دقيق وواسـع بهذه المرويات، لأنهم عاشوا أحداثها، وشاركوا فيها، وقد اشتهر عدد منهم بروايتها، وأولوها اهتماماً كبيراً، جاء فـي مقدمتهم، عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والبراء بن عازب، وسهل بن أبي حثمة، وسعيد بن سعد بن عبادة الخـزرجـي (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     إن المتتبع لهذه الكتب المتخصصـة يرى أنها جاءت في الدرجة الثانية بالنسبة لكتابة السنة النبوية، فقد كانت الكتابة في الحديث أسبق من كتابة السيرة والمغازي النبوية عموماً، فالأولى بدأت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما كتابة المغازي والسير فقد جاءت متأخرة، وإن كان الصحابة رضي الله عنهم في المرحلة الأولى ينقلون سيرته، ومغازيه مشافهةً، إلا أنها لم تدون في تلك الفترة (فقه السيرة لمحمد سعيد رمضان البوطي).

     صحيح أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أَوْلَـوا هذا النوع من الرواية وهو مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، وحيـاته عموماً، وبخـاصة أولئك الذين شهدوا المشاهد معه، وكانوا يروونها لبقية الأصحاب، ولأولادهم ومواليهم، بل إنها كانت تُرْوى أكثر من مرة، دون أن يهتم واحد منهم بجمعها وتدوينها (فقه السيرة لمحمد سعيد رمضان البوطي).

     إن الاطلاع على حيـاة الـرسول صلـى الله عليـه وسلم وفترة جهاده أمر تتوق إليه نفس المؤمن، وترغب في معرفته، فقد كان من عادة الصحابة والتـابعين أن يحدثوا أبناءهم عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن غزواته وما لقيه في سبيل نشر الدعوة من عنت وإرهاق في مكة، ثم ما لقيه من مقاومة في المدينة المنورة (أضواء على كتب السيرة لعلي العربي).

     ويعود هذا الإهتمام والإعتزاز بمغازي الرول صلى الله عليه وسلم إلى أسباب دينية في المقام الأول، وهو تعرُّف المسلمين إلى أقواله وأفعـاله، وتقريراته، وبيان مواقفه من القضايا التي واجهته في تلك الغزوات والحروب، ومراحل الدعوة المختلفة (أضواء على كتب السيرة لعلي العربي). كما أن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته كانت لها أهمية كبـرى إبـان حيـاته، وأهميـة أكبـر بعـد موته، وقد أوجبت هذه الأهمية العنايـة الشاملة بتدوين تفاصيل حياته بجمع الأحاديث والأخبار عنها.

     لقد حفظ الله تعالى هذه الأخبار عن نبيه صلى الله عليه وسلم من الضياع والتحريف، والمبالغة، والتهويل، بأن هَيَّأ لها جهابذة المحدثين ليعتنوا بها، ويدونوا أصولها الأولى، قبل أن تتناولها أقلام المؤرخين، والقصاصين، وهذه ميزة لمصادر المغازي والسيرة النبوية وكتبها المتخصصة لم تتوافر لغيرها من كتب التاريخ والأخبار (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     والحقيقة أن هذه المصنفات الأولى لهؤلاء الأعلام، معظمهـا مفقود كمدونات، لكن الجيل الثاني حفظها عنهم، واعتمد عليهم، ونقل كثيراً عنهم بطريق الأسانيد، طبقة بعد طبقة، وجيلاً بعد جيل، وكانت هذه هي الأساس للمصنفات التي جاءت بعدها (السيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري).

     كانت هذه البدايات في المدينة المنورة ضمن دراسة الحديث مع إعطاء جانب المغازي عناية خاصة، ثم تطور هذا الأمر إلى الأخذ بعين الإعتبار، حياة الرسول صلى الله عليه وسلم على نحو يتجاوز الإقتصار على نواحي التشريع (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب لعبد العزيز الدوري).

     وسميت هذه الدراسات الأولى لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم باسم المغـازي، وتعني لغوياً غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وحروبه ولكنها كما أشرت تناولَتْ في الحقيقة فترة الرسالة كلها (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب لعبد العزيز الدوري).

     ثم تَقَدَّمت كتابة السيرة خطوة كبيرة، إذ دون بعض التابعين وتابعوهم من الحفاظ معظَم ما ورثوه عن أسلافهم الصحابة رضي الله عنهم ممَّن لهم عناية بهذه الأخبار (المغازي الأولى ومؤلفوها ليوسف هوروفتس).

     وخلاصة القول أن الإهتمام بهذا العلم وكتبه المتخصصة مر بمراحل ثلاث هي:

     المرحلة الشفوية: وهي المرحلة التي كان المسلمون في القرن الأول يتناقلونها أثناء الحديث عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتحدثون عنها على المنابر ، وفي البيوت والإجتمـاعات العامة و الخاصة ، و ذلك قبل الشـروع في الكتابة (أضواء على كتب السيرة لعلي العربي).

     مرحلة التدوين الجزئي: قام بها بعض التابعين فدوَّنوا بعض الجوانب من السيـرة والمغـازي وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يمكن أن نطلق عليها مـرحلة التدوين الجزئي، لأن كل طرف اهتم بالواقعة أو الحادثة التي شارك فيها والده أو قريبه، فهذا اهتم ببيعة العقبة، والآخر اهتم بأحداث الهجرة، والآخر اهتم بغزوة بدر، وأحد، ورابع اهتم بالأحزاب والصلح، وهكذا تألف من مجموعة هذه الأخبار والروايات ما يعرف بكتب السيـرة الأصلية في أواخـر القرن الأول، وبداية القرن الثاني (أضواء على كتب السيرة لعلي العربي).

     مرحلة التأليف والتصنيف: وهي مرحلة التأليف والتصنيف عند تابعي التابعين، ممَّن تخصَّص في هذا الفن، وهذه الصناعة، وبرع فيها وألف مصنفات كبيـرة (أضـواء على كتب السيـرة لعلي العربي) تعتز المكتبة الإسلامية وتفتخر بها، لأنها تعد في عداد الموسوعات الإنسانية العظيمة، حيث استوعبت تفاصيل دقيقة عن حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وسيد البشر فـي جميع أطوار حياته، وليست لإنسان منذ آدم عليه السلام وحتى آخر نبي قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيرة كاملة شاملة عامة غطت كل كبيرة وصغيرة عن حياته وخلجات نفسه في الظاهر والباطن، كما هي سيرة هذا النبي العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

                                                       

عن المدير